الدين والسياسة في أرمينيا: صراع النفوذ بين الدولة والكنيسة

تحليلات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

دخلت العلاقة بين الدولة والكنيسة في أرمينيا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أدرجت حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، بصورة صريحة، تغيير قيادة الكنيسة الرسولية الأرمنية ضمن برنامجها الحكومي للأعوام 2026-2031، في خطوة تعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول حدود تدخل الدولة في شؤون مؤسسة دينية تتمتع وفق الدستور والقانون الأرميني بدرجة من الاستقلال الذاتي.

ولا يبدو الخلاف بين باشينيان و كاريكين الثاني مجرد نزاع شخصي بين رئيس حكومة ورجل دين. فقد تطور خلال السنوات الأخيرة إلى مواجهة سياسية ومؤسسية تتداخل فيها قضايا إدارة الكنيسة واستقلالها وعلاقتها بالدولة إلى جانب اتهامات متبادلة بشأن تسييس المؤسسة الدينية واستخدام النفوذ الديني في الحياة العامة.

وفي المقابل، ترى قيادة الكنيسة أن الحكومة تتجاوز حدود اختصاصها وتسعى إلى التدخل في بنية مؤسسة يفترض أن تتمتع بالاستقلال بينما تقول الحكومة إن هدفها ليس تعيين كاثوليكوس جديد بصورة مباشرة، وإنما إعادة تفعيل المؤسسات الكنسية التي ترى أنها تعطلت لسنوات طويلة.

من هنا، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمن سيقود الكنيسة، وإنما بالسؤال الأهم: من يملك حق تحديد مستقبل مؤسسة دينية مستقلة حيث ترى الدولة أن طريقة إدارتها أصبحت تمثل مشكلة سياسية أو مؤسسية؟

من خلاف سياسي إلى سياسة حكومية

شهدت العلاقة بين باشينيان وكاريكين الثاني توتراً متصاعداً خلال السنوات الماضية، ووصل الطرفان إلى حد الدعوة المتبادلة إلى ترك عن المنصب. لكن الخلاف اكتسب بُعداً مؤسسياً جديداً عندما تبنى حزب "العقد المدني" الحاكم، الذي يقوده باشينيان، في برنامجه الانتخابي لعام 2026، فكرة إصلاح الكنيسة وإزاحة ما وصفه بـ"الرئيس الفعلي" للكنيسة، في إشارة إلى كاريكين الثاني.

وبعد فوز الحزب في الانتخابات البرلمانية في 7 يونيو، وحصوله على 64 مقعداً من أصل 105 مقاعد في الجمعية الوطنية، انتقلت المسألة من مستوى البرنامج الانتخابي إلى مستوى السياسة الحكومية. ففي 20 أغسطس أقرت حكومة باشينيان برنامجها للأعوام 2026-2031، متضمناً فصلاً بعنوان "الأمن الروحي"، حدد استبدال كاثوليكوس عموم الأرمن كاريكين الثاني باعتباره هدفاً استراتيجياً.

ثم أقرّت الجمعية الوطنية البرنامج في 25 أغسطس، بأصوات نواب حزب "العقد المدني" الـ 64، مقابل 27 صوتاً معارضاً، فيما لم يصوت بقية النواب أو كانوا غائبين.

وبذلك أصبح الخلاف حول قيادة الكنيسة جزءاً من برنامج سياسي رسمي وليس مجرد مواجهة بين مؤسستين أو شخصين.

ومن جانبها، تحاول الحكومة الأرمينية تقديم الأزمة من زاوية مختلفة. فقد أكدت المتحدثة باسم رئيس الوزراء ميلانيا هاروتيونيان أن الدولة لا تستطيع ولا تريد تعيين كاثوليكوس، مشيرة إلى أن اختيار رأس الكنيسة من اختصاص الجمعية الكنسية الوطنية. لكن الحكومة تقول إن المشكلة تكمن تحديداً في عدم انعقاد هذه الجمعية منذ سنوات طويلة.

