بث تجريبي

ما بعد التفوق الجوي... معضلة الحسم الأميركي في الحرب مع إيران

تحليلات - Foresight

بعد خمسة أشهر من الحرب، تقف المواجهة الأميركية–الإيرانية أمام نقطة تحول استراتيجية. لم يعد السؤال يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إلحاق مزيد من الضرر بالقدرات العسكرية الإيرانية؛ فقد أثبتت الحملة الجوية قدرتها على تدمير قواعد صاروخية ومراكز قيادة ومنشآت إنتاج وبنى بحرية، وإضعاف أجزاء مهمة من القوة التقليدية الإيرانية. السؤال الأصعب الآن هو: كيف يمكن تحويل هذا التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية تنهي الحرب بشروط مقبولة، من دون الانزلاق إلى مواجهة برية أو حرب إقليمية مفتوحة؟

هذه المعضلة هي التي تفسر الحشد العسكري الأميركي المتزايد، والحديث عن خيارات هجومية أوسع، وفي الوقت نفسه استمرار البحث عن قنوات تفاوض ووساطة. فالولايات المتحدة تملك تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها تواجه خصماً بنى استراتيجيته منذ عقود على فرضية أنه لن يستطيع الانتصار في حرب تقليدية، وأن أفضل وسيلة للبقاء هي توزيع القدرات، والتحصن تحت الأرض، والاعتماد على الحرب غير المتكافئة، وتوسيع تكلفة الصراع جغرافياً واقتصادياً.

لهذا فإن الحرب تدخل مرحلة يصبح فيها استمرار التفوق الأميركي أمراً شبه محسوم عسكرياً، بينما يصبح تحقيق الحسم السياسي أكثر تعقيداً.

من تدمير القدرات إلى معضلة تغيير السلوك

أحد أهم دروس الحرب حتى الآن هو أن القدرة على تدمير القوة العسكرية للخصم لا تعني بالضرورة القدرة على تغيير حساباته السياسية.

لقد استهدفت الحملة الأميركية–الإسرائيلية بنية عسكرية واسعة داخل إيران، إلا أن طهران أظهرت قدرة ملحوظة على امتصاص الضربات وإعادة تشغيل أجزاء من بنيتها. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية، وفق تقارير صحافية غربية، إعادة فتح مداخل بعض الأنفاق وإصلاح طرق وجسور خلال أسابيع من تعرضها للقصف.

هذه القدرة لا تعني أن الضربات كانت بلا أثر. على العكس، تكبدت إيران خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، لكن الفارق الاستراتيجي يكمن بين «إلحاق الضرر» و«تعطيل القدرة بصورة نهائية».

إيران بنت جزءاً مهماً من منظومتها الدفاعية على مفهوم البقاء بعد الضربة الأولى. لذلك وزعت منصاتها ومخزوناتها، وأنشأت منشآت محصنة داخل الجبال وتحت الأرض، واحتفظت بقدرات صناعية تسمح بإعادة بناء بعض ما يتم تدميره.

وهذا يخلق مشكلة متزايدة أمام المخطط العسكري الأميركي: الأهداف الأسهل والأكثر وضوحاً تُدمَّر أولاً، بينما تصبح الأهداف المتبقية أكثر تحصيناً وأصعب وصولاً، فتزداد كمية القوة المطلوبة لتحقيق نتائج إضافية، في الوقت الذي يتراجع فيه العائد الاستراتيجي لكل جولة جديدة من القصف.

بعبارة أخرى، تواجه الحرب الجوية قانون «العائد المتناقص»: يمكن للولايات المتحدة أن تضرب أكثر، لكن ليس مؤكداً أن كل ضربة إضافية ستقربها بالقدر نفسه من تحقيق أهدافها السياسية.

إيران تخوض حرب بقاء لا حرب انتصار

في المقابل، تختلف معايير النجاح الإيرانية جذرياً عن المعايير الأميركية.

