جبل الشيخ.. الجبل الذي تختصر قمته تاريخ الصراع في بلاد الشام

تقارير وملفات - Foresight

من «جبل الثلج» و«حرمون» إلى «عيون الأمة».. لماذا ظل هذا الجبل حاضراً في جغرافيا سوريا ولبنان وإسرائيل؟

ليس جبل الشيخ مجرد كتلة جبلية شاهقة تتوسط جغرافيا بلاد الشام، ولا مجرد قمة مكسوة بالثلوج يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة. فمنذ قرون طويلة، حمل الجبل أسماء متعددة، ارتبط بعضها بارتفاعه وهيبته، وبعضها الآخر بمكانته الرمزية والدينية، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة.

عاد جبل الشيخ إلى واجهة الأحداث مع التطورات الأخيرة في جنوب سوريا، بعدما تفقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القوات الإسرائيلية الموجودة في المنطقة، مؤكداً أن إسرائيل باتت، بحسب تعبيره، «قريبة جداً» من إسقاط النظام في إيران، وأن «المحور بأكمله سينهار».

وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى داخل المنطقة الأمنية، موجهاً رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع. وقد أثارت الزيارة والتصريحات الإسرائيلية رفضاً سورياً، إذ وصفت الخارجية السورية دخول نتنياهو الأراضي السورية بأنه «غير شرعي» و«استفزازي»، وانتهاك لسيادة سوريا ووحدة أراضيها.

لكن خلف هذه التطورات السياسية والعسكرية المعاصرة، يقف جبل له تاريخ أطول بكثير من حدود الدول والصراعات الحديثة.

جبل الشيخ.. «جبل الثلج» و«حرمون»

يقع جبل الشيخ بين سوريا ولبنان، ويشكل جزءاً مهماً من سلسلة جبال لبنان الشرقية. وتمتد المنطقة الجبلية من بانياس السورية وسهل الحولة جنوباً وغرباً، وصولاً إلى وادي القرن شمالاً وشرقاً.

ويحد الجبل من الشرق والجنوب وادي العجم وإقليم البلان وقرى الريف الغربي لدمشق والجولان، بينما يرتبط من الشمال والغرب بالجزء الجنوبي من سهل البقاع ووادي التيم في لبنان.

ويضم جبل الشيخ أربع قمم، أعلاها يبلغ ارتفاعه نحو 2814 متراً، فيما تتفاوت ارتفاعات القمم الأخرى بين 2145 و2294 و2236 متراً.

ولم يكن ارتفاع الجبل هو ما منحه اسمه فقط؛ فقد ارتبطت تسميته أيضاً بالثلوج التي تغطي قمته، والتي جعلت المؤرخين العرب يطلقون عليه اسم «جبل الثلج». أما اسم «حرمون»، فهو اسم كنعاني يرتبط في العربية بمعنى «حرم» أو «مقدس».

وهكذا تبدو أسماء الجبل نفسها شاهدة على طبقات متراكمة من التاريخ والحضارة في بلاد الشام.

الجبل الذي يرى المنطقة من أعلى

تكمن أهمية جبل الشيخ في موقعه وارتفاعه قبل أي شيء آخر.

فمن قمته يمكن الإشراف على مساحات واسعة من سوريا ولبنان وإسرائيل، كما يمكن أن يمتد مجال الرؤية إلى مناطق في الأردن. ويطل الجبل على دمشق وبادية الشام والجولان وسهول حوران، إضافة إلى جنوب لبنان وسلسلة جبال لبنان الغربية وسهل البقاع.

ويبعد الجبل نحو 39 كيلومتراً عن دمشق، وهو ما يضاعف من قيمته الاستراتيجية بالنسبة إلى القوة التي تسيطر عليه.

ولهذا السبب اكتسب الجبل في إسرائيل تسمية «عيون الأمة»، في إشارة إلى أهميته في أنظمة الإنذار والمراقبة المبكرة، إذ أقيمت على ارتفاعاته منشآت عسكرية ومراقبة تتمتع بقدرة على رصد مساحات واسعة من المنطقة.

ويشير خبراء استراتيجيون إلى أن السيطرة على هذه المرتفعات تتيح إنشاء منظومات متقدمة للرادار والمراقبة والاتصالات، بما يمنح القوة المسيطرة قدرة أكبر على متابعة ما يحدث في المناطق المحيطة.

تاريخ من الاحتلال والاستعادة

لم تبدأ قصة جبل الشيخ مع التطورات السورية الأخيرة.

ففي حرب يونيