بث تجريبي

لماذا تراهن روسيا على طالبان في إعادة تشكيل النظام الإقليمي بأوراسيا؟

تحليلات - Foresight

في الوقت الذي لا تزال فيه غالبية القوى الدولية تتعامل بحذر مع حكومة طالبان، تبدو موسكو وكأنها اتخذت قراراً استراتيجياً بالمضي أبعد من مجرد التواصل البراغماتي مع الحركة، نحو بناء شراكة سياسية وأمنية واقتصادية متدرجة معها. ولم يعد الاعتراف الروسي بطالبان في يوليو 2025 مجرد خطوة دبلوماسية استثنائية، بل أصبح مؤشراً على تحول أوسع في المقاربة الروسية تجاه أفغانستان، وعلى إعادة تعريف مفهوم الاستقرار الإقليمي في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من آسيا الوسطى.

فمن منظور الكرملين، لا يتعلق الأمر بمنح الشرعية لحركة كانت مصنفة إرهابية حتى وقت قريب، بقدر ما يتعلق بإدارة واقع جيوسياسي جديد فرضته التحولات الميدانية في أفغانستان منذ عام 2021. إذ ترى موسكو أن طالبان لم تعد مجرد فاعل مسلح يسيطر على دولة هشة، بل أصبحت سلطة حاكمة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية تخص قلب آسيا.

الفراغ الأمريكي وصعود الواقعية الروسية

أحدث الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تحولاً عميقاً في التوازنات الإقليمية. فبعد عقدين من الهيمنة الأمنية الغربية، وجدت القوى الإقليمية نفسها أمام فراغ استراتيجي واسع، وبرزت الحاجة إلى بناء ترتيبات أمنية جديدة تمنع انهيار البيئة الإقليمية المحيطة بأفغانستان.

وفي هذا السياق، تبنت موسكو مقاربة تقوم على "الواقعية الأمنية"، أي التعامل مع السلطة الفعلية القائمة بغض النظر عن طبيعتها الأيديولوجية. فروسيا تدرك أن تجاهل طالبان أو محاولة عزلها لن يؤدي إلى إضعافها، بل قد يسهم في تحويل أفغانستان إلى مساحة مفتوحة للجماعات العابرة للحدود، وهو السيناريو الذي تعتبره موسكو التهديد الأكبر لأمنها القومي.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية والسياسية لآسيا الوسطى، التي تمثل العمق الاستراتيجي الجنوبي لروسيا. فوجود جماعات مثل تنظيم داعش – ولاية خراسان، أو شبكات التطرف العابر للحدود، يهدد بتحويل أفغانستان إلى نقطة انطلاق لعمليات تستهدف الجمهوريات السوفيتية السابقة، ومنها إلى الداخل الروسي.

ومن ثم، فإن الاعتراف بطالبان لم يكن تتويجاً لمسار تقارب سياسي فقط، بل أداة لإشراك الحركة في منظومة أمنية إقليمية تتحمل من خلالها مسؤولية ضبط المجال الأفغاني ومنع تصدير التهديدات إلى الجوار.

طالبان كشريك أمني لا كحليف أيديولوجي

على الرغم من الخطاب الروسي الذي وصف طالبان أحياناً بأنها "حليف" في مكافحة الإرهاب، فإن العلاقة بين الطرفين لا تستند إلى تقارب فكري أو أيديولوجي، وإنما إلى تلاقي مصالح مؤقتة.

فموسكو لا تزال تدرك أن البيئة الأفغانية تشهد نشاطاً متزايداً لجماعات مسلحة متعددة، وأن قدرة طالبان على السيطرة الكاملة على المشهد الأمني ما زالت موضع شك. كما أن الحركة نفسها تواجه معضلة بنيوية تتمثل في احتوائها تيارات وقادة محليين تتباين مواقفهم من ملفات حساسة مثل العلاقة مع الجماعات الجهادية الإقليمية أو مع حركة طالبان باكستان.

وبالتالي، فإن الرهان الروسي لا يقوم على الثقة المطلقة في طالبان، بل على قناعة مفادها أن الحركة تمثل الخيار الأقل تكلفة مقارنة ببدائل الفوضى والانهيار.

وتبدو هذه المعادلة أكثر وضوحاً بعد تصاعد نشاط تنظيم داعش – ولاية خراسان خلال السنوات الأخيرة. فقد أثبتت العمليات التي استهدفت موسكو وكابول أن التنظيم يمتلك قدرة متنامية على تجاوز الحدود الوطنية، الأمر الذي دفع روسيا إلى التعامل مع طالبان باعتبارها خط الدفاع الأول ضد تمدد التنظيم نحو آسيا الوسطى.

الأزمة الأفغانية – الباكستانية وإعادة تشكيل التهديدات

أحد أكثر المتغيرات تأثيراً في الحسابات الروسية يتمثل في التوتر المتصاعد بين كابول وإسلام آباد. فالصدامات العسكرية المتكررة بين الطرفين لا تمثل مجرد أزمة حدودية، بل تعكس تصدعاً متزايداً داخل البيئة الحاضنة للحركات المسلحة في المنطقة.

