الصين وإيران تحت الحصار الأمريكي

تقارير وملفات - شبكة الاستشراف

لم تنجح الضغوط الأمريكية على إيران في قطع شريانها النفطي بالكامل، لكنها نجحت في تقليص حجمه وإعادة تشكيل مساراته. وبينما تراجعت مشتريات الصين من الخام الإيراني بصورة حادة خلال شهري يوليو وأغسطس، فإن بكين لم تتجه إلى القطيعة مع طهران، بل حافظت على مستوى من التجارة يسمح باستمرار تدفق النفط، وإن بكميات أقل وبكلفة ومخاطر أعلى.

وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة أساسية في استراتيجية الحصار الأمريكية: واشنطن قادرة على رفع تكلفة التجارة الإيرانية وخفض حجمها، لكنها تواجه صعوبة أكبر في القضاء عليها، ما دامت الصين مستعدة لاستيعاب جزء من المخاطر الاقتصادية والسياسية المرتبطة بها.

تراجع كبير في النفط الإيراني المتجه إلى الصين

تُظهر بيانات تتبع الناقلات أن مشتريات الصين من الخام الإيراني بلغت في المتوسط نحو 530 ألف برميل يوميًا خلال يوليو وأغسطس، فيما سجل أغسطس قرابة 534 ألف برميل يوميًا. ويعني ذلك انخفاضًا بنحو 48% مقارنة بالمستويات التي سبقت الحرب، وبنحو 72% مقارنة بالذروة التي سجلتها التدفقات في أكتوبر 2024، عندما اقتربت من 1.9 مليون برميل يوميًا.

ولا ينبغي قراءة هذا الانخفاض باعتباره تحولًا سياسيًا صينيًا ضد إيران، بقدر ما يعكس تضييقًا ماديًا على قدرة طهران على تصدير النفط، ولا سيما بعد تشديد واشنطن إجراءاتها على الشحنات الإيرانية في منتصف يوليو.

وتزداد أهمية هذه الأرقام إذا أخذنا في الاعتبار أن الصين استوعبت خلال عام 2025 ما يتراوح بين 80 و90% من صادرات إيران البحرية من النفط الخام، أي ما يقارب 1.38 إلى 1.4 مليون برميل يوميًا. ومن ثم، فإن أي تراجع في قدرة إيران على الوصول إلى السوق الصينية يتحول مباشرة إلى ضغط على مواردها المالية.

لكن الصين، في المقابل، ليست مجرد مشترٍ عادي للنفط الإيراني. فهي أكبر مستورد للخام في العالم، وتستورد يوميًا ما يتراوح بين 11.6 و12.4 مليون برميل. ويأتي نحو نصف هذه الإمدادات من الشرق الأوسط، ويمر الجزء الأكبر منها عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يجعل استقرار الخليج مصلحة استراتيجية صينية مباشرة.

وهنا تظهر المفارقة الجيوسياسية: الحصار الذي يستهدف إيران يضغط أيضًا على أحد أهم شرايين الطاقة التي تعتمد عليها الصين.

الحلقة التي التفّت حول العقوبات

لم تعد شركات النفط الصينية الحكومية الكبرى، مثل Sinopec وPetroChina وCNOOC، الواجهة الأساسية للتجارة النفطية مع إيران، بعد أن أصبحت العقوبات الأمريكية أكثر صرامة.

بدلًا من ذلك، انتقل الجزء الأكبر من النشاط إلى المصافي المستقلة في مقاطعة شاندونغ، المعروفة باسم «مصافي الشاي» (Teapot Refineries).

وتمنح هذه المصافي بكين ميزة مزدوجة؛ فمن جهة، تحصل على النفط الإيراني بأسعار مخفضة، ومن جهة أخرى، تقل المخاطر التي يمكن أن تطال النظام المالي الصيني أو شركات الطاقة الكبرى. فهي أقل ارتباطًا بالأسواق المالية الغربية وأقل تعرضًا للخسائر التي قد تنجم عن العقوبات الثانوية الأمريكية.

