عالم "على كف عفريت": هل فقد الكبار عقولهم؟
في ممرات الأمم المتحدة الصامتة، وفي صخب أسواق النفط التي لا تهدأ، هناك كلمة واحدة تهمس بها الوفود في عام 2026؛ "السيولة". ليس المقصود هنا سيولة الأموال، بل سيولة المواقف والولاءات. نحن لا نعيش مجرد "أزمة" سياسية عابرة، بل نمر بما يمكن تسميته "الاضطراب العالمي الكبير"، حيث القواعد القديمة احترقت، والقواعد الجديدة لم تُكتب بعد.
لعبة الكراسي الموسيقية
منذ عقود، كان العالم يسير بنظام "الكتالوج"؛ تعرف من مع من، ومن ضد من. اليوم، الخريطة تبدو وكأن طفلاً عبث بألوانها. تجد الدولة "أ" تشتري السلاح من الشرق، وتضع أموالها في بنوك الغرب، وتتوسط في صلح في الجنوب. هذا ليس تخبطاً، بل هو "رقص على الحبال" فرضه واقع جديد لم يعد فيه أحد يثق بالوعود الكبرى.
واشنطن لم تعد تلك "المظلة" التي تقي الجميع من المطر، وبكين ليست مجرد "مصنع للعالم" يريد السلام التجاري، بل أصبحت لاعباً يضع شروطه على الطاولة وبقوة. وما بينهما، تبرز قوى إقليمية "شرسة" ترفض أن تكون مجرد حجر شطرنج، بل تريد أن تكون هي من يحرك الأحجار. المضائق.. أعصاب العالم المشدودة ما يحدث.
اليوم في مضيق هرمز أو باب المندب ليس مجرد مناوشات عسكرية؛ إنه "عض أصابع" على مستوى كوني. حين يهدد جنرال بإغلاق ممر مائي، فهو لا يهدد سفينة، بل يهدد سعر رغيف الخبز في قرية نائية في أفريقيا، ويجعل مواطناً في أوروبا يفكر مرتين قبل تشغيل تدفئة منزله. لقد اكتشفنا، ويا للهول، أن عصب الحضارة الحديثة معلق بخيوط واهية من الأمن البحري، وأن "الذكاء الاصطناعي" والتقدم التكنولوجي الذي نتباهى به، قد ينهار تماماً إذا قررت قذيفة طائشة استهداف ناقلة نفط في ممر ضيق.
الإنسان.. الرقم المنسي
المحزن في هذا "الاضطراب" هو أن الإنسان العادي صار هو "العملة" التي تُدفع في صراعات الكبار. نتحدث عن "جيوسياسة" و"توازن قوى"، وننسى أن خلف كل قرار برفع الفائدة أو فرض حصار، هناك أب لا يستطيع تأمين حليب أطفاله، وشاب يرى مستقبله يتبخر في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
نحن نعيش عصر "الدبلوماسية الخشنة"، حيث الكلمات منمقة لكن الأفعال جارحة. الكل يتحدث عن السلام، والكل يرفع ميزانية التسلح. الكل يتحدث عن البيئة، والكل يتسابق لاستخراج آخر قطرة نفط لتمويل حربه القادمة. إلى أين؟
السؤال ليس "من سينتصر؟"، لأن في هذا النوع من الاضطراب الشامل، المنتصر هو فقط من يخسر أقل من غيره. نحن بحاجة إلى "استراحة محارب" دولية، إلى لحظة صدق يدرك فيها القادة أن الأرض أصغر بكثير من أطماعهم، وأن هذا "الاضطراب" إذا استمر، فلن يترك أحداً ليحكمه. العالم في 2026 لا يبحث عن بطل خارق ينقذه، بل يبحث عن "عقل" يعيده إلى صوابه قبل أن تنزلق القدم إلى هاوية لا قاع لها.