روبيو يبدأ جولة خليجية من أبوظبي لتعزيز التحالفات بعد وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران
وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أبوظبي في 23 يونيو (حزيران)، مستهلاً جولة خليجية بالغة الأهمية تهدف إلى طمأنة أقرب الحلفاء العرب لواشنطن، بعد أن أثار إطار وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران تساؤلات جديدة بشأن الأمن الإقليمي وطموحات طهران المستقبلية.
وحطّ روبيو في مطار البطين التنفيذي قبل أن يبدأ سلسلة لقاءات مع قادة دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين على مدى اليومين التاليين، في وقت تدرس فيه العواصم الخليجية تداعيات اتفاق التهدئة الذي رعته واشنطن مع طهران.
وتأتي هذه الزيارة في لحظة دقيقة بالنسبة للمنطقة. فعلى الرغم من بدء تعافي صادرات النفط وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز بعد أيام من الاضطرابات، فإن التوترات لا تزال مرتفعة. فقد اتهم مسؤولون إيرانيون عدداً من الدول الخليجية بتقديم تسهيلات غير معلنة للعمليات العسكرية الأمريكية خلال المواجهات الأخيرة، في الوقت الذي أكدوا فيه استمرار سعيهم لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
وبالنسبة للأنظمة الملكية الخليجية التي تنظر منذ سنوات بقلق إلى النفوذ الإقليمي الإيراني، تحمل مهمة روبيو بعدين دبلوماسيًا واستراتيجيًا في آن واحد: تأكيد استمرار الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه الحلفاء، حتى مع بدء تبلور ملامح تفاهم طويل الأمد محتمل مع طهران.
«نريد أن نستمع إليهم»
وفي حديثه للصحفيين فور وصوله، شدد روبيو على أن أولوية واشنطن في هذه المرحلة هي التشاور أكثر من الإقناع.
وقال: «لدينا علاقات وشراكات طويلة الأمد مع الدول الثلاث التي أزورها»، مشيداً بدولة الإمارات باعتبارها واحدة من أقوى شركاء الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة.
وأضاف في تصريح لمراسل إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية: «نحن هنا في الحقيقة لنستمع إليهم أكثر مما نتحدث إليهم. نريد أن نعرف وجهات نظرهم ونتأكد من أخذها بعين الاعتبار في كل قرار نتخذه».
وبدا أن هذه التصريحات تهدف إلى تهدئة مخاوف الحلفاء الخليجيين الذين يخشون أن يؤدي إطار وقف إطلاق النار الأمريكي – الإيراني إلى تعزيز موقف طهران أو ترك ملفات جوهرية دون معالجة، مثل برنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الجماعات الحليفة لإيران، وأمن الملاحة البحرية.
واعترف روبيو بأن «إطاراً» دبلوماسياً أصبح قائماً الآن، لكنه لا يزال غير مكتمل.
وقال: «هذه قضية مستمرة منذ 47 عاماً. ولا أعتقد أن أحداً يدّعي أنها ستُحل خلال يوم أو يومين».
وأضاف أن الأيام الأخيرة شهدت وضع «أسس جيدة»، لكن «لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به».
ضغوط على إيران بشأن الالتزام بالتعهدات
كما ردّ روبيو على التصريحات الإيرانية التي شككت في بعض الالتزامات التي قيل إن طهران وافقت عليها خلال المحادثات التي جرت في سويسرا، مؤكداً أن واشنطن تعرف تماماً ما وافقت عليه إيران.
وقال: «نحن نعرف ما الذي وافقوا على القيام به. والآن إما أن ينفذوا ما وافقوا عليه أو لا يفعلوا. وإذا لم يفعلوا، فسيكون على الرئيس اتخاذ بعض القرارات».
ويعكس هذا التحذير استمرار الغموض بشأن إحدى أكثر القضايا حساسية في إطار وقف إطلاق النار، وهي آليات التفتيش والتحقق من الالتزامات.
وكان مسؤولون إيرانيون قد أعلنوا في 22 يونيو أن اتفاقاً نهائياً بشأن بروتوكولات التفتيش الدولية لم يُنجز بعد، في ما بدا أنه يتناقض مع تصريحات سابقة أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس.
ورفض روبيو الخوض في تفاصيل خيارات التنفيذ أو العقوبات المحتملة، لكنه أشار إلى أن التزام إيران سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان المسار الدبلوماسي سيستمر.
الوكلاء الإقليميون والصواريخ وبؤر التوتر
لا يزال أحد أبرز مصادر القلق لدى الحلفاء الخليجيين يتمثل في ما إذا كانت شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، بما في ذلك «حزب الله» و«حماس»، ستُناقش ضمن مذكرة التفاهم.
وأكد روبيو أن هذه القضايا ستصبح حتماً جزءاً من المفاوضات.
وقال: «لا يمكن الحديث عن نهاية للأعمال العدائية والصراعات في المنطقة طالما أن وكلاء إيران يطلقون الصواريخ والطائرات المسيّرة من العراق ويشاركون في أعمال إرهابية».
وأضاف أن بعض هذه الملفات قد لا تكون جزءاً مباشراً من إطار وقف إطلاق النار الحالي، لكنها تبقى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأي جهد أوسع لتحقيق السلام.
كما أكد روبيو أن مستقبل لبنان السياسي سيُبحث بشكل منفصل عن المحادثات مع إيران، مشدداً على أن واشنطن تتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية.
وقال لإذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية: «مستقبل لبنان يعود إلى الشعب اللبناني من خلال حكومته المنتخبة ذات السيادة».
وجاءت تصريحاته في وقت كان فيه مسؤولون لبنانيون وإسرائيليون يجرون محادثات متوازية في واشنطن، في مؤشر على اتساع نطاق التحركات الدبلوماسية الإقليمية بالتوازي مع المسار الإيراني.
أمن مضيق هرمز يعود إلى الواجهة
ومن المتوقع أن تركز جولة روبيو الخليجية بشكل كبير على الأمن البحري، بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها متشددون إيرانيون بشأن إمكانية تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أهم ممر لنقل النفط في العالم.
وعندما سُئل عما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرين على ضمان حرية الملاحة في المضيق، أكد أن القضية تتعلق بالقانون الدولي.
وقال: «هذا ممر مائي دولي. ولا يحق لأي دولة فرض رسوم أو بدلات عبور على ممر مائي دولي. هذا هو القانون الدولي القائم، ونتوقع أن يُطبّق هنا أيضاً».
ومن المرجح أن تمنح هذه التصريحات قدراً من الطمأنينة للدول الخليجية المنتجة للطاقة، التي تعتمد اقتصاداتها على استمرار تدفق حركة الشحن دون انقطاع.
غير أن المحللين يرون أن السؤال الأوسع لا يزال دون إجابة واضحة: هل يمكن أن يتحول إطار وقف إطلاق النار إلى ترتيبات أمنية إقليمية مستدامة، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تؤجل مواجهة أعمق؟
وفي الوقت الراهن، تبدو جولة روبيو الخليجية محاولة أمريكية للحفاظ على تنسيق وثيق مع الحلفاء العرب في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقة مع إيران.
