هدنة بلا سلام: لماذا فشل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران؟
عندما اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار بعد أسابيع من المواجهة العسكرية، نظر كثيرون إلى الاتفاق باعتباره فرصة نادرة للحيلولة دون انزلاق الصراع إلى حرب إقليمية أوسع. فقد أوقف الاتفاق مؤقتًا المواجهات العسكرية المباشرة، وأحيا الآمال في أن تنجح الدبلوماسية حيث أخفقت سياسة الإكراه. إلا أن وقف إطلاق النار بدأ يتداعى خلال أيام قليلة. فقد دفعت الهجمات المتجددة على السفن التجارية في مضيق هرمز الولايات المتحدة إلى شن ضربات جديدة استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بينما وسعت إيران نطاق ردها باستهداف المنشآت العسكرية الأمريكية في الخليج. ومنذ ذلك الحين، واصل الطرفان تبادل العمليات العسكرية، في وقت تكافح فيه المفاوضات لاستعادة زخمها. وما بدا في البداية اختراقًا دبلوماسيًا سرعان ما تحول إلى مرحلة جديدة من مراحل تصعيد الصراع.
وقد انصب جانب كبير من النقاش على تحديد الطرف الذي انتهك وقف إطلاق النار أولًا. غير أن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا انهار الاتفاق بهذه السرعة؟ إن فشله يعكس مشكلة استراتيجية أعمق، وليس مجرد حادث منفرد أشعل فتيل التصعيد. فقد علّق وقف إطلاق النار العمليات العسكرية، لكنه أبقى الحوافز السياسية للتصعيد قائمة. فما تزال كل من واشنطن وطهران تعتقدان أن المزيد من الضغوط والإكراه سيحقق التنازلات التي أخفقت جولات الضغط السابقة في انتزاعها. لقد أوقف الاتفاق القتال مؤقتًا، لكنه لم يغيّر المنطق الاستراتيجي الذي يغذي استمرار الصراع.
ويقدم مفهوم «فخ التصعيد» الذي صاغه روبرت بيب إطارًا تحليليًا مفيدًا لفهم هذه الديناميكية. فجوهر هذا المفهوم يتمثل في أن فشل الإكراه يدفع الأطراف المتحاربة إلى تكثيف الضغوط العسكرية بدلًا من إعادة النظر في الافتراضات السياسية التي قامت عليها استراتيجياتها. فكل إخفاق يصبح مبررًا لاستخدام مزيد من القوة، لا دافعًا للتفاوض. ويجسد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران هذه الديناميكية بوضوح لافت؛ إذ لم ينجح الاتفاق في كسر دائرة الإكراه، بل اكتفى بإيقافها مؤقتًا، بينما ظل كل طرف مقتنعًا بأن جولة جديدة من الضغوط ستنجح حيث فشلت الجولة السابقة.
وقف إطلاق نار بلا تسوية سياسية
نجح وقف إطلاق النار في وقف العمليات القتالية المباشرة، لكنه أخفق في إيجاد فهم سياسي مشترك لما تتطلبه عملية السلام. فقد نظرت كل من واشنطن وطهران إلى الاتفاق، ليس باعتباره بداية لتسوية تفاوضية، وإنما هدنة مؤقتة يمكن لكل منهما استغلالها للحفاظ على موقعها التفاوضي أو تحسينه.
وكان مضيق هرمز المثال الأوضح على ذلك. فمن منظور إيران، لا يزال المضيق يمثل أهم أوراق الضغط في مواجهة خصم يتفوق عليها عسكريًا بصورة تقليدية. فبينما لا تستطيع طهران مجاراة القوة العسكرية الأمريكية، فإنها قادرة على تهديد أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة التجارية. أما بالنسبة لواشنطن، فإن حرية الملاحة تمثل ركيزة أساسية لاستراتيجيتها الإقليمية، الأمر الذي يجعل أي نفوذ إيراني على المضيق غير مقبول. وهكذا استند وقف إطلاق النار إلى افتراضات متناقضة؛ إذ توقعت واشنطن ضمان حرية الملاحة دون قيود، بينما اعتبرت طهران أن الاحتفاظ بورقة الضغط المرتبطة بالمضيق يظل ضرورة إلى أن تحصل على تنازلات سياسية واقتصادية أوسع.
وسرعان ما بدأت هذه التفسيرات المتعارضة تظهر بوضوح مع بدء تنفيذ الاتفاق. فقد برزت خلافات بشأن تخفيف العقوبات، وإتاحة الوصول إلى الأصول الإيرانية المجمدة، وإعادة فتح طرق الملاحة البحرية. ثم عمدت واشنطن إلى تشديد القيود على صادرات النفط الإيرانية، بحجة أن تحركات طهران في مضيق هرمز تتعارض مع روح الاتفاق. في المقابل، رأت السلطات الإيرانية أن الولايات المتحدة لم تقدم أي تخفيف اقتصادي ذي مغزى قبل مطالبتها إيران بالالتزام الكامل ببنود الاتفاق. وعندما تعرضت السفن التجارية مجددًا لهجمات في المضيق، اعتبرت كل حكومة أن الحادث دليل على أن الطرف الآخر هو من انتهك جوهر وقف إطلاق النار.
