بث تجريبي

الاتفاق النووي السعودي–الأمريكي: شراكة للطاقة أم بداية لإعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط؟

تقارير وملفات - Foresight

لا تكمن أهمية الاتفاق النووي المدني بين السعودية والولايات المتحدة في بناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء فحسب، بل في المعادلة الاستراتيجية الأوسع التي يؤسس لها. فالطاقة النووية هنا تتقاطع مع الأمن، والتكنولوجيا مع النفوذ، والتنويع الاقتصادي مع توازن القوى الإقليمي، بينما يصبح تخصيب اليورانيوم النقطة الأكثر حساسية في اختبار حدود سياسة منع الانتشار النووي الأمريكية ومستقبل المنافسة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره أكبر من مجرد تعاون تقني بين الرياض وواشنطن. فهو يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين البلدين، ويمنح السعودية موقعاً متقدماً في معادلة التكنولوجيا النووية الإقليمية، وفي الوقت نفسه يتيح للولايات المتحدة تثبيت حضورها داخل قطاع استراتيجي سعودي لعقود، في مواجهة المنافسة المتزايدة من الصين وروسيا.

لكن الوجه الآخر لهذه المكاسب يتمثل في سؤال أكثر تعقيداً: هل يؤدي إدخال قدرات نووية متقدمة إلى المنطقة إلى تعزيز الاستقرار من خلال إعادة بناء توازن الردع، أم يفتح الباب أمام سباق نووي تكنولوجي قد يغير قواعد القوة في الشرق الأوسط؟

ما وراء الطاقة: مشروع سعودي للقوة والتنويع

بالنسبة إلى السعودية، يرتبط البرنامج النووي أولاً بحسابات اقتصادية وتنموية واضحة. فالمملكة تسعى منذ سنوات إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد الداخلي على النفط والغاز في إنتاج الكهرباء، بما يسمح بتوجيه نسبة أكبر من مواردها الهيدروكربونية إلى التصدير أو الاستخدامات ذات القيمة الاقتصادية الأعلى.

ويتسق تطوير الطاقة النووية، من هذه الزاوية، مع مشروع التحول الاقتصادي الأوسع الذي تقوده «رؤية السعودية 2030»، حيث لم تعد الطاقة بالنسبة إلى الرياض مجرد قطاع خدمي، وإنما جزءاً من استراتيجية لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تقدماً.

لكن الطموح السعودي يتجاوز مجرد شراء مفاعلات جاهزة من الخارج.

فالإصرار على امتلاك مساحة أوسع داخل دورة الوقود النووي، بما في ذلك إمكانية تخصيب اليورانيوم محلياً وفق ترتيبات وضوابط متفق عليها، يعكس رغبة في الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع يمتلك المعرفة والبنية التحتية والقدرة التقنية.

وهذا فارق استراتيجي مهم.

فالدولة التي تستورد الكهرباء النووية عملياً تختلف في وزنها عن دولة تمتلك صناعة نووية وطنية، وكوادر بشرية متخصصة، وسلسلة إمداد، وقدرات مرتبطة بالوقود النووي. ومن ثم، فإن البرنامج بالنسبة إلى السعودية يمثل استثماراً طويل الأجل في القوة التكنولوجية بقدر ما يمثل استثماراً في إنتاج الطاقة.

التخصيب.. جوهر المعادلة

تبقى مسألة تخصيب اليورانيوم أكثر عناصر الاتفاق حساسية، لأنها تقع عند المنطقة الفاصلة بين الاستخدام المدني المشروع والحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالانتشار النووي.

فتكنولوجيا التخصيب ليست في ذاتها دليلاً على وجود برنامج عسكري، ويمكن استخدامها لإنتاج وقود للمفاعلات المدنية، لكنها في الوقت نفسه تمثل إحدى أهم القدرات الحساسة في دورة الوقود النووي، لأن المعرفة والبنية التحتية المرتبطة بها يمكن، نظرياً، تطويرها إلى مستويات أعلى إذا تغير القرار السياسي والظروف الاستراتيجية.

