بث تجريبي

من هرمز إلى باب المندب.. حرب الممرات تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية

تحليلات - Foresight

لم تعد تداعيات الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس فقط بعدد البراميل التي تتعطل عن الوصول إلى الأسواق، أو بحجم القفزات التي تسجلها أسعار النفط الخام، بل باتت تكشف عن أزمة أكثر تعقيداً في بنية أمن الطاقة العالمي نفسه. فالتوتر الذي يضغط على حركة الصادرات عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تهديد الحوثيين للملاحة المرتبطة بالصادرات السعودية عبر البحر الأحمر وباب المندب، والقيود الروسية على صادرات الديزل، يضع ثلاثة مكونات حيوية في منظومة الطاقة تحت الضغط في وقت واحد: إنتاج الخام، وطرق نقله، والقدرة العالمية على تكريره وتحويله إلى وقود.

هذه الأزمة المركبة تهدد بإفشال التعافي الذي كان منتظراً في نشاط مصافي التكرير الآسيوية خلال الربع الثالث من العام، وقد تؤدي إلى استمرار شح إمدادات البنزين والديزل ووقود الطائرات وارتفاع أسعارها لفترة أطول مما كان متوقعاً. والأخطر أنها تكشف أن امتلاك العالم كميات كافية من النفط لا يعني بالضرورة قدرته على توفير الوقود الذي يحتاجه الاقتصاد العالمي، إذا تعطلت الجغرافيا التي يمر عبرها الخام أو اختنقت منظومة التكرير والنقل.

في قلب هذه المعادلة تقف آسيا، أكبر مركز للطلب على النفط وأحد أكثر الأقاليم اعتماداً على خام الشرق الأوسط، بينما تظهر الصين بوصفها الطرف الذي قد يمتلك أكبر قدرة على تخفيف الأزمة، ليس لأنها تنتج نفطاً أكثر، وإنما لأنها تمتلك طاقة تكريرية ضخمة ومخزونات كبيرة وقدرة سياسية على التحكم في حجم صادراتها من الوقود.

وهكذا تتحول أزمة بدأت في ساحات المواجهة العسكرية إلى اختبار أوسع لهشاشة شبكة الطاقة العالمية، وإلى صراع غير مباشر حول من يملك القدرة على إبقاء البرميل متحركاً من حقل الإنتاج حتى يصل في صورته النهائية إلى المستهلك.

هرمز.. خُمس إمدادات العالم تحت الضغط

يمثل مضيق هرمز نقطة البداية لفهم حجم الخطر. فقبل الحرب كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله أهم نقطة اختناق منفردة في تجارة الطاقة الدولية.

وتنبع حساسيته من اعتماد كبار منتجي الخليج عليه في تصدير جانب ضخم من إنتاجهم إلى الأسواق الآسيوية والعالمية. فالسعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر وإيران ترتبط بدرجات متفاوتة بهذا الممر، بينما لا تكفي طرق التصدير البديلة لاستيعاب جميع الكميات التي تمر عبره في الظروف الطبيعية.

لذلك لا يحتاج المضيق إلى الإغلاق الكامل حتى تحدث أزمة عالمية.

مجرد انخفاض حركة الناقلات، أو ارتفاع احتمالات تعرض السفن للخطر، يكفي لزيادة أقساط التأمين وأجور الشحن، وتأخير عمليات التسليم، وإجبار التجار والمصافي على إعادة ترتيب الإمدادات.

وهذا يوضح أحد أهم التحولات في طبيعة أسواق الطاقة: لم تعد المخاطر تُقاس فقط بحجم النفط المفقود فعلياً، وإنما أيضاً بحجم النفط الذي أصبح نقله أكثر صعوبة وكلفة وعدم يقين.

فالبرميل الذي يستمر إنتاجه لكنه لا يصل إلى المصفاة في موعده يمكن أن تكون له، على المدى القصير، آثار اقتصادية تشبه آثار البرميل الذي لم يُنتج أصلاً.

باب المندب.. عندما يصبح الطريق البديل اختناقاً جديداً

كان من الممكن نظرياً تخفيف جزء من أزمة هرمز من خلال شبكات الأنابيب البديلة، وفي مقدمتها البنية التحتية السعودية التي تسمح بنقل الخام من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر.

لكن اتساع دائرة التهديدات إلى باب المندب يغير هذه المعادلة.