وهكذا نجح الاتفاق في خفض مستوى العنف، لكنه لم ينجح في معالجة الخلافات السياسية التي كانت سببًا في اندلاع الصراع أصلًا. وبما أن كل طرف ما يزال يفسر الالتزام بالاتفاق من منظور أهدافه الاستراتيجية الخاصة، فإن كل تحرك عسكري، أو حادث بحري، أو إجراء اقتصادي، يصبح مصدرًا محتملاً لجولة جديدة من التصعيد.
من فشل الإكراه إلى تجدد التصعيد
يساعد مفهوم فخ التصعيد لدى روبرت بيب في تفسير أسباب انهيار وقف إطلاق النار، رغم استمرار الطرفين في إعلان دعمهما للمسار الدبلوماسي.
فقد قامت الحملة العسكرية الأمريكية منذ البداية على افتراض أن الضغط العسكري الكاسح سيجبر إيران على تعديل سلوكها. وأسفرت الضربات الجوية عن إضعاف البنية التحتية العسكرية، والقضاء على عدد من كبار القادة العسكريين، وفرض خسائر اقتصادية كبيرة. غير أن هذه النجاحات العسكرية لم تحقق النتيجة السياسية المرجوة؛ إذ لم تتخل إيران عن أهدافها الاستراتيجية، ولم تقبل بالشروط الأمريكية، بل تكيفت مع الضغوط من خلال الاعتماد بصورة أكبر على الردع غير المتماثل، عبر تعطيل الملاحة البحرية، واستخدام الطائرات المسيّرة، والضغط على الشركاء الإقليميين.
ويميز بيب بين الفاعلية العسكرية والفاعلية السياسية؛ فالقوة العسكرية قد تدمر البنية التحتية وتفرض كلفة باهظة على الخصم، لكنها لا تضمن بالضرورة انتزاع تنازلات سياسية. وعندما يحدث ذلك، يميل القادة إلى الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في عدم كفاية الضغوط، لا في خلل الاستراتيجية نفسها، وهو ما يدفعهم إلى إطلاق جولة جديدة من الإكراه بدلًا من البحث عن تسوية.
وتستمر هذه الديناميكية حتى اليوم. ففي أعقاب الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في مضيق هرمز، وسّعت واشنطن تدريجيًا نطاق حملتها العسكرية ليتجاوز الأهداف التكتيكية المباشرة. وأصبحت الضربات الأمريكية تستهدف بصورة متزايدة البنية التحتية العسكرية الإيرانية، في الوقت الذي تصاعدت فيه الضغوط الاقتصادية من خلال إعادة فرض قيود أكثر تشددًا على صادرات النفط الإيرانية. وفي المقابل، وسّعت طهران رقعة الصراع جغرافيًا، عبر استهداف المنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج، مع مواصلة التهديد بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ولا يزال كل طرف ينظر إلى تجدد سياسة الإكراه، لا باعتبارها عائقًا أمام الدبلوماسية، وإنما وسيلة لتعزيز موقعه التفاوضي قبل استئناف المفاوضات.
ولا يسعى أي من الطرفين بالضرورة إلى حرب مفتوحة بلا حدود. لكن كليهما يخلص إلى أن ضبط النفس سيؤدي إلى إضعاف موقعه الاستراتيجي. فمن منظور واشنطن، فإن عدم الرد بحزم قد يقوض قوة الردع الأمريكية، ويبعث برسالة مفادها التساهل مع الهجمات التي تستهدف الملاحة الدولية. أما بالنسبة لطهران، فإن قبول الضربات العسكرية الأمريكية المتجددة دون رد سيعني الإقرار بأن سياسة الإكراه الأمريكية نجحت في تجريد إيران من أهم أوراقها التفاوضية.
وهذه هي الآلية التي يصفها روبرت بيب بدقة من خلال مفهوم «فخ التصعيد». فالتصعيد لا يحدث لأن القادة يسعون عمدًا إلى توسيع رقعة الحرب، وإنما لأنهم يرون أن البدائل الأخرى تبدو سياسيًا أو استراتيجيًا أكثر سوءًا. وكل جولة جديدة من الإكراه تعزز المبررات الداعية إلى جولة أخرى، وفي الوقت نفسه تقلص الثقة في قدرة الدبلوماسية وحدها على تحقيق نتائج مقبولة.
ومن المفارقات أن وقف إطلاق النار نفسه أسهم في تسريع هذه العملية. فبما أن أياً من الطرفين لم ينظر إلى الاتفاق باعتباره تسوية سياسية نهائية، فقد واصل كلاهما الاستعداد لاحتمال فشل المفاوضات. وكانت النتيجة هدنة نجحت في خفض مستوى العنف، لكنها لم تنجح في تقليص حجم انعدام الثقة.