وهكذا، لم تُلغِ العقوبات التجارة، وإنما أعادت توزيعها داخل الاقتصاد الصيني من المؤسسات الأكثر تعرضًا للعقوبات إلى كيانات أكثر قدرة على تحملها.

لكن هذه المساحة ليست محصنة تمامًا. فقد استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية بالفعل شركات ومحطات في شاندونغ مرتبطة بشبكة النفط الإيرانية، بما يكشف أن واشنطن تحاول استهداف حلقات الوساطة بدلًا من الدخول مباشرة في مواجهة مع أكبر المؤسسات المالية والنفطية الصينية.

اليوان بدل الدولار.. تقليص البصمة الأمريكية

لا تتوقف قدرة التجارة الصينية–الإيرانية على الصمود عند المشترين، بل تمتد إلى طريقة تسوية المدفوعات. فجزء كبير من المعاملات يتم باليوان عبر بنوك إقليمية، ونظام الدفع الصيني العابر للحدود، المعروف بـCIPS، مع استمرار أدوار لشبكات مصرفية ارتبطت تاريخيًا بالتجارة الإيرانية، ومن بينها بنك كونلون.

وتكمن أهمية هذه الآلية في تقليل الاعتماد على الدولار والنظام المصرفي الأمريكي. فكلما تراجعت الحاجة إلى النظام المالي الذي تستطيع واشنطن مراقبته أو تعطيله، أصبح فرض العقوبات أكثر تعقيدًا. وهنا لا يتعلق الأمر بإلغاء العقوبات الأمريكية، بل بتقليص قدرتها على التحكم في سلسلة المعاملة التجارية بأكملها.

وتستخدم الشبكات المرتبطة بالتجارة الإيرانية كذلك شركات واجهة في هونغ كونغ، والتأمين، والمقايضة، ووسائل تعاقدية متعددة، بما يجعل مسار الأموال أقل وضوحًا بالنسبة إلى الجهات الأمريكية.

أما في الجانب البحري، فتستند التجارة إلى أسطول ظل إيراني يستخدم ناقلات تقوم أحيانًا بإيقاف أجهزة التعريف الآلي، مع عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في مناطق بحرية آسيوية وخليجية، قبل إعادة توصيف منشأ الشحنات على نحو يصعّب تتبعها.

وهذا يفسر ظاهرة تبدو متناقضة ظاهريًا: الجمارك الصينية تسجل واردات رسمية محدودة للغاية من إيران، بينما تكشف بيانات تتبع الناقلات استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الموانئ الصينية.

هرمز.. نقطة الاختناق الحقيقية

إذا كانت العقوبات المالية تستطيع دفع التجارة إلى مسارات بديلة، فإن الجغرافيا تظل أكثر صعوبة في تجاوزها. فالضغط الذي أدى إلى تراجع الصادرات الإيرانية خلال الصيف ارتبط بصورة كبيرة بتقييد حركة الناقلات وخطر المرور عبر مضيق هرمز. ومنذ أواخر يوليو، أبقت شركتا الشحن الصينيتان COSCO Shipping Energy Transportation وChina Merchants Energy Shipping أكثر من 100 ناقلة نفط عملاقة خارج مضيق هرمز وباب المندب، وفق ما نقلته رويترز عن مصادر في القطاع.

ولم يكن ذلك بالضرورة تعبيرًا عن اصطفاف صيني مع واشنطن ضد طهران، بل عن إدارة للمخاطر. فالصين تريد النفط الإيراني، لكنها لا تريد أن تدفع ثمنه مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو خطر استهداف ناقلاتها من جانب الحرس الثوري الإيراني. ولذلك، تبدو السياسة الصينية أقرب إلى قاعدة: شراء النفط عندما يكون ذلك ممكنًا، وتجنب المخاطرة عندما تصبح تكلفة الشحن أعلى من العائد.