فمع تهديد الحوثيين في اليمن باستهداف أو منع مرور الصادرات السعودية عبر البحر الأحمر، لم تعد المشكلة تقتصر على الخروج من الخليج، وإنما امتدت إلى المسار الذي يفترض أن يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية لهرمز.

وتشير تقديرات شركة «إنرجي أسبكتس» إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من الخام السعودي الذي كان يتجه إلى آسيا عبر باب المندب قد يضطر إلى تغيير مساره إذا تصاعدت المخاطر.

وقد ظهرت مؤشرات مبكرة على ذلك عندما غيرت ناقلات محملة بالنفط السعودي ومتجهة إلى الصين والهند مساراتها في البحر الأحمر.

هذه التطورات تكشف عن مفارقة جيوسياسية مهمة: تستطيع السعودية تجاوز هرمز جزئياً بنقل النفط غرباً إلى البحر الأحمر، لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا.

فالخام المتجه من البحر الأحمر إلى الأسواق الآسيوية يحتاج في المسار الطبيعي إلى المرور جنوباً عبر باب المندب. وإذا أصبح هذا المضيق أيضاً منطقة عالية المخاطر، فإن الناقلات تضطر إلى البحث عن مسارات أطول وأكثر تكلفة.

وبذلك يتحول الضغط من «نقطة اختناق واحدة» إلى احتمال نشوء أزمة في ممرين استراتيجيين متزامنين.

ثلاثة ملايين برميل تبحث عن طريق أطول

إذا تعذر استخدام باب المندب بصورة طبيعية، فإن أحد البدائل أمام جزء من الشحنات هو تغيير مساراتها البحرية، بما قد يفرض رحلات أطول بكثير للوصول إلى الأسواق الآسيوية.

وقد يبدو تغيير المسار في الظاهر مشكلة لوجستية قابلة للحل، لكنه يحمل آثاراً اقتصادية تتجاوز تكلفة الوقود الإضافي الذي تستهلكه الناقلة.

فالرحلة الأطول تعني بقاء السفينة مشغولة لفترة أكبر، وهو ما يقلل عدد الرحلات التي يستطيع الأسطول العالمي تنفيذها خلال العام.

وهكذا يمكن أن تنخفض القدرة الفعلية لأسطول الناقلات حتى من دون فقدان سفينة واحدة.

وكلما زادت مدة الرحلات، ارتفعت أجور الشحن والتأمين، وازدادت الحاجة إلى عدد أكبر من السفن لنقل الكمية نفسها من النفط.

هذا التأثير مهم لأن تجارة الطاقة تقوم على شبكة شديدة الترابط. فإذا احتاج نقل البرميل إلى وقت أطول، فإن المخزون العائم يرتفع، وتصبح كميات أكبر من النفط عالقة في البحر بدلاً من وصولها إلى المصافي.

ومن هنا تنتقل الأزمة من قطاع النقل إلى قطاع التكرير.

آسيا كانت تستعد للانتعاش.. ثم تغيرت الحسابات

قبل التصعيد الأخير، كانت التوقعات تشير إلى أن آسيا ستقود انتعاشاً واضحاً في نشاط التكرير العالمي خلال الربع الثالث.

وقد توقعت وكالة الطاقة الدولية أن تعمل المصافي العالمية بمعدل يبلغ نحو 81.6 مليون برميل يومياً خلال الربع الثالث، بزيادة تتجاوز أربعة في المائة مقارنة بالربع الثاني، مدفوعة أساساً بارتفاع النشاط في آسيا.

لكن حتى هذا المستوى كان أقل بنحو أربعة في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق، ما يعني أن منظومة التكرير دخلت الأزمة من دون فائض مريح من القدرة التشغيلية.

وفي آسيا، كانت تقديرات «وود ماكنزي» تشير إلى ارتفاع معدل التكرير إلى نحو 30.37 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بنحو 28 مليون برميل يومياً في مايو ويونيو.

أي أن السوق كانت تراهن على زيادة تتجاوز مليوني برميل يومياً في إنتاج المصافي الآسيوية خلال فترة قصيرة.

غير أن هذه التوقعات كانت قائمة على افتراض استقرار تدفقات الخام.

ومع تعطل جزء من حركة الشحن عبر هرمز واحتمال اضطرار الصادرات السعودية إلى اتخاذ مسارات أطول، أصبح هذا الافتراض موضع شك.