وتخشى موسكو من أن يؤدي تفاقم الخلاف بين طالبان وباكستان إلى نتائج متناقضة. فمن جهة، يمكن أن يضعف قدرة التنظيمات المتطرفة على الحركة عبر الحدود، لكنه من جهة أخرى قد يفضي إلى انشقاقات داخل طالبان نفسها، أو يدفع بعض الفصائل إلى الالتحاق بتنظيم داعش، بما يعيد إنتاج التهديد بصورة أكثر تعقيداً.

وتعني هذه المعادلة أن روسيا لا تنظر إلى الأزمة الأفغانية–الباكستانية من زاوية العلاقات الثنائية فقط، وإنما باعتبارها عاملاً مؤثراً في بنية الأمن الإقليمي بأكملها.

ولهذا السبب، تحرص موسكو على تشجيع التهدئة بين الطرفين، ليس دفاعاً عن الاستقرار السياسي فحسب، وإنما حماية لمشروعات الربط الإقليمي التي تراهن عليها في استراتيجيتها الأوراسية.

البعد الاقتصادي: أفغانستان بوابة لا ساحة صراع

إذا كان الأمن يمثل الدافع المباشر للتقارب الروسي مع طالبان، فإن الاقتصاد يمثل الأفق الاستراتيجي الأوسع لهذا التقارب.

فروسيا تنظر إلى أفغانستان باعتبارها عقدة جغرافية تربط آسيا الوسطى بالمحيط الهندي، وهو ما يمنحها أهمية استثنائية ضمن مشاريع النقل والطاقة والتجارة العابرة للأقاليم.

ومن هذا المنطلق، لم يعد الهدف الروسي مقتصراً على منع انهيار أفغانستان، بل بات يتمثل في دمجها تدريجياً في الشبكات الاقتصادية الأوراسية التي تسعى موسكو إلى تطويرها كبديل للمسارات التجارية التقليدية الخاضعة للنفوذ الغربي.

ويفسر ذلك اهتمام روسيا بمشروعات السكك الحديدية العابرة لأفغانستان، وبالممرات التي تربط أوزبكستان وتركمانستان بالموانئ الباكستانية، فضلاً عن اهتمامها المتزايد بقطاعات التعدين والطاقة والزراعة داخل أفغانستان.

كما أن هذا التوجه يتقاطع مع مساعي روسيا الأوسع لإعادة توجيه تجارتها نحو الشرق والجنوب في ظل العقوبات الغربية المتزايدة، ما يجعل الاستقرار الأفغاني جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي الروسي.

الشرعية الدولية كأداة بقاء لطالبان

في المقابل، تدرك طالبان أن حاجتها إلى روسيا تتجاوز المكاسب الاقتصادية المباشرة. فالحركة تعاني منذ وصولها إلى السلطة من أزمة شرعية دولية مزمنة، إذ لا تزال معظم الحكومات الغربية ترفض الاعتراف بها رسمياً.

وفي هذا السياق، يوفر الاعتراف الروسي للحركة مكسباً سياسياً مهماً، ليس فقط لأنه صادر عن قوة دولية كبرى، وإنما لأنه يفتح الباب أمام دول أخرى لإعادة النظر في مواقفها.

وتسعى طالبان إلى توظيف هذا التطور لإثبات أنها لم تعد حركة متمردة معزولة، بل سلطة قادرة على إدارة علاقات طبيعية مع القوى الإقليمية الكبرى، وهو ما يفسر اهتمامها المكثف بالانخراط في مشروعات النقل والطاقة والتعاون الاقتصادي.

نحو نظام إقليمي جديد؟

تكشف السياسة الروسية تجاه طالبان عن تحول أعمق من مجرد تطبيع العلاقات مع حكومة أفغانية جديدة. فموسكو تعمل عملياً على بناء نموذج إقليمي يقوم على دمج القوى المسيطرة فعلياً في ترتيبات الأمن والاقتصاد، بغض النظر عن الاعتبارات الأيديولوجية أو المواقف الغربية.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية بأن استقرار أفغانستان لم يعد مسألة داخلية، بل أصبح عنصراً حاسماً في مستقبل الأمن الأوراسي بأكمله. كما يعكس انتقال مركز الثقل في إدارة الملف الأفغاني من القوى الغربية إلى الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم روسيا والصين وإيران ودول آسيا الوسطى.

وعلى الرغم من أن الشراكة الروسية–الطالبانية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار نشاط الجماعات المسلحة والتوتر مع باكستان وهشاشة الاقتصاد الأفغاني، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن العلاقة بين الطرفين تتجه نحو مزيد من الترسخ.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن روسيا لا تراهن على طالبان بوصفها نموذجاً سياسياً، وإنما باعتبارها أداة ضرورية لإدارة مرحلة انتقالية معقدة في قلب آسيا. أما نجاح هذا الرهان فسيعتمد في النهاية على قدرة الحركة على التحول من سلطة أمر واقع إلى شريك قادر على إنتاج الاستقرار، وهو الاختبار الذي سيحدد مستقبل أفغانستان ومكانتها في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل حالياً في أوراسيا.