وقد ساعدت المخزونات التجارية والاستراتيجية الصينية، التي تُقدّر بما بين 1.1 و1.4 مليار برميل خلال 2025–2026، إضافة إلى ضعف الطلب المحلي، بكين على امتصاص جزء من الصدمة دون العودة إلى مستويات الاستيراد الإيرانية السابقة.

باكستان تفتح مسارًا بديلًا.. ولكن محدود القدرة

مع تزايد القيود على الطرق البحرية، اكتسب المسار البري عبر باكستان أهمية إضافية.

ففي 25 أبريل، أصدرت إسلام آباد قرارًا يسمح بمرور بضائع دول ثالثة من الموانئ الباكستانية إلى إيران عبر معبري غبد وتفتان. وسرعان ما ارتفعت حركة الحاويات المتجهة إلى إيران، بما يعكس محاولة بناء ممر تجاري بديل في ظل اضطراب الطرق البحرية.

لكن أهمية هذا المسار يجب ألا تُبالغ في تقديرها.

الممر البري يمكنه دعم تجارة السلع والمعدات وبعض الإمدادات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل مئات الآلاف من براميل النفط التي كانت تعبر البحر يوميًا.

ومن هنا، فإن قيمة الطريق الباكستاني ليست في كونه بديلًا للنفط، وإنما في كونه شبكة أمان لوجستية تساعد إيران والصين على الحفاظ على بعض قنوات التجارة عندما تصبح خطوط الملاحة أكثر خطورة.

أما التقارير عن احتمال انتقال أنظمة دفاع جوي محمولة صينية إلى إيران عبر باكستان، فقد نفتها بكين وإسلام آباد، ولم يثبت وجود صلة بينها وبين قرار العبور التجاري الباكستاني.

الصين بين طهران وواشنطن

الموقف الصيني خلال أواخر أغسطس يكشف بوضوح طبيعة التوازن الذي تحاول بكين الحفاظ عليه. فمن جهة، أكدت القيادة الصينية رفضها استمرار دورة الصراع في الشرق الأوسط، ودعت إلى تسوية سياسية ودبلوماسية تحترم سيادة دول المنطقة. ومن جهة أخرى، شددت على أن التعاون مع إيران يتم ضمن إطار القانون الدولي، وأن الصين ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها.

هذه اللغة ليست لغة تحالف عسكري مع طهران، لكنها في الوقت نفسه ليست لغة قبول بالحصار الأمريكي. وتبدو بكين حريصة على إبقاء «المنطقة الرمادية» مفتوحة: علاقات اقتصادية مع إيران، ورفض للضغط الأمريكي أحادي الجانب، مع تجنب التزام عسكري مباشر يمكن أن يحول الأزمة الإيرانية إلى مواجهة صينية–أمريكية مفتوحة.

ويكتسب هذا التوازن أهمية أكبر في ظل التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فأي أزمة طويلة في الخليج تستنزف جزءًا من الموارد العسكرية والسياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو أمر لا يضر بالمصالح الصينية بالضرورة.

ومن هذه الزاوية، فإن أزمة هرمز لا تمثل بالنسبة إلى بكين مجرد مشكلة إمدادات نفط، وإنما تتقاطع أيضًا مع حسابات أوسع تتعلق بتوزيع القوة والموارد الأمريكية عالميًا.

لماذا لا تستهدف واشنطن البنوك الصينية الكبرى؟

هنا ربما تكمن إحدى أهم النقاط في المشهد. فبدلًا من استهداف أكبر البنوك الصينية وقطع وصولها إلى نظام المقاصة بالدولار، ركزت واشنطن على أطراف أصغر في الشبكة، بما في ذلك شركات في شاندونغ وواجهات مالية في هونغ كونغ.