ولهذا السبب، اتسمت السياسة الأمريكية تاريخياً بالحذر الشديد تجاه منح شركائها حرية واسعة في التخصيب وإعادة المعالجة.

ويبرز هنا نموذج الاتفاق النووي الأمريكي مع الإمارات، الذي ارتبط بما عُرف بـ«المعيار الذهبي»، حيث تخلت أبوظبي عن التخصيب وإعادة معالجة الوقود محلياً مقابل الحصول على التكنولوجيا والتعاون النووي الأمريكي.

إذا حصلت الرياض على ترتيبات أكثر مرونة، فإن ذلك لن يمثل مجرد استثناء تقني، بل قد يؤسس سابقة سياسية واستراتيجية يصعب حصر تداعياتها في السعودية وحدها.

فدول أخرى قد تتساءل مستقبلاً: إذا كان من الممكن السماح لدولة إقليمية بامتلاك قدرات أكثر تقدماً في دورة الوقود النووي، فلماذا لا تحصل دول أخرى على حقوق مماثلة؟

وهنا ينتقل الاتفاق من كونه ملفاً ثنائياً إلى قضية تمس بنية نظام عدم الانتشار في المنطقة.

واشنطن: التنازل مقابل الاحتواء

من المنظور الأمريكي، يمكن فهم المرونة تجاه المطالب السعودية باعتبارها جزءاً من مقايضة استراتيجية أوسع.

فالولايات المتحدة تواجه معضلة واضحة: إذا رفضت التعاون بالشروط التي تراها الرياض مناسبة لطموحاتها، فإن السعودية تمتلك بدائل محتملة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، اللتان تسعيان إلى توسيع حضورهما في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا في الشرق الأوسط.

وبالتالي، فإن التشدد الأمريكي قد لا يؤدي بالضرورة إلى إيقاف البرنامج النووي السعودي، بل ربما يدفعه إلى شريك استراتيجي منافس.

من هنا يصبح السؤال في واشنطن أقل ارتباطاً بما إذا كانت السعودية ستدخل العصر النووي المدني، وأكثر ارتباطاً بمن سيبني هذا القطاع، ومن سيضع معاييره، ومن سيمتلك النفوذ داخله لعقود.

فالمفاعلات النووية ليست صفقات تجارية قصيرة الأجل. إنها مشروعات تمتد لعقود وتشمل الصيانة والوقود والتدريب والسلامة والأمن والتحديثات التقنية. ولذلك فإن الدولة التي تصبح الشريك الرئيسي لبرنامج نووي وطني تكتسب علاقة استراتيجية طويلة الأمد مع الدولة المستفيدة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الفوز بالسوق النووية السعودية يعني عقوداً محتملة بمليارات الدولارات للشركات الأمريكية، لكنه يعني أيضاً شيئاً أكثر أهمية: منع الصين وروسيا من السيطرة على أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية حساسية في أكبر اقتصاد عربي.

وبهذا المعنى، فإن ما قد يبدو «تنازلاً» أمريكياً في ملف التخصيب يمكن قراءته أيضاً باعتباره ثمناً استراتيجياً للاحتواء.

النووي كمرساة للتحالف

للخيار السعودي بالتكنولوجيا الأمريكية بعد أمني لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي.

فالمنشآت النووية بطبيعتها أصول استراتيجية طويلة الأمد، وترتبط بشبكات من الخبراء والشركات والأنظمة الأمنية والتقنية. وكلما زاد حجم الاستثمار الأمريكي في بنية تحتية سعودية شديدة الحساسية، ارتفعت كلفة فك الارتباط بين البلدين.

ومن هذه الزاوية، يمكن للبرنامج النووي أن يعمل بوصفه مرساة استراتيجية للعلاقة السعودية–الأمريكية.

فالرياض لا تحصل فقط على مفاعلات أو تقنية، وإنما تربط جزءاً من بنيتها التحتية المستقبلية بمنظومة أمريكية يصعب استبدالها سريعاً. وفي المقابل، تصبح لدى واشنطن مصالح اقتصادية وتكنولوجية وأمنية أكبر مرتبطة مباشرة باستقرار السعودية وأمن منشآتها الحيوية.