طهران ليست مضطرة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً؛ فهذا هدف غير واقعي بالنظر إلى الفارق الهائل في القدرات. ما تحتاج إليه هو منع واشنطن من تحويل تفوقها العسكري إلى نصر سياسي واضح.

ومن هذا المنظور، يصبح مجرد بقاء النظام، والحفاظ على قدر من القدرة الصاروخية والبحرية، واستمرار القدرة على تهديد المصالح الأميركية والإقليمية، شكلاً من أشكال النجاح الاستراتيجي.

هذه معادلة مألوفة في الحروب غير المتكافئة: الطرف الأقوى يحتاج إلى تحقيق أهداف محددة حتى يعلن النصر، بينما يحتاج الطرف الأضعف أحياناً فقط إلى منع خصمه من تحقيق تلك الأهداف.

وهذا ما يجعل عامل الزمن محورياً.

تراهن إيران على أن إطالة أمد الحرب سترفع تكلفتها المالية والسياسية على الولايات المتحدة، وتضغط على الرأي العام الأميركي، وتزيد تأثير ارتفاع أسعار الطاقة، وتفتح خلافات داخل التحالف المناهض لها.

لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة، لأن الزمن لا يعمل لمصلحة إيران وحدها.

الاستنزاف سلاح ذو حدين

تدخل إيران حرب الاستنزاف وهي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وعقوبات ممتدة وتضخم ومشكلات في البنية التحتية. ومع استمرار الضربات وتراجع الإيرادات وتعطل أجزاء من النشاط الاقتصادي، تتزايد الضغوط على قدرة الدولة على تمويل الحرب وفي الوقت نفسه الحفاظ على الخدمات الأساسية والاستقرار الاجتماعي.

وهنا تظهر المفارقة الإيرانية: طهران تريد إطالة الحرب بما يكفي لإرهاق خصومها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى منع الحرب الطويلة من إنهاك بنيتها الداخلية.

وكلما استمرت المواجهة، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بالتماسك السياسي داخل النظام نفسه. فالحروب الطويلة لا تختبر القدرات العسكرية فقط، وإنما تعيد ترتيب موازين القوى داخل النخب الحاكمة.

قد ترى التيارات الأكثر تشدداً أن أي تراجع تحت الضغط العسكري يهدد بقاء النظام وهيبته، بينما قد تنظر دوائر أكثر براغماتية إلى استمرار الحرب باعتباره خطراً على الدولة نفسها إذا أدى إلى استنزاف الاقتصاد وتعميق العزلة وتآكل القدرة على إدارة المجتمع.

وبذلك تتحول الحرب إلى سباق بين استنزافين: هل تتآكل الإرادة الأميركية قبل أن تتآكل قدرة إيران الداخلية على الصمود؟

هرمز... تعويض الضعف العسكري بقوة الجغرافيا

أهم ما يميز الاستراتيجية الإيرانية أنها لا تعتمد فقط على ما تملكه إيران من أسلحة، وإنما أيضاً على ما تملكه من جغرافيا.

يمثل مضيق هرمز أبرز مثال على ذلك. فالممر الضيق الذي تعبر من خلاله نسبة مؤثرة من تجارة النفط والغاز العالمية يمنح إيران ورقة استراتيجية لا يمكن قياسها فقط بحجم أسطولها أو عدد صواريخها.

كلما تعرضت القدرات العسكرية الإيرانية لضغوط أكبر، ازدادت أهمية هذه الورقة.

فإذا كانت طهران لا تستطيع مضاهاة القوة الجوية الأميركية، فإنها تستطيع محاولة نقل تكلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي عبر تهديد الملاحة والطاقة. وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز مائة دولار للبرميل لا يمثل مجرد نتيجة اقتصادية جانبية، بل يمكن أن يصبح جزءاً من استراتيجية الضغط نفسها.

فالطاقة تربط ميدان الحرب بالسياسة الداخلية للدول المستوردة، وبالتضخم وأسعار الوقود والنقل والإنتاج، وبالتالي تنقل جزءاً من تكلفة الحرب من الجبهة العسكرية إلى المستهلكين والاقتصادات حول العالم.