وبحسب الرواية الحكومية، لم تُعقد الجمعية الكنسية الوطنية منذ عام 1999، رغم أن النظام الداخلي للكنيسة ينص على انعقادها مرة واحدة على الأقل كل سبع سنوات. كما أن الجمعية التمثيلية للكنيسة، التي يفترض أن تجتمع كل عامين، لم تنعقد منذ عام 2017. كما ترى الحكومة أن استمرار هذا الوضع أدى إلى إضعاف آليات الحوكمة الداخلية للكنيسة، وأن بعض هيئاتها تعمل منذ سنوات بتفويض منتهي الصلاحية.

ومن هذا المنظور، تقدم الحكومة تدخلها باعتباره محاولة لإعادة المؤسسات الكنسية إلى العمل، وليس استيلاءً على حق الكنيسة في اختيار قيادتها. وتجعل هذه الرواية القضية أقرب إلى نزاع حول كيفية استعادة استقلال مؤسسة تقول الحكومة إن مؤسساتها الداخلية نفسها أصبحت غير فاعلة.

لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً بالغ الحساسية: إذا كانت الدولة ترى أن المؤسسات الداخلية للكنيسة معطلة، فهل يمنحها ذلك حق التدخل في إعادة تشكيل قيادتها؟

الكنيسة: الاستقلال لا يخضع للبرلمان

الكنيسة الرسولية الأرمنية ترفض هذا المنطق بصورة قاطعة، فالمجلس الروحي الأعلى للكنيسة اعتبر أن الحكومة لا تملك السلطة الدستورية لإدراج "إصلاح الكنيسة" ضمن برنامجها ولا صلاحية فرض مقترحات أو مطالب على رجال الدين. كما رفض المجلس اعتبار الجمعية الوطنية منتدى مختصاً بمناقشة الشؤون الداخلية للكنيسة، مؤكداً أن إصلاح المؤسسة الدينية لا يمكن أن يتم من خلال الضغط الخارجي أو التهديد. وتستند الكنيسة في موقفها إلى الإطار القانوني الأرميني نفسه. فالدستور ينص على أن المنظمات الدينية تتمتع بالاستقلال الذاتي، بينما ينص قانون الدين على الفصل بين الكنيسة والدولة، وعلى عدم تدخل أجهزة الدولة في أنشطة المنظمات الدينية وشؤونها الداخلية ما دامت تعمل وفق القانون.

وتتمتع الكنيسة الرسولية الأرمنية أيضاً بقانون خاص صدر عام 2007، يعترف بها باعتبارها كنيسة مستقلة ذات حكم ذاتي ضمن بنيتها الهرمية. ومن ثم، ترى قيادة الكنيسة أن القضية تتجاوز الخلاف على كاريكين الثاني إلى مسألة مبدئية تتعلق بحدود سلطة الدولة.

البعد الدستوري والدولي

تزداد حساسية القضية بالنظر إلى الالتزامات الدولية لأرمينيا المتعلقة بحرية الدين أو المعتقد. وتشير المبادئ الدولية التي أوردتها المادة إلى أن الدول مطالبة بترك مسألة اختيار القيادة والقواعد الداخلية والبنية التنظيمية وطرق تعيين رجال الدين للمجتمعات الدينية نفسها. وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة تمتلك مبررات سياسية أو إدارية للتدخل، بل بما إذا كانت الوسائل التي تستخدمها تتوافق مع مبدأ الاستقلال المؤسسي للمجتمعات الدينية. وهنا تظهر منطقة رمادية في الأزمة، فقد تكون لدى الدولة ملاحظات مشروعة على إدارة مؤسسة دينية، لكن مشروعية الملاحظات لا تعني بالضرورة مشروعية إعادة تشكيل قيادتها من خارجها. وفي المقابل، فإن استقلال المؤسسة الدينية لا يعني بالضرورة إعفاءها من المساءلة القانونية عندما تتعلق القضية بتنفيذ أحكام قضائية أو مخالفات يجرمها القانون. وهذا التداخل بين الاستقلال الديني وسيادة القانون هو أحد أكثر جوانب الأزمة تعقيداً.