فالطاقة التكريرية المتاحة لا تكفي وحدها لزيادة الإنتاج؛ إذ تحتاج المصافي إلى وصول أنواع الخام المتعاقد عليها بالكميات والمواعيد المناسبة.

وهنا تكمن المفارقة: ارتفاع أسعار الوقود يمنح المصافي حافزاً قوياً لزيادة الإنتاج، لكن اضطراب الإمدادات قد يمنعها من الاستفادة من هذه الأسعار.

أزمة في الوقود لا في النفط فقط

من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة أزمات الطاقة التركيز على سعر النفط الخام وحده.

فالاقتصاد العالمي لا يستهلك الخام مباشرة، وإنما يستهلك منتجات يتم الحصول عليها بعد التكرير: البنزين للسيارات، والديزل للشاحنات والصناعة والزراعة، ووقود الطائرات للنقل الجوي.

لذلك يمكن أن يمتلك العالم كميات من النفط الخام، لكنه يعاني في الوقت نفسه نقصاً حاداً في الوقود إذا لم تتوافر القدرة على تكريره أو إذا تعطل وصوله إلى المصافي.

وهذا ما تعكسه القفزة الكبيرة في هوامش التكرير.

فهوامش أرباح إنتاج الديزل ووقود الطائرات في آسيا تجاوزت 65 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت تزيد قليلاً على 20 دولاراً قبل الحرب.

أي أنها ارتفعت إلى أكثر من ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة تقريباً.

هذه القفزة ليست مجرد دليل على أرباح استثنائية للمصافي، بل مؤشر على اختلال حاد بين الطلب على المنتجات النفطية والقدرة المتاحة لتوفيرها.

فالأسعار المرتفعة ترسل إشارة واضحة: السوق مستعدة لدفع المزيد مقابل كل برميل إضافي من الوقود، لكن النظام العالمي لا يمتلك مرونة كافية للاستجابة السريعة.

«الضربة المزدوجة».. هرمز وروسيا

تزداد الأزمة خطورة بسبب تزامن اضطراب إمدادات الشرق الأوسط مع تقلص صادرات المنتجات النفطية الروسية.

فالهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة على المصافي الروسية دفعت موسكو إلى تقييد أو حظر صادرات الديزل، وهو ما يزيل جزءاً مهماً من الإمدادات من السوق في توقيت بالغ الحساسية.

وهنا تتعرض منظومة الطاقة لضغط من جهتين مختلفتين.

في الشرق الأوسط، تواجه السوق خطر نقص أو تأخر النفط الخام الذي تحتاجه المصافي.

وفي روسيا، تواجه نقصاً في المنتجات المكررة الجاهزة للاستهلاك.

عادة تستطيع السوق التعامل مع أحد النوعين من الصدمات بصورة أسهل. فإذا تعطل تشغيل بعض المصافي، يمكن استيراد الوقود من الخارج. وإذا نقصت المنتجات المكررة، تستطيع مصافٍ أخرى زيادة التشغيل بشرط توافر الخام.

لكن عندما يتعرض الخام والوقود المكرر للضغط في الوقت نفسه، تصبح خيارات التعويض محدودة.

ولهذا تبدو الأزمة الراهنة أكثر خطورة من مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط.

إنها أزمة تضرب جانبي المعادلة معاً: المادة الخام والمنتج النهائي.

لماذا لا تستطيع المصافي الغربية سد الفجوة؟

قد يبدو الحل بسيطاً: إذا تعطلت المصافي الآسيوية، تستطيع المصافي الأمريكية والأوروبية زيادة الإنتاج والاستفادة من هوامش الأرباح المرتفعة.

لكن الواقع أكثر تعقيداً.

فالمصافي في الولايات المتحدة وأوروبا تعمل بالفعل بالقرب من مستويات تشغيل مرتفعة، مدفوعة بالطلب وهوامش الربح القياسية، ما يعني أن قدرتها على إضافة كميات ضخمة جديدة محدودة.

وهذه المشكلة ليست ظرفية بالكامل، بل تعكس تحولاً هيكلياً في صناعة التكرير العالمية.

