هل دخل الاتفاق الأمريكي – الإيراني مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
رغم أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد جاءت في ظاهرها لوقف حرب استمرت أشهراً وفتح مسار تفاوضي جديد بين الطرفين، فإن التصريحات الأخيرة لرئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف تكشف أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور في ميادين القتال، بل في ميدان السرديات السياسية وتحديد هوية المنتصر والخاسر في واحدة من أخطر المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
فحين يصف قاليباف مذكرة التفاهم بأنها "إعلان هزيمة لأمريكا"، فإنه لا يتحدث فقط عن نتائج الحرب الأخيرة، بل يسعى إلى تكريس رواية إيرانية ترى أن طهران تمكنت من الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمريكية، ونجحت في فرض نفسها شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية جديدة.
لكن خلف هذه التصريحات الاحتفالية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تحاول الأطراف المتفاوضة إظهاره، إذ لا تزال الملفات الخلافية الكبرى قائمة، فيما يبدو أن الاتفاق الحالي أقرب إلى وقف لإدارة الصراع منه إلى تسوية نهائية لأسبابه وجذوره.
إيران وإعادة إنتاج سردية "الصمود"
تدرك القيادة الإيرانية أن أي اتفاق يتم توقيعه بعد حرب مكلفة لا بد أن يُقدَّم داخلياً باعتباره انتصاراً سياسياً واستراتيجياً.
فالنظام الإيراني لا يستطيع تحمل كلفة الظهور بمظهر الطرف الذي اضطر إلى تقديم تنازلات تحت ضغط الحرب أو العقوبات. ولهذا جاءت تصريحات قاليباف لتؤكد أن التفاهم لم يكن نتيجة إكراه أو ضغوط، وإنما ثمرة "المقاومة والصمود".
وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة في ظل التحديات الداخلية التي واجهتها إيران خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره بأن الحرب لم تنتهِ بهزيمة أو تراجع استراتيجي، بل أفضت إلى اعتراف أمريكي بدور إيران ومكانتها الإقليمية.
غير أن القراءة الواقعية تشير إلى أن قبول طهران العودة إلى طاولة المفاوضات الفنية حول البرنامج النووي والعقوبات وآليات الرقابة يمثل بحد ذاته اعترافاً بأن استمرار المواجهة المفتوحة لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة.
واشنطن: احتواء الأزمة لا حسمها
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة معنية كثيراً بسجال الانتصار والهزيمة بقدر اهتمامها بمنع تحول الحرب إلى نزاع إقليمي طويل الأمد يهدد المصالح الأمريكية والاقتصاد العالمي.
فالإدارة الأمريكية تدرك أن الحرب أدت إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، كما أن أي تصعيد جديد في مضيق هرمز قد يعيد أسعار النفط إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي وتنعكس سلباً على الداخل الأمريكي.
ومن هنا يمكن فهم إصرار واشنطن على الانتقال سريعاً من مرحلة العمليات العسكرية إلى مرحلة التفاوض الفني، باعتبار أن الهدف الأمريكي الأساسي لم يكن إسقاط النظام الإيراني أو إعادة رسم الخريطة السياسية بالقوة، بقدر ما كان احتواء التهديدات الأمنية وإعادة ضبط قواعد الاشتباك.
ولهذا السبب كان أول انعكاس مباشر للتفاهم هو تراجع أسعار النفط واستعادة جزء من حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يعكس حجم الرهان الأمريكي على استقرار أسواق الطاقة بوصفه أحد أهم مكاسب الاتفاق.
مضيق هرمز: جوهر الصراع المقبل
إذا كانت الحرب العسكرية قد توقفت مؤقتاً، فإن الصراع السياسي والاستراتيجي يبدو أنه انتقل إلى ملف مضيق هرمز.
فالتصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن بشأن إدارة الملاحة في المضيق تكشف أن الخلاف لا يتعلق فقط بالرسوم أو الترتيبات الفنية، بل بمن يملك النفوذ الفعلي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
بالنسبة لإيران، يمثل المضيق ورقة قوة استراتيجية تمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها الجغرافية، فيما ترى الولايات المتحدة أن أي محاولة لفرض ترتيبات خاصة أو رسوم عبور تمثل سابقة تمس بحرية الملاحة الدولية.
ولهذا قد يتحول ملف هرمز إلى الاختبار الأول لمدى قدرة الطرفين على ترجمة التفاهم السياسي إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.
لبنان: من ساحة مواجهة إلى جزء من التفاوض
تكشف تصريحات قاليباف بشأن لبنان عن تحول مهم في طبيعة المفاوضات الجارية.
فإصرار طهران على الربط بين وقف الحرب في لبنان ووقف الحرب مع إيران يعكس رؤية تعتبر أن ساحات النفوذ الإقليمية مترابطة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
وبمعنى آخر، فإن إيران تحاول توسيع نطاق التفاوض ليشمل البيئة الأمنية الإقليمية بأكملها، بينما تسعى واشنطن إلى حصر المفاوضات في الملفات الثنائية الأساسية، مع إبقاء بعض القضايا الإقليمية ضمن مسارات منفصلة.
وهذا التباين يعكس خلافاً أعمق حول طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد الحرب، وهل سيكون قائماً على تفاهمات شاملة أم على اتفاقات جزئية ومتدرجة.
الملف النووي: العقدة التي لم تُحل
رغم أهمية القضايا الإقليمية، يبقى البرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر حساسية في المفاوضات المقبلة.
فالغموض الذي يحيط بمصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بعد الضربات العسكرية الأخيرة، والخلاف حول عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يشيران إلى أن الطرفين ما زالا بعيدين عن تسوية نهائية.
وتبدو طهران حريصة على تجنب أي ترتيبات قد تُفسَّر داخلياً على أنها استسلام للشروط الأمريكية، فيما تتمسك واشنطن بضرورة وجود آليات تحقق ورقابة صارمة تضمن عدم عودة البرنامج إلى مسارات يمكن أن تثير المخاوف الدولية.
وبالتالي فإن نجاح المفاوضات الفنية المقبلة سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن بين متطلبات السيادة الإيرانية ومتطلبات الرقابة الدولية.
من وقف الحرب إلى إعادة تشكيل الإقليم
الأهمية الحقيقية لمذكرة تفاهم إسلام آباد لا تكمن في وقف القتال فحسب، بل في أنها قد تمثل بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
فإيران تحاول توظيف الاتفاق لتأكيد أنها ما زالت لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في الشرق الأوسط، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل التفاهم إلى مدخل لاستقرار أوسع يخفف من أعباء الانخراط العسكري المباشر في المنطقة.
كما أن الدور المتنامي لكل من باكستان وقطر وسلطنة عمان في الوساطة يعكس اتجاهاً جديداً نحو إدارة الأزمات الإقليمية عبر أطراف إقليمية ودولية متعددة، بدلاً من الاعتماد الحصري على القوى الكبرى.
بشكل عام، رغم الخطاب الإيراني الذي يقدم مذكرة تفاهم إسلام آباد بوصفها "إعلان هزيمة لأمريكا"، فإن الواقع يشير إلى أن الطرفين وصلا إلى قناعة مشتركة مفادها أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة التسوية. ومن ثم فإن الاتفاق لا يعكس انتصار طرف على آخر بقدر ما يعكس توازناً جديداً للقوة فرضته اعتبارات الاستنزاف المتبادل والمصالح الاستراتيجية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق، بل في تنفيذه. فالقضايا الأكثر تعقيداً، من البرنامج النووي إلى مضيق هرمز ولبنان والعقوبات، لا تزال مطروحة على الطاولة. ولذلك فإن الأسابيع المقبلة لن تكون اختباراً لنجاح التفاهم فحسب، بل اختباراً لقدرة الشرق الأوسط بأسره على الانتقال من منطق الحرب إلى منطق إعادة بناء التوازنات الإقليمية الجديدة.
