بث تجريبي

هل تقترب بغداد وأربيل من تسوية تاريخية لملف النفط والغاز؟

تحليلات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

أعادت التحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة، التي رافقتها زيارة المبعوث الأمريكي توم برّاك إلى أربيل، ملف النفط والغاز إلى صدارة المشهد العراقي بعد سنوات طويلة من الخلافات والتجاذبات. ورغم أن الملف يُختزل غالباً في أبعاده الاقتصادية والمالية، فإن جوهره يرتبط بقضية أكثر تعقيداً تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي العراقي وحدود العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وكيفية إدارة واحدة من أهم الثروات الاستراتيجية في البلاد. وتشير المؤشرات الحالية إلى أن بغداد وأربيل باتتا أقرب إلى تفاهم جديد، مدفوعتين بضغوط اقتصادية متزايدة وحاجة متبادلة إلى الاستقرار المالي والسياسي. غير أن الطريق نحو تسوية نهائية لا يزال يمر عبر ملفات دستورية وسياسية شائكة ظلت عالقة منذ أكثر من عقدين.

أزمة قانون غائب منذ أكثر من عشرين عاماً

منذ عام 2007، حين طُرحت أولى مسودات قانون النفط والغاز الاتحادي، أخفقت الحكومات العراقية المتعاقبة في التوصل إلى توافق سياسي يسمح بإقراره. ونتيجة لذلك، بقيت إدارة القطاع النفطي محكومة باتفاقات مؤقتة وتفاهمات سياسية متغيرة، بدلاً من إطار قانوني دائم وواضح. ويعود جزء مهم من الأزمة إلى اختلاف تفسير مواد الدستور المتعلقة بإدارة الثروات الطبيعية. فالحكومة الاتحادية ترى أن النفط يمثل مورداً سيادياً يجب أن يخضع لإدارة مركزية تضمن العدالة في توزيع العائدات بين جميع العراقيين، بينما يستند إقليم كردستان إلى نصوص دستورية يعتبر أنها تمنحه دوراً أساسياً في إدارة الحقول وتطويرها، خاصة تلك التي جرى اكتشافها أو تطويرها بعد عام 2005. وبين هذين التفسيرين ظلت الأزمة تراوح مكانها، لتتحول مع مرور الوقت إلى أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الطرفين.

لماذا تتحرك الأطراف الآن؟

لا يبدو أن الحراك الحالي جاء نتيجة تغير جوهري في المواقف السياسية بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى جميع الأطراف بأن كلفة استمرار الخلاف أصبحت أعلى من كلفة التسوية. فالعراق يواجه تحديات مالية متزايدة تتطلب تعظيم الاستفادة من موارده النفطية، بينما يعاني إقليم كردستان من ضغوط اقتصادية متكررة مرتبطة بتأخر المستحقات المالية وتعطل بعض مسارات التصدير. كما أن استمرار النزاع يؤثر سلباً على ثقة المستثمرين ويحد من قدرة العراق على تطوير قطاع الطاقة بكفاءة أكبر. ومن هنا تبدو التسوية الحالية أقرب إلى استجابة لضرورات اقتصادية مشتركة منها إلى تنازل سياسي من أي طرف.

الدور الأمريكي: تسهيل لا فرض حلول

تكشف زيارة المبعوث الأمريكي توم برّاك عن اهتمام دولي متزايد باستقرار قطاع الطاقة العراقي. فالولايات المتحدة تنظر إلى العراق بوصفه أحد اللاعبين المهمين في أسواق الطاقة الإقليمية، كما أن استمرار الخلاف بين بغداد وأربيل ينعكس على بيئة الاستثمار ومشاريع البنية التحتية النفطية. ومع ذلك، لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى فرض صيغة محددة للحل، بقدر ما تعمل على تقريب وجهات النظر وتشجيع الطرفين على البناء فوق التفاهمات القائمة. كما أن الحديث عن مشاريع استراتيجية مثل تطوير خطوط الأنابيب وتوسيع منافذ التصدير يمنح التسوية بعداً إقليمياً يتجاوز حدود الخلاف الداخلي.

إقليم كردستان بين الحقوق الدستورية ومتطلبات الدولة

لا يمكن فهم الموقف الكردي بعيداً عن التجربة السياسية التي أعقبت عام 2003. فالقوى الكردية تنظر إلى الفيدرالية باعتبارها أساس الشراكة السياسية داخل العراق، وترى أن إدارة الموارد الطبيعية يجب أن تعكس هذا المبدأ. في المقابل، تخشى قوى سياسية في بغداد من أن يؤدي توسيع صلاحيات الأقاليم في إدارة النفط إلى إضعاف الدور الاتحادي وإحداث تفاوتات في إدارة الثروة الوطنية.

غير أن التجربة العملية أظهرت أيضاً أن إقليم كردستان نجح خلال سنوات طويلة في جذب استثمارات نفطية مهمة وتطوير بنية تحتية للطاقة، الأمر الذي جعله طرفاً أساسياً في المعادلة النفطية العراقية. ولهذا فإن أي تسوية مستدامة ستحتاج إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على وحدة السياسة النفطية العراقية وبين احترام الخصوصية الدستورية للإقليم.

هل اقترب الحل النهائي؟

رغم الأجواء الإيجابية الحالية، فإن الحديث عن إقرار قانون النفط والغاز خلال المدى القريب قد يكون متفائلاً أكثر من اللازم. فالعقبات السياسية التي عطلت القانون طوال السنوات الماضية لا تزال قائمة، كما أن تمريره يتطلب توافقاً لا يقتصر على بغداد وأربيل فحسب، بل يشمل أيضاً المحافظات المنتجة للنفط التي تمتلك مطالبها الخاصة. لذلك يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تطوير الاتفاقات القائمة وتوسيعها لتشمل ملفات جديدة تتعلق بالإنتاج والتصدير والعائدات، بدلاً من الوصول السريع إلى تسوية تشريعية شاملة.

بشكل عام، تشير التحركات الأخيرة إلى أن ملف النفط والغاز دخل مرحلة أكثر جدية من أي وقت مضى منذ سنوات. غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في احتمال زيادة الصادرات النفطية أو معالجة الأزمات المالية، بل في اختبار قدرة العراق على بناء صيغة متوازنة للعلاقة بين المركز والإقليم.

فالتسوية الناجحة لن تكون انتصاراً لبغداد أو لأربيل، وإنما خطوة نحو ترسيخ مفهوم الشراكة الدستورية وإدارة الثروة الوطنية على أساس التوافق والمصالح المشتركة. وإذا نجحت الأطراف في استثمار الزخم الحالي، فقد يتحول ملف النفط من مصدر مزمن للخلاف إلى نموذج للتسويات التي يحتاجها العراق في ملفات أخرى لا تقل تعقيداً.