وهكذا يتحول التعاون النووي إلى أداة لإعادة تثبيت العلاقة بين البلدين بعد سنوات شهدت تساؤلات متكررة حول مدى التزام الولايات المتحدة بأمن الخليج واتجاه واشنطن نحو تقليص انخراطها المباشر في المنطقة.

إيران حاضرة في قلب المعادلة

لا يمكن تحليل البرنامج النووي السعودي بمعزل عن إيران.

فالرياض تنظر إلى القدرات النووية الإيرانية باعتبارها عنصراً مركزياً في ميزان القوة الإقليمي، خصوصاً في ظل الخبرة التقنية والبنية التحتية التي طورتها طهران في مجال تخصيب اليورانيوم.

ومن هنا، فإن امتلاك السعودية برنامجاً نووياً مدنياً متقدماً، بما يتضمنه من بنية علمية وتقنية وصناعية، يمنحها شكلاً من أشكال التحوط الاستراتيجي حتى إذا ظل البرنامج بالكامل تحت الاستخدام السلمي والرقابة الدولية.

فالقدرة الاستراتيجية لا تعني دائماً امتلاك السلاح نفسه.

امتلاك المعرفة، والخبرات البشرية، والبنية التحتية، والمواد، وسلاسل الإمداد، والقدرة على إدارة دورة نووية متقدمة يمكن أن يقلص المسافة التقنية بين الاستخدام المدني والخيارات الأخرى إذا تغيرت البيئة الأمنية جذرياً في المستقبل.

وهذا هو السبب الذي يجعل أي تقدم سعودي في مجال التخصيب يُقرأ إقليمياً ليس فقط باعتباره مشروعاً للطاقة، وإنما باعتباره تحولاً في معادلة القوة الكامنة.

معضلة الانتشار النووي

هنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية في السياسة الأمريكية.

فالولايات المتحدة تسعى من جهة إلى منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، لكنها من جهة أخرى قد تجد نفسها مضطرة إلى قبول قدرات نووية مدنية أكثر تقدماً لدى حليف إقليمي بهدف الحفاظ على الشراكة معه ومنعه من الاتجاه إلى الصين أو روسيا.

هذه المعادلة تخلق تحدياً لمصداقية سياسة عدم الانتشار.

فإذا حصلت السعودية على شروط تختلف جذرياً عن «المعيار الذهبي» الإماراتي، فقد يصبح من الصعب مستقبلاً إقناع دول أخرى بأن التخلي عن التخصيب هو الشرط الطبيعي للتعاون النووي المدني.

والخطر الأكبر ليس بالضرورة أن تبدأ دول المنطقة فوراً في بناء أسلحة نووية، بل أن ينشأ سباق للقدرات النووية الكامنة.

في هذا النوع من السباق، لا تسعى الدول بالضرورة إلى امتلاك القنبلة، وإنما إلى امتلاك التكنولوجيا والخبرات والبنية التحتية التي تمنحها خياراً استراتيجياً في المستقبل.

وهذا التحول قد يكون أكثر تعقيداً من سباق تسلح تقليدي، لأنه يجري تحت مظلة برامج مدنية مشروعة قانونياً، لكنه يغير تدريجياً الحسابات الأمنية للدول.

إسرائيل ومعادلة التفوق النوعي

من المتوقع أن تراقب إسرائيل أي تطور من هذا النوع بحذر بالغ.

فإسرائيل تنظر تقليدياً إلى الحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي النوعي باعتباره ركناً أساسياً من عقيدتها الأمنية، وأي توسع في القدرات النووية الحساسة داخل المنطقة يثير لديها تساؤلات تتجاوز النوايا الحالية إلى الاحتمالات المستقبلية.

فالعلاقات بين الدول تتغير، والتحالفات تتبدل، بينما تبقى المنشآت والخبرات النووية لعقود.