بجانب ذلك، لم تتوقف المواجهة عند البيانات السياسية، فكاريكين الثاني وستة من كبار الأساقفة يواجهون قضية جنائية على خلفية نزاع يتعلق بالأسقف غيفورغ سارويان. وكانت الكنيسة قد عزلت سارويان من منصبه ثم جردته من رتبته الدينية، بعدما كان قد دعم الدعوات إلى تغيير قيادة الكنيسة. وفي يناير 2026، صدر حكم قضائي يأمر بإعادته إلى منصبه، بينما رفضت قيادة الكنيسة القرار، مؤكدة أن قراراتها تستند إلى قوانينها الكنسية.

وعلى خلفية عدم تنفيذ الحكم، بدأت السلطات تحقيقاً جنائياً، ثم وُجهت اتهامات إلى ستة أساقفة وإلى كاريكين الثاني، حيث يواجه المتهمون، في حال إدانتهم، عقوبات يمكن أن تصل إلى السجن لمدة عامين. وتضع هذه القضية الأزمة في مستوى مختلف؛ إذ لم يعد السؤال متعلقاً فقط باستقلال الكنيسة، بل أيضاً بالعلاقة بين قرارات مؤسسة دينية وأحكام القضاء المدني.

وبشكل عام، فقد أضاف مسار القضية القضائية طبقة أخرى من التعقيد، فقد تنقل الملف بين محاكم مختلفة، بُعدما تنحى القاضي الأول عن نظر القضية، ثم أحيلت إلى محكمة في يريفان، قبل أن تطلب الأخيرة من محكمة النقض تحديد الاختصاص. وفي 7 سبتمبر أعادت محكمة النقض القضية إلى محكمة الدرجة الأولى في إقليم أرمافير. ولم يكن هذا المسار الإجرائي مجرد تفصيل قانوني، بل أصبح جزءاً من السجال السياسي والإعلامي حول القضية.

في المقابل، تؤكد الحكومة أن اللجوء إلى القضاء جاء بسبب عدم تنفيذ حكم قضائي، بينما يرى معارضوها أن استخدام القضاء في مواجهة قيادة الكنيسة يساهم في توسيع تدخل الدولة في الشأن الكنسي. وبالتالي، فإن جوهر النزاع هنا يقوم على تفسيرين متعارضين مع مبدأ سيادة القانون. فبالنسبة للحكومة، لا يجوز لمؤسسة دينية رفض تنفيذ حكم صادر عن القضاء. أما بالنسبة إلى منتقدي الحكومة، فإن تحويل نزاع كنسي داخلي إلى قضية جنائية قد يضعف استقلال الكنيسة.

هنا تكتسب الكنيسة الرسولية الأرمنية أهمية استثنائية داخل المجتمع الأرميني، وهو ما يجعل الصراع حول قيادتها يتجاوز حدود المؤسسة الدينية. فهي ليست مجرد جماعة دينية صغيرة يمكن فصل نشاطها عن المجال العام بسهولة، بل مؤسسة تاريخية ذات حضور عميق في الهوية الأرمنية. ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة تعريف علاقتها بالدولة تحمل بالضرورة آثاراً سياسية واجتماعية أوسع.

ومن منظور الحكومة، قد يمثل إصلاح المؤسسة الدينية جزءاً من إعادة تنظيم المجال العام ومنع استخدام الكنيسة كأداة سياسية. أما من منظور الكنيسة، فإن هذا التبرير قد يتحول إلى مدخل لإخضاع مؤسسة مستقلة للسلطة التنفيذية.