فعلى مدى سنوات، أُغلقت بعض المصافي القديمة في الاقتصادات الغربية أو جرى تحويلها، بينما تراجعت شهية الاستثمار في بناء طاقات ضخمة جديدة بسبب ارتفاع التكلفة، وتشديد السياسات البيئية، وعدم اليقين بشأن مستقبل الطلب على الوقود الأحفوري في ظل التحول نحو السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة.

ونتيجة لذلك، أصبحت الطاقة التكريرية الجديدة تتركز بصورة متزايدة في آسيا والشرق الأوسط.

هذا التحول يجعل العالم أكثر اعتماداً على عدد محدود من مراكز التكرير الكبرى، ويزيد حساسية السوق عندما تتعرض خطوط الإمداد بين مناطق إنتاج الخام ومراكز التكرير للاضطراب.

الصين.. «صمام الأمان» المحتمل

وسط هذه الأزمة، تبدو الصين الدولة التي تمتلك أكبر قدرة على تغيير اتجاه السوق.

فبينما تعمل المصافي الآسيوية خارج الصين بنحو 93 إلى 95 في المائة من مستويات ما قبل الحرب، كانت معدلات تشغيل المصافي الصينية منخفضة بصورة لافتة، إذ بلغت نحو 58 في المائة من طاقتها في يونيو.

وهذا يعني أن بكين تمتلك شيئاً نادراً في السوق الحالية: طاقة تكريرية احتياطية كبيرة يمكن تشغيلها.

وتتوقع «وود ماكنزي» ارتفاع معدل التكرير الصيني من نحو 12.63 مليون برميل يومياً في يونيو إلى 13.96 مليون برميل يومياً في أغسطس.

أي زيادة محتملة بنحو 1.33 مليون برميل يومياً.

وإذا تحققت هذه الزيادة وسمحت بكين بتصدير جزء كبير من المنتجات الإضافية، فإنها تستطيع تخفيف النقص العالمي في البنزين والديزل ووقود الطائرات.

لكن هنا يدخل العامل السياسي.

فالصين لا تدير صادرات الوقود وفق آليات السوق الحرة وحدها، بل تستخدم نظام حصص التصدير وتحدد حجم المنتجات التي يمكن للمصافي بيعها في الخارج.

وكانت معدلات التشغيل منخفضة جزئياً بسبب ضعف الطلب المحلي والقيود المفروضة على التصدير.

وقد خففت بكين بعض هذه القيود في يوليو، لكن استمرار هذا التوجه في أغسطس وما بعده سيحدد إلى حد كبير قدرة الصين على لعب دور «صمام الأمان» لسوق الوقود العالمية.

من أكبر مستورد للنفط إلى لاعب يحدد سعر الوقود

تكشف الأزمة عن تحول أعمق في موقع الصين داخل نظام الطاقة العالمي.

فعلى مدى سنوات، كان يُنظر إليها أساساً باعتبارها أكبر مستورد للنفط وأحد أكبر مصادر نمو الطلب العالمي.

لكن توسع قدراتها التكريرية وبناء مخزونات كبيرة من الخام يمنحانها الآن دوراً مختلفاً.

فالصين تستطيع شراء النفط عندما تكون الأسعار مواتية، وتخزينه، ثم استخدامه لاحقاً لتشغيل مصافيها عندما تتعطل الإمدادات الخارجية.

والأهم أنها تستطيع عبر قرارات إدارية تحديد كمية الوقود التي تصل من مصافيها إلى الأسواق الدولية.

وهذا يمنح بكين نفوذاً لا يعتمد على امتلاك حقول النفط.

ففي سوق تعاني نقصاً في المنتجات المكررة، تصبح الدولة التي تمتلك طاقة تكريرية فائضة ومخزونات كبيرة قادرة على التأثير في الأسعار بقدر قد يقترب، في بعض الظروف، من تأثير المنتجين التقليديين.

وبذلك قد تتحول الصين تدريجياً من «مستهلك مرجّح» للنفط إلى منتج مرجّح للوقود.

أمن الطاقة لم يعد يعني امتلاك النفط

تكشف الأزمة الحالية أيضاً عن قصور المفهوم التقليدي لأمن الطاقة.

فعلى مدى عقود، ركزت الدول على حجم الاحتياطيات والإنتاج والطاقة الإنتاجية الفائضة.

لكن ماذا يحدث إذا كانت البراميل موجودة ولا تستطيع عبور المضيق؟

وماذا يحدث إذا وصلت إلى الميناء ولم توجد ناقلات كافية لنقلها سريعاً؟