بث تجريبي

الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي الجديد... هل يفتح باب الاستقرار أم يمهد لصدام داخلي؟

تحليلات - باتريك كرونين
باتريك كرونين
باحث بمعهد هدسون - الولايات المتحدة

يشكل الإطار التفاوضي الذي وقعته كل من لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الجانبين، ليس لأنه يرقى إلى مستوى معاهدة سلام أو اتفاق تطبيع، وإنما لأنه يضع للمرة الأولى منذ عقود تصوراً عملياً لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، ويؤسس لآلية أمنية وسياسية تستهدف إنهاء حالة العداء المزمنة بين البلدين. ورغم تأكيد المسؤولين اللبنانيين أن الاتفاق لا يتجاوز كونه إطاراً لـ"عدم الاعتداء" ولا يمس الثوابت اللبنانية تجاه القضية الفلسطينية، فإن مضامينه تفتح الباب أمام تحولات داخلية وإقليمية قد تكون أكثر تأثيراً من الاتفاق نفسه.

فالوثيقة لا تعالج فقط العلاقة مع إسرائيل، وإنما تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الداخل اللبناني، وهي مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، ودور حزب الله في المعادلة الأمنية والسياسية، بما يجعلها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على إعادة احتكار القرار الأمني، في ظل توازنات داخلية معقدة وحسابات إقليمية متشابكة.

من وقف إطلاق النار إلى إنهاء حالة العداء

حرصت الحكومة اللبنانية منذ اللحظة الأولى على نفي أي توصيف للاتفاق باعتباره معاهدة سلام أو خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل، مؤكدة أن ما جرى توقيعه لا يتجاوز إطاراً قانونياً وسياسياً لإنهاء الأعمال العدائية، دون أن يغيّر موقف لبنان التاريخي القائم على الالتزام بالمبادرة العربية للسلام، التي تربط إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية.

غير أن القراءة السياسية تتجاوز الجدل الاصطلاحي بين "السلام" و"عدم الاعتداء"، إذ إن الاتفاق يؤسس عملياً لمسار تفاوضي طويل يهدف إلى تحويل الحدود الجنوبية من ساحة اشتباك دائم إلى منطقة تخضع لترتيبات أمنية مستقرة، بما يضع العلاقة بين بيروت وتل أبيب أمام مرحلة جديدة تختلف عن جميع التفاهمات السابقة التي اقتصرت على وقف إطلاق النار أو إدارة الأزمات المؤقتة.

احتكار الدولة للسلاح... جوهر الاتفاق

يكمن البعد الأكثر حساسية في الاتفاق في البنود المتعلقة بإعادة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، عبر تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية تدريجياً، مقابل نزع سلاح المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها العسكرية ضمن آلية تنفيذية متدرجة تخضع لإشراف دولي.

وهذا البند لا يمثل مجرد إجراء أمني، بل يعيد طرح السؤال المركزي الذي رافق الحياة السياسية اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية: من يمتلك حق استخدام القوة داخل الدولة؟

وتؤكد الحكومة اللبنانية أن هذه الالتزامات ليست جديدة، بل تستند إلى اتفاق الطائف، وقرار مجلس الأمن رقم 1701، إضافة إلى تفاهمات وقف إطلاق النار التي أُبرمت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والتي نصت جميعها بصورة أو بأخرى على حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية.

ومن هذا المنطلق، تحاول بيروت تقديم الاتفاق باعتباره استكمالاً لمسار دستوري وقانوني قائم، وليس انقلاباً على التوازنات السياسية اللبنانية.

حزب الله أمام أصعب اختبار منذ تأسيسه

إذا كانت الحكومة تنظر إلى الاتفاق بوصفه استكمالاً لالتزامات سابقة، فإن حزب الله يتعامل معه باعتباره تحولاً استراتيجياً يمس جوهر دوره العسكري والسياسي.

فالحزب الذي بنى شرعيته منذ ثمانينيات القرن الماضي على فكرة "المقاومة" وامتلاك القدرة العسكرية المستقلة لمواجهة إسرائيل، يجد نفسه اليوم أمام وثيقة تنص بصورة مباشرة على انتقال المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني، بما يعني عملياً إعادة تعريف وظيفة السلاح خارج مؤسسات الدولة.

ولذلك جاءت مواقف الحزب متحفظة في بدايتها، قبل أن تتصاعد حدة الخطاب مع صدور تصريحات اعتبرت أن تنفيذ الاتفاق قد يقود البلاد إلى صدام داخلي إذا جرى فرضه بالقوة أو بدعم خارجي.

وتكشف هذه المواقف أن الاعتراض لا يتعلق فقط بالجوانب الأمنية، وإنما يرتبط بإعادة توزيع موازين القوة داخل النظام اللبناني، وما قد يترتب على ذلك من تغيرات في النفوذ السياسي للحزب وحلفائه.

انقسام داخلي بين منطق الدولة ومنطق المقاومة

أعاد الاتفاق إنتاج الانقسام التقليدي داخل الساحة اللبنانية، بين القوى التي ترى أن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال احتكارها للسلاح، وتلك التي تعتبر أن استمرار امتلاك حزب الله لقدراته العسكرية يشكل ضمانة لمواجهة أي تهديد إسرائيلي مستقبلي.

ويعتقد مؤيدو الاتفاق أن الظروف الإقليمية الراهنة تتيح للبنان فرصة نادرة للخروج من دوامة الحروب المتكررة، وإعادة توجيه موارده نحو التعافي الاقتصادي واستعادة ثقة المجتمع الدولي.