والسبب أن توسيع العقوبات لتشمل المؤسسات المالية الصينية الكبرى يمكن أن يحول ملف النفط الإيراني من قضية عقوبات على طهران إلى أزمة مباشرة في العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين.

وفي ظل محاولات إدارة هدنة تجارية هشة بين البلدين، فإن استهداف المؤسسات المالية الصينية الكبرى قد يحمل تكلفة استراتيجية تفوق المكاسب التي يمكن تحقيقها من خفض صادرات النفط الإيرانية.

وبالتالي، تبدو واشنطن وكأنها تتحرك وفق استراتيجية «خنق الأطراف بدلًا من تفجير المركز»: الضغط على شركات الشحن، والمصافي المستقلة، والوسطاء، وشبكات التمويل، مع تجنب الخطوط التي يمكن أن تقود إلى مواجهة مالية شاملة مع بكين.

إيران تدفع الثمن.. لكن لا تنهار

بالنسبة إلى إيران، فإن انخفاض الصادرات النفطية يحمل تكلفة داخلية مباشرة.

فتراجع الإيرادات يضغط على قدرة الحكومة على تمويل الاقتصاد وتأمين الوقود والواردات، في وقت تشير فيه تصريحات مسؤولين إيرانيين إلى نقص في إنتاج البنزين وصعوبات في تأمين الواردات.

واللافت أن الخطاب الإيراني نفسه لم يعد ينفي بصورة مطلقة أثر العقوبات؛ إذ أقر الرئيس مسعود بزشكيان بأن القول إن العقوبات لا تأثير لها لا يتطابق مع الواقع.

وهذا الاعتراف مهم؛ لأنه يعني أن الحصار الأمريكي يحقق جزءًا من هدفه الاقتصادي بالفعل، حتى وإن لم ينجح في تحقيق هدفه السياسي الكامل. فإيران لا تزال قادرة على تصدير النفط، لكنها تصدره في بيئة أكثر تعقيدًا، وبأسعار أقل، ومخاطر أعلى، ومسارات أطول، وهو ما يعني أن جزءًا من قيمة المورد النفطي يتآكل قبل وصول عائداته إلى الخزينة الإيرانية.

الخلاصة: الحصار نجح في تقليص التجارة لا في إنهائها

تكشف تجربة النفط الإيراني–الصيني عن حدود القوة الاقتصادية الأمريكية في عالم تتوزع فيه مراكز القوة بصورة متزايدة.

لقد تمكنت واشنطن من خفض التدفقات الإيرانية، ورفع تكلفة النقل والتمويل، وتعقيد عمليات التأمين والدفع والشحن، لكنها لم تتمكن من إغلاق الشبكة بالكامل. وفي المقابل، أثبتت الصين أنها لا تحتاج إلى خوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة حتى تحافظ على مصالحها مع إيران. يكفيها استخدام مزيج من المصافي المستقلة، والتسويات باليوان، والبنوك الوسيطة، وشبكات الشحن، والمخزونات الاستراتيجية، إلى جانب إبقاء موقفها الدبلوماسي في منطقة وسطى بين طهران وواشنطن. لذلك فإن المعركة الحالية لا تبدو معركة «نفط مقابل عقوبات» فحسب، وإنما اختبارًا أوسع لمدى قدرة الولايات المتحدة على استخدام هيمنة النظام المالي والدولار لفرض إرادتها في اقتصاد عالمي بات يمتلك مسارات بديلة. أما إيران، فقد خسرت جزءًا كبيرًا من تدفقها النفطي السابق، لكنها لم تخسر السوق الصينية بالكامل.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الحصار الأمريكي جعل النفط الإيراني أكثر كلفة وأقل حجمًا، لكنه لم يجعله عديم القيمة. والصين لا تزال تشتري البراميل التي تتمكن طهران من إيصالها، بينما تواصل واشنطن تضييق الخناق دون أن تتمكن حتى الآن من إغلاقه.