لكن استخدام هرمز كسلاح يحمل مخاطرة استراتيجية مقابلة.

فإيران لا تعاقب الولايات المتحدة وحدها عندما تعطل الملاحة، بل تضرب مصالح الصين والهند وأوروبا ودول آسيوية تعتمد على واردات الطاقة الخليجية. وكلما طال التعطيل، ازدادت احتمالات تحول دول حريصة على البقاء خارج الحرب إلى أطراف ضاغطة على طهران.

وهكذا قد تتحول أقوى ورقة جغرافية في يد إيران إلى سبب في توسيع التحالف المناهض لها.

من هرمز إلى باب المندب... استراتيجية توسيع الكلفة

دخول الحوثيين مجدداً في المواجهة يضيف بعداً أكثر خطورة.

فإذا كان هرمز يمثل شريان الطاقة، فإن باب المندب والبحر الأحمر يمثلان أحد أهم شرايين التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتهديد الممرين في الوقت نفسه يعني أن الحرب لم تعد تؤثر في سوق الطاقة فقط، بل في بنية التجارة العالمية وسلاسل الإمداد أيضاً.

يمكن فهم هذا التحرك ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى توسيع جغرافيا الكلفة: كلما زاد الضغط العسكري داخل إيران، توسعت نقاط الضغط خارجها.

لكن لهذه الاستراتيجية حدوداً.

فالضغط على القوات الأميركية يختلف سياسياً عن تهديد الملاحة التجارية الدولية. واستهداف المصالح الأميركية يختلف عن رفع تكلفة التجارة بالنسبة إلى الصين والهند والاتحاد الأوروبي.

ومن هنا تواجه طهران معضلة دقيقة: تحتاج إلى توسيع الحرب بما يكفي لرفع كلفة الضغط عليها، ولكن ليس إلى الدرجة التي تدفع القوى الكبرى إلى اعتبار إيران نفسها تهديداً مباشراً لمصالحها الحيوية.

المعضلة الأميركية: ماذا بعد القصف؟

على الجانب الأميركي، تكمن المشكلة الكبرى في أن الحرب الجوية قد تكون قد حققت الجزء الأسهل نسبياً من أهدافها.

جرى تدمير عدد كبير من الأهداف المعروفة، لكن ما تبقى هو الأكثر صعوبة: منشآت عميقة، مخزونات موزعة، شبكات تحت الأرض، وقدرات يمكن إعادة بنائها.

وهنا يصبح السؤال: ماذا بعد؟

يمكن توسيع بنك الأهداف ليشمل مزيداً من المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة والجسور والموانئ والبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، لكن هذا الخيار يرفع احتمالات سقوط المدنيين وتعطيل الاقتصاد الإيراني من دون ضمان تغيير قرار القيادة.

بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تعزيز خطاب النظام بأن البلاد تخوض حرباً وجودية، بما يسمح له بتعبئة المجتمع وتشديد القبضة الداخلية.

أما الخيار الآخر فهو الانتقال من تدمير القدرات إلى السيطرة على الأرض أو تنفيذ عمليات مباشرة داخلها، وهنا تتغير طبيعة الحرب جذرياً.

عقدة المنشآت المحصنة

تمثل المنشآت الإيرانية العميقة تحت الأرض نموذجاً واضحاً لمحدودية القوة الجوية.

إذا كانت معدات استراتيجية، بما فيها مكونات مرتبطة بالبرنامج النووي أو الصاروخي، قد نُقلت بالفعل إلى شبكات أنفاق عميقة، فإن تدميرها بالكامل قد يتطلب قدرات تتجاوز القصف التقليدي.

عند هذه النقطة تظهر خيارات العمليات الخاصة، أو الإنزال المحدود، أو السيطرة المؤقتة على مواقع استراتيجية، أو حتى احتلال بعض الجزر الإيرانية القريبة من خطوط الملاحة.