في المقابل، يرى المعارضون أن الاتفاق جاء في لحظة ضعف غير مسبوقة، فرضتها موازين القوى العسكرية، وأن لبنان لم يكن يمتلك أوراقاً تفاوضية حقيقية، الأمر الذي يجعل الوثيقة أقرب إلى تسوية اضطرارية منها إلى اتفاق متوازن.

وبين هذين الموقفين، تبدو الحكومة اللبنانية مطالبة بإدارة واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد، حيث يتعين عليها تحقيق التوازن بين الالتزامات الدولية والحفاظ على الاستقرار الداخلي.

السياق الإقليمي... تسوية تتجاوز الحدود اللبنانية

لا يمكن فصل هذا الاتفاق عن التحولات التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبها من إعادة تشكيل لخريطة التحالفات الإقليمية، وتصاعد المساعي الأمريكية لإعادة بناء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الاتفاق باعتباره شأناً لبنانياً إسرائيلياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من مسار أوسع يستهدف خفض بؤر التوتر، وإعادة ضبط أدوار الفاعلين غير الدولتيين، وتعزيز دور الجيوش الوطنية بوصفها الجهات الوحيدة المخولة بحمل السلاح.

ومن هنا، فإن مستقبل الاتفاق سيظل مرتبطاً ليس فقط بالتوازنات الداخلية اللبنانية، وإنما أيضاً بمسار العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، ومستقبل النفوذ الإيراني في المشرق العربي، والتطورات الأمنية على الساحتين السورية والفلسطينية.

تنفيذ تدريجي لتجنب الانفجار

يعتمد الاتفاق على مبدأ التنفيذ المرحلي، إذ يبدأ بتسلم الجيش اللبناني مسؤولية الأمن في منطقتين تجريبيتين، بالتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من المناطق المحددة، على أن تُعمم التجربة لاحقاً على مناطق أخرى وفق آليات تحقق ومراقبة دولية، تتولاها لجنة تنسيق عسكرية مدعومة من الولايات المتحدة.

ويهدف هذا النهج إلى تقليل احتمالات الانهيار المبكر للاتفاق، وإتاحة الوقت لبناء الثقة بين الأطراف، إلا أنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام عراقيل سياسية وأمنية قد تؤخر التنفيذ أو تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

إسرائيل... أمن طويل الأمد لا هدنة مؤقتة

من الجانب الإسرائيلي، يمثل الاتفاق محاولة لترسيخ ترتيبات أمنية دائمة تحول دون تكرار المواجهات التي شهدتها الحدود الشمالية خلال السنوات الماضية.

وترى تل أبيب أن استمرار أي انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية يجب أن يرتبط بإنهاء وجود البنية العسكرية لحزب الله، والقضاء على أي تهديد محتمل ينطلق من الجنوب اللبناني، وهو ما يفسر تمسكها بالإبقاء على بعض الترتيبات الأمنية إلى حين التأكد من تنفيذ جميع الالتزامات.

وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أن عملياتها العسكرية في لبنان كانت مرتبطة بوجود تهديدات صادرة عن حزب الله، وأن إزالة هذه التهديدات ستنفي الحاجة إلى أي وجود عسكري مستقبلي داخل الأراضي اللبنانية.

هل ينجح الاتفاق في إعادة تشكيل المشهد اللبناني؟

يبقى نجاح الاتفاق مرهوناً بقدرته على تجاوز العقبات الداخلية أكثر من ارتباطه بالنصوص القانونية التي يتضمنها.

فمسألة نزع سلاح حزب الله لا ترتبط بإجراءات أمنية فحسب، وإنما تتشابك مع بنية النظام الطائفي اللبناني، وتوازناته السياسية، وعلاقات لبنان الإقليمية، فضلاً عن معادلات الردع القائمة مع إسرائيل.

ومن ثم، فإن أي محاولة لتنفيذ الاتفاق دون توافق وطني واسع قد تؤدي إلى زيادة الانقسام الداخلي، وربما تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، بينما قد يؤدي التباطؤ في التنفيذ إلى تقويض الثقة بالاتفاق وإعادة فتح جبهة الجنوب أمام موجة جديدة من التصعيد العسكري.

بشكل عام، لا يمثل الإطار الموقع في واشنطن نهاية للصراع اللبناني الإسرائيلي، بقدر ما يشكل بداية لمرحلة سياسية وأمنية جديدة، عنوانها إعادة تعريف دور الدولة اللبنانية وحدود استخدام القوة داخلهاوبينما تراهن الحكومة على أن الاتفاق يفتح نافذة لاستعادة السيادة وتعزيز مؤسسات الدولة، يرى خصومه أنه يمس توازنات داخلية وإقليمية تشكلت على مدى عقود، ويهدد بإعادة إنتاج الانقسام اللبناني بصيغ أكثر حدةولذلك، فإن مستقبل هذا الاتفاق لن يتحدد فقط بما ورد  في بنوده، وإنما بقدرة القوى اللبنانية على إدارة استحقاق بالغ التعقيد، تتداخل فيه اعتبارات السيادة والأمن والشرعية مع حسابات الإقليم وموازين القوى الدولية. فنجاحه قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً في لبنان، أما تعثره فقد يحول الوثيقة إلى عنوان جديد لأزمة قديمة لم تغادر المشهد اللبناني منذ عقود.