وهنا تتقاطع الأزمة مع سؤال أوسع يواجه العديد من الدول الحديثة: كيف يمكن الفصل بين الدين والسياسة عندما تكون المؤسسة الدينية نفسها جزءاً من التاريخ والهوية الوطنية؟

الأمن الروحي أم إعادة هندسة المجال العام؟ فاختيار الحكومة مصطلح "الأمن الروحي" في برنامجها يلفت الانتباه إلى أن الأزمة لا تُفهم في يريفان باعتبارها مجرد مسألة إدارية. فالبرنامج الحكومي يربط إصلاح الكنيسة بمنع ما يصفه بمحاولات قوى خارجية تحويلها إلى منصة لـ"الحرب الهجينة"، إضافة إلى تعزيز الشفافية المالية والسلوك الأخلاقي لرجال الدين.

ويعكس هذا الخطاب رؤية تعتبر أن المؤسسات الدينية يمكن أن تصبح جزءاً من المجال الأمني والسياسي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. لكن توسيع مفهوم الأمن ليشمل المجال الديني يحمل في المقابل مخاطر سياسية؛ إذ يمكن أن يصبح "الأمن الروحي" مبرراً لتوسيع نطاق تدخل الدولة في مؤسسات المجتمع المدني والديني. ومن هنا، فإن نجاح السياسة الحكومية لا يتوقف فقط على أهدافها المعلنة، بل على حدود الأدوات التي ستستخدمها لتحقيقها.

في ضوء ذلك، يصعب اختزال الصراع الحالي في مسألة إزاحة كاريكين الثاني. فالمسألة الأعمق تبدو مرتبطة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والكنيسة في أرمينيا. فالحكومة تريد كنيسة أكثر شفافية ومؤسساتها الداخلية أكثر فاعلية وأقل تسييساً، بينما تريد الكنيسة الحفاظ على استقلالها في اختيار قيادتها وإدارة شؤونها.

في حين يستخدم الطرفان مفاهيم تبدو، في ظاهرها، متقاربة مثل الاستقلال وسيادة القانون والإصلاح والشفافية. لكن الخلاف يدور حول من يملك حق تفسير هذه المفاهيم وتحديد كيفية تطبيقها. وهذه هي النقطة التي تجعل الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد خلاف شخصي بين باشينيان وكاريكين الثاني.

إلى أين يمكن أن يتجه الصراع؟

لا تبدو التسوية سهلة في ظل تحول الخلاف إلى سياسة حكومية وإلى قضية أمام القضاء. لكن هناك مساراً وسطاً يمكن أن يمنع الأزمة من التحول إلى صراع صفري: الفصل بين حق الدولة في تطبيق القانون وحق الكنيسة في إدارة شؤونها الداخلية. فالدولة تستطيع أن تطالب بالشفافية المالية والامتثال للقانون، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تصبح صاحبة القرار في اختيار القيادة الدينية. وفي المقابل، تستطيع الكنيسة الدفاع عن استقلالها، لكن استقلالها لا يمكن أن يعني رفض تطبيق الأحكام القضائية الصادرة في إطار القانون المدني. ومن هنا قد تكون القضية الحقيقية أمام أرمينيا ليست: من ينتصر، باشينيان أم كاريكين؟ بل كيف يمكن بناء علاقة مؤسسية مستقرة بين دولة علمانية نسبياً ومؤسسة دينية تاريخية، بحيث لا تتحول استقلالية الكنيسة إلى حصانة، ولا تتحول سلطة الدولة إلى وصاية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، بدرجة كبيرة، طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في أرمينيا خلال السنوات المقبلة. فالصراع الحالي قد ينتهي بتغيير شخص في رأس الكنيسة، لكنه قد يترك أثراً أعمق بكثير لاسيما فيم يخص إعادة تعريف الحدود بين الدولة والمجتمع والدين، وتحديد ما إذا كانت استقلالية المؤسسات الدينية في أرمينيا مبدأً دستورياً ثابتاً، أم مساحة قابلة لإعادة التفسير كلما تغيرت موازين القوة السياسية.