عسكرياً، قد تبدو هذه الخيارات محدودة مقارنة بغزو شامل. لكنها سياسياً واستراتيجياً تحمل مخاطر ضخمة.

فبمجرد دخول قوات أميركية إلى أراضٍ إيرانية، يتغير تعريف الحرب. لم تعد مواجهة جوية وبحرية يمكن التحكم نسبياً في إيقاعها، بل تصبح هناك قوات على الأرض تحتاج إلى الحماية والإمداد والإجلاء عند الضرورة.

وأي خسائر كبيرة قد تفرض عمليات إضافية، وأي أسر لجنود قد يتحول إلى أزمة سياسية، وأي رد إيراني على القواعد التي انطلقت منها القوات قد يوسع الحرب إلى دول أخرى.

وهكذا يمكن لعملية صُممت لتكون «محدودة» أن تنتج سلسلة من الالتزامات العسكرية التي لم تكن جزءاً من الخطة الأصلية.

الجزر الإيرانية... خيار بين الحرب الجوية والغزو

لهذا تظهر الجزر الإيرانية في الخليج باعتبارها خياراً وسيطاً محتملاً بين استمرار القصف والدخول البري العميق.

بعض هذه الجزر يمتلك قيمة استراتيجية بسبب قربه من مضيق هرمز وخطوط الملاحة والبنية النفطية. والسيطرة المؤقتة على مواقع محددة قد تمنح واشنطن قدرة أكبر على حماية الملاحة والضغط على إيران من دون التورط في احتلال مدن ذات كثافة سكانية عالية.

لكن هذا الخيار ليس منخفض المخاطر كما قد يبدو.

فالسيطرة على أرض إيرانية، حتى لو كانت جزيرة محدودة السكان، تمنح طهران مبرراً سياسياً وقومياً لتصوير الحرب باعتبارها دفاعاً عن وحدة الأراضي الإيرانية، وقد توسع قاعدة التعبئة الداخلية خلف النظام بدلاً من إضعافه.

كما أنها تطرح السؤال الأصعب الذي واجه الولايات المتحدة في حروب سابقة: بعد السيطرة على الأرض، ماذا يحدث بعدها؟ ومن يديرها؟ ومتى تنسحب القوات؟ وما الثمن المطلوب مقابل الانسحاب؟

ترمب بين الحاجة إلى النصر والخوف من حرب بلا نهاية

تزداد المعضلة تعقيداً بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترمب بسبب السياسة الداخلية الأميركية.

فكل حرب طويلة تحتاج إلى تعريف واضح للنصر. وكلما اتسعت أهداف الحرب أثناء القتال، أصبح إعلان تحقيقها أكثر صعوبة.

إذا كان الهدف في البداية هو تدمير قدرات عسكرية محددة، يمكن قياس النجاح نسبياً. لكن إذا أصبح الهدف إجبار إيران على تغيير سلوكها الإقليمي، ثم تفكيك قدرات «الحرس الثوري»، ثم منع إعادة بناء البرنامج الصاروخي أو النووي، وربما إحداث تحول داخل بنية النظام، فإن الحرب تنتقل من أهداف عسكرية محددة إلى مشروع سياسي مفتوح النهاية.

وهنا تبدأ ذكريات العراق وأفغانستان في التأثير في الحسابات الأميركية.

المشكلة في تلك التجارب لم تكن عجز الولايات المتحدة عن إسقاط خصومها عسكرياً، بل صعوبة تحويل الانتصار العسكري السريع إلى نظام سياسي مستقر ومستدام.

إيران أكثر تعقيداً بكثير: دولة كبيرة جغرافياً، ذات كثافة سكانية مرتفعة، وهوية قومية قوية، ومؤسسات أمنية وعسكرية متجذرة، وقدرات على تحريك شبكات إقليمية متعددة.

لذلك فإن أي تصور لغزو بري واسع سيحمل مخاطر وتكاليف يصعب تصور قبول واشنطن بها إلا في ظروف استثنائية.

