بث تجريبي

حرب إيران: نعم... يمكننا الانسحاب ووقف النزيف

تحليلات - إيفان إيلاند
إيفان إيلاند
زميل أول ومدير مركز السلام والحرية في معهد «الإندبندنت»

إن التصعيد الجديد الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب مع إيران ينطوي على مخاطر جسيمة، ويجب التراجع عنه فورًا.

كثيرًا ما يُنصح المستثمرون في أسواق المال بأنه إذا اكتشفوا أنهم اشتروا استثمارًا خاسرًا، فمن الأفضل الاعتراف بالخطأ وبيع الأصل لتقليص الخسائر، بدلًا من التمسك به حتى ينهار تمامًا على أملٍ واهٍ في أن يستعيد قيمته. غير أن الطبيعة البشرية تجعل كثيرين يعجزون عن اتخاذ الخطوة الأولى، وهي الاعتراف بأنهم أخطأوا. والسياسيون الذين يخوضون حروبًا خاسرة كثيرًا ما يقعون في الفخ النفسي ذاته.

ويبدو الرئيس ترامب، الذي لا يريد بأي حال أن يُوصم بأنه «خاسر»، أكثر عرضة لهذا النوع من الإنكار النفسي. لكنه ليس أول رئيس أمريكي يعاني هذه المعضلة. ففي منتصف ستينيات القرن الماضي، كان ليندون جونسون يدرك جيدًا أن حرب فيتنام قد تتحول إلى مستنقع يستنزف الولايات المتحدة، ومع ذلك اختار تصعيدها. ثم جاء ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض متعهدًا بإنهاء الحرب، لكنه وسّع نطاق العمليات العسكرية عبر قصف فيتنام الشمالية، على أمل إرغامها على التفاوض. وما يفعله ترامب اليوم في محاولته الضغط على إيران يشبه إلى حد بعيد ذلك النهج.

وبالفعل، جلس الفيتناميون الشماليون إلى طاولة المفاوضات، لكن ليس من أجل تغيير نتيجة الحرب، بل لمنح نيكسون مخرجًا يحفظ ماء الوجه يسمح له بسحب القوات الأمريكية، بينما كان الطرفان يدركان أن فيتنام الشمالية ستنجح في نهاية المطاف في السيطرة على البلاد بعد «فترة فاصلة معقولة» من الانسحاب الأمريكي.

ولم يكن الخروج من المستنقعات العسكرية أسهل بالنسبة إلى الرؤساء الأمريكيين في أفغانستان والعراق، بمن فيهم ترامب. فقد شنّ أسامة بن لادن هجمات الحادي عشر من سبتمبر وهو يراهن على استدراج الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف في أفغانستان، البلد الذي لم يُطلق عليه لقب «مقبرة الإمبراطوريات» عبثًا. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، خاضت بريطانيا هناك عدة حروب لم تحقق فيها انتصارات حاسمة، واستنزفت تلك الحروب قوة الإمبراطورية البريطانية. كما اضطر الاتحاد السوفيتي إلى الانسحاب مهزومًا في ثمانينيات القرن الماضي بعد فشله في أفغانستان، ويرى بعض المحللين أن تلك الهزيمة كانت من العوامل التي عجّلت بانهيار الاتحاد السوفيتي.

ورغم هذه الدروس التاريخية، ورغم السمعة التي اكتسبتها أفغانستان، فإن الإيمان بفكرة «الاستثنائية الأمريكية» دفع جورج دبليو بوش ليس فقط إلى ملاحقة أسامة بن لادن، بل أيضًا إلى إطلاق مشاريع لإعادة بناء الدول في أفغانستان والعراق، وإعلان حرب عالمية على الإرهاب. وبهذا منح بن لادن انتصارًا أكبر بكثير مما كان يحلم به، بعدما استدرج القوة العظمى الوحيدة في العالم إلى استنزاف تجاوز قدراتها.

ولاحقًا، وجد الرؤساء الأمريكيون، بمن فيهم ترامب، صعوبة كبيرة في إنهاء الحربين مع استمرار استنزافهما. ففي عام 2011، التزم باراك أوباما في البداية بالجدول الزمني الذي أقره الكونغرس للانسحاب من العراق، لكنه عاد لاحقًا لإرسال القوات الأمريكية لمواجهة تنظيم «داعش»، الذي نشأ أساسًا بوصفه تمردًا سنيًا متشددًا في مواجهة الغزو الأمريكي غير الضروري للعراق. واستمر ترامب في هذه المواجهة، ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقوات في العراق حتى اليوم.

أما الحرب في أفغانستان، وهي الأطول في التاريخ الأمريكي، فقد شهدت تمسك جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب خلال ولايته الأولى بالإبقاء على القوات الأمريكية في حرب كانت قد حُسمت فعليًا منذ سنوات، فقط لتجنب وصمة «الخاسر». وكانت النتيجة سقوط مزيد من الأمريكيين والحلفاء والأفغان بلا جدوى.

ولعل أوضح مثال على صعوبة الانسحاب من حرب خاسرة يتمثل في جو بايدن، الذي اتخذ القرار الشجاع أخيرًا بإنهاء الحرب في أفغانستان، لكنه تعرض لانتقادات قاسية بسبب الفوضى وعدد الضحايا المحدود الذين رافقوا عملية الانسحاب، بدلًا من الإشادة به لإنقاذه أرواحًا أمريكية وأفغانية كان من الممكن أن تُزهق لو استمرت الحرب.

لذلك، يجد ترامب – وربما أكثر من أي رئيس آخر – صعوبة نفسية في الاعتراف بالخسارة وطي صفحة حرب عدوانية وغير شعبية مع إيران، بدأها دون ضرورة. وإذا اختار الانسحاب الآن، في وقت لا تزال فيه إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز، فسوف يُنظر إليه باعتباره مهزومًا. ولهذا يواصل تصعيد العمليات العسكرية في حرب خاسرة بالفعل، مع أن هذا التصعيد لن يعيد على الأرجح حرية الملاحة الدولية في المضيق كما كانت في السابق. بل إن الانقسامات داخل إيران قد تجعل حتى التوصل إلى اتفاق يحفظ ماء الوجه لترامب أمرًا مستحيلًا.

ما يحتاج إليه ترامب هو وقف القصف، ثم إعلان أنه حقق النصر، والعمل على خفض التصعيد في منطقة الخليج، مع تقبل واقع ارتفاع أسعار النفط نسبيًا نتيجة الرسوم التي قد تفرضها إيران على عبور مضيق هرمز.

وخلال أحد عشر عامًا، أظهر ترامب قدرة سياسية لافتة على إعادة تشكيل الحقائق والوقائع بما يتوافق مع الصورة التي يريدها، وإقناع قاعدته الشعبية، بل وغيرهم، بتصديقها. واليوم، يحتاج إلى توظيف هذه القدرة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الحرب مع إيران.

وكان عضو الكونغرس السابق والمعلق التلفزيوني المعروف، جو سكاربورو، وهو من المحافظين المتشددين في قضايا السياسة الخارجية، قد قال مؤخرًا: «لا يمكننا ببساطة أن ننسحب ونهرب من إيران».

لكن في ظل رئيس يمتلك مهارة دونالد ترامب في إعادة صياغة الواقع بما يخدم روايته السياسية، فإن الجواب هو: بلى، يمكننا ذلك.