ولهذا فإن الحساب الأمني الإسرائيلي لا يقوم فقط على السؤال: ماذا تريد السعودية اليوم؟ بل أيضاً: ما القدرات التي ستكون لديها بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟

هذه النظرة طويلة الأجل هي التي تجعل الانتشار التكنولوجي النووي شديد الحساسية، حتى بين الدول التي تجمعها علاقات مستقرة أو مصالح مشتركة في اللحظة الراهنة.

ثلاثة تحولات استراتيجية محتملة

يمكن أن يقود الاتفاق إلى ثلاثة تحولات رئيسية في المنطقة.

الأول هو إعادة تثبيت الشراكة السعودية–الأمريكية على أسس جديدة تتجاوز العلاقة التقليدية القائمة على النفط مقابل الأمن، لتشمل التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النووية والصناعة والاستثمار والأمن طويل الأمد.

الثاني هو إعادة تشكيل ميزان القوة السعودي–الإيراني. فحتى إذا ظل البرنامج السعودي مدنياً بالكامل، فإن امتلاك بنية نووية متقدمة سيقلص الفجوة التكنولوجية مع إيران ويمنح الرياض ثقلاً استراتيجياً إضافياً.

أما الثالث فهو احتمال انتشار الطلب على القدرات النووية المتقدمة في الشرق الأوسط. فإذا أصبحت السعودية نموذجاً لدولة تستطيع الحصول على التكنولوجيا الأمريكية مع الاحتفاظ بحقوق أوسع في دورة الوقود، فقد تسعى دول أخرى مستقبلاً إلى ترتيبات مماثلة.

وعندها قد تنتقل المنطقة من معادلة تقوم على وجود عدد محدود للغاية من الدول ذات القدرات النووية المتقدمة إلى بيئة تمتلك فيها عدة دول ما يمكن وصفه بـ«القدرة النووية الكامنة».

صفقة طاقة أم بداية لنظام إقليمي جديد؟

في النهاية، لا ينبغي تقييم الاتفاق النووي السعودي–الأمريكي فقط بعدد المفاعلات التي ستُبنى أو قيمة العقود التي ستحصل عليها الشركات الأمريكية.

الأهمية الحقيقية تكمن في القواعد الجديدة التي قد يرسخها.

بالنسبة إلى السعودية، يمثل الاتفاق خطوة نحو تنويع الاقتصاد وبناء قاعدة تكنولوجية متقدمة وتعزيز المكانة الإقليمية، فضلاً عن توثيق العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة.

وبالنسبة إلى واشنطن، يوفر الاتفاق فرصة اقتصادية ضخمة وأداة لاحتواء النفوذ الصيني والروسي، وإعادة تثبيت شراكتها مع قوة إقليمية محورية.

لكن الثمن الاستراتيجي المحتمل يتمثل في إضعاف بعض القيود التي حكمت سياسة عدم الانتشار النووي لعقود، وفتح الباب أمام دول أخرى للمطالبة بحقوق مماثلة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الاتفاق الذي قد يكون مصمماً لتعزيز التحالف والاستقرار في المدى القريب يمكن، إذا لم تُحكم ضوابطه، أن يسرّع على المدى البعيد تحول الشرق الأوسط إلى منطقة تمتلك فيها عدة قوى القدرة التقنية الكامنة للانتقال إلى خيارات نووية أكثر تقدماً.

ولذلك، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت السعودية ستبني مفاعلات نووية، بل أي نظام إقليمي سيظهر عندما تصبح التكنولوجيا النووية المتقدمة جزءاً من أدوات القوة والنفوذ لدى عدد أكبر من دول الشرق الأوسط.

قد تكون الصفقة انتصاراً اقتصادياً للسعودية، ومكسباً تجارياً وجيوسياسياً للولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته قد تكون بداية تحول أعمق بكثير: انتقال المنطقة من سباق النفوذ التقليدي إلى سباق على امتلاك التكنولوجيا التي تحدد من يملك خيارات القوة في العقود المقبلة.