ثلاثة مسارات أمام واشنطن

في ضوء ذلك، تبدو الخيارات الأميركية محصورة عملياً في ثلاثة مسارات.

الأول هو مضاعفة الضغط الجوي والبحري، وتوسيع قائمة الأهداف، وتشديد الحصار الاقتصادي، على أمل أن يؤدي تراكم الخسائر إلى تغيير الحسابات الإيرانية. وهو الخيار الأقل خطورة على القوات الأميركية، لكنه يواجه مشكلة أن طهران أثبتت حتى الآن قدرة على التكيف مع هذا النوع من الضغط.

الثاني هو الانتقال إلى عمليات نوعية محدودة تشمل قوات خاصة أو السيطرة على مواقع وجزر استراتيجية أو تنفيذ عمليات ضد منشآت لا يمكن تدميرها جواً. وهذا قد يحقق مكاسب تكتيكية أكبر، لكنه يرفع خطر الانزلاق نحو حرب برية تدريجية.

أما الثالث فهو استخدام التفوق العسكري بوصفه وسيلة لإنتاج تسوية سياسية، أي الانتقال من سؤال «كيف ندمر المزيد؟» إلى سؤال «ما الاتفاق الذي يمكن أن يحول ما تحقق عسكرياً إلى نتيجة قابلة للاستمرار؟».

وهذا الخيار يحتاج بدوره إلى تنازل استراتيجي صعب: الاعتراف بأن التسوية السياسية نادراً ما تحقق كل ما عجزت القوة العسكرية عن تحقيقه.

الخطر الأكبر... حرب تبحث عن نهاية

الأرجح أن المرحلة المقبلة لن تشهد استسلاماً إيرانياً كاملاً، كما أن اجتياحاً أميركياً واسعاً لا يزال خياراً بالغ الكلفة. السيناريو الأكثر احتمالاً هو مزيج من الضربات الموسعة، والحصار والضغط البحري، وعمليات محدودة، وربما مشاركة إسرائيلية أكبر، تتخلله هدن مؤقتة ومسارات تفاوضية تنهار ثم تعود.

وهذا السيناريو يحمل خطر التحول إلى حرب استنزاف طويلة لا يستطيع أي طرف حسمها، بينما لا يستطيع التراجع عنها بسهولة.

إيران تراهن على البقاء ورفع تكلفة الحرب. والولايات المتحدة تراهن على أن تراكم الضغط سيجبر طهران في النهاية على القبول بشروط أفضل. وبين الرهانين يمكن أن تتوسع الحرب جغرافياً من الأراضي الإيرانية إلى الخليج وهرمز واليمن والبحر الأحمر، واقتصادياً من ساحات القتال إلى أسعار الطاقة والتجارة العالمية.

لهذا فإن المعضلة الاستراتيجية الحقيقية أمام واشنطن ليست نقص القوة، بل غياب العلاقة المضمونة بين استخدام مزيد منها وتحقيق نتيجة سياسية أفضل.

فالقوة العسكرية تستطيع تدمير القواعد والجسور والموانئ والمنشآت، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد شكل اليوم التالي.

وكلما اقتربت الحرب الجوية من سقفها، أصبحت الخيارات التالية أكثر خطورة: قوات خاصة، جزر محتلة، حصار أشد، توسيع نطاق الأهداف، أو مواجهة إقليمية أكبر.

عند هذه النقطة، يصبح السؤال الذي سيحدد مسار الحرب ليس ما إذا كان ترمب قادراً على توجيه «هجوم ضخم»، بل ما إذا كانت واشنطن تعرف بدقة ما الذي تريد أن يحدث بعد آخر ضربة.

فأخطر الحروب ليست دائماً تلك التي يعجز أحد أطرافها عن التصعيد، وإنما تلك التي يمتلك فيها القدرة على التصعيد، من دون أن يمتلك تصوراً واضحاً للنقطة التي يتحول عندها التفوق العسكري إلى نصر سياسي.