لماذا أخفقت الدبلوماسية في مواكبة التطورات؟
عادةً ما تنجح اتفاقات وقف إطلاق النار عندما تتضمن آليات موثوقة للتحقق من الالتزام، وجدولة تنفيذ الالتزامات، وتسوية النزاعات، بما يمنح كل طرف الثقة في أن ضبط النفس سيقابله التزام مماثل من الطرف الآخر. إلا أن الاتفاق الأمريكي–الإيراني افتقر إلى مثل هذه الضمانات. فقد بقيت العديد من القضايا الجوهرية التي فجّرت الصراع دون حل، بينما استمرت المفاوضات غير المباشرة بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية والضغوط الاقتصادية.
كما استمرت جهود الوساطة التي تقودها قطر وعدد من الوسطاء الإقليميين، في الوقت الذي لم تتوقف فيه العمليات العسكرية، وهو ما يعكس أن الدبلوماسية والإكراه تحولا إلى مسارين متوازيين بدلاً من أن يكونا مرحلتين متعاقبتين. فكل ضربة جديدة تعيد تشكيل موازين التفاوض قبل أن تُترجم التفاهمات السابقة إلى واقع، الأمر الذي يجعل المفاوضات أكثر تعقيدًا ويعمق انعدام الثقة بين الجانبين.
وتواصل الضغوط السياسية الداخلية تقييد هامش الحركة لدى الحكومتين. فقد بررت الإدارة الأمريكية عملياتها العسكرية على أساس أن استمرار الضغوط سيجبر إيران على تغيير سلوكها؛ ومن ثم فإن تقديم تنازلات كبيرة في هذه المرحلة من شأنه أن يقوض المنطق الذي قامت عليه الحملة العسكرية بأكملها. وفي المقابل، واجهت القيادة الإيرانية قيودًا مشابهة؛ إذ إنها، بعد تعرضها لخسائر عسكرية واسعة، أصبحت مطالبة بإثبات أن إيران ما تزال قادرة على فرض كلفة حقيقية على خصومها. وفي ظل هذه الظروف، تبدو التسوية السياسية خيارًا مرتفع الكلفة داخليًا، بينما يغدو الرد العسكري ضرورة استراتيجية.
ومن ثم، فإن وقف إطلاق النار أخفق في توفير مخرج حقيقي من الصراع، لأنه لم يغير الحسابات الاستراتيجية التي تغذي التصعيد. بل أصبحت الدبلوماسية، بصورة متزايدة، خاضعة للسعي إلى تحقيق مكاسب عسكرية تعزز أوراق التفاوض.
الخاتمة
لا يمكن تفسير فشل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بمجرد تحديد الطرف الذي انتهك الاتفاق أولًا. فقد نجحت الهدنة في تعليق العمليات العسكرية، لكنها لم تعالج الخلافات السياسية التي كانت السبب الأصلي في اندلاع الصراع. فاختلاف تفسير بنود الاتفاق، واستمرار الخلاف بشأن مضيق هرمز، وتواصل الضغوط الاقتصادية، والهواجس المرتبطة بالحفاظ على قوة الردع، كلها عوامل أبقت لدى الطرفين دوافع قوية لمواصلة سياسة الإكراه.
ويساعد نموذج «فخ التصعيد» الذي طرحه روبرت بيب في تفسير السبب الذي جعل هذا الفشل لا يقود إلى الاعتدال، بل إلى مزيد من التصعيد. فقد عزز الاعتقاد بأن جولة جديدة من الضغوط العسكرية قد تحقق ما عجزت عنه الجولات السابقة. وهكذا تحول وقف إطلاق النار إلى حلقة أخرى في دائرة التصعيد؛ إذ أخفقت القوة العسكرية في انتزاع تنازلات سياسية، وحل الإكراه المتجدد محل التسوية، بينما تراجعت الدبلوماسية تدريجيًا أمام منطق الرد العسكري.
ولا تقتصر دلالات هذه الحالة على الصراع الأمريكي–الإيراني وحده. فاستمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة يوضح أن المفاوضات وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار عندما يعتقد الطرفان أن مزيدًا من الإكراه سيحسن موقعهما التفاوضي. ومع تزايد اعتماد الدول على أدوات الإكراه الاقتصادي، والبنية التحتية الاستراتيجية، وأوراق الضغط البحرية، فإن اتفاقات وقف إطلاق النار لن تنجح ما لم تُعد تشكيل الحوافز السياسية التي تدفع نحو استمرار الصراع. ويذكرنا مفهوم «فخ التصعيد» لدى روبرت بيب بأن الإكراه الفاشل نادرًا ما يقود إلى الاعتدال؛ بل إنه غالبًا ما يقنع القادة بأن جولة إضافية من الضغوط ستنجح حيث أخفقت الجولة السابقة. وعندما يسود هذا المنطق، تصبح اتفاقات وقف إطلاق النار مجرد فترات توقف مؤقتة في مسار التصعيد، لا ممرات حقيقية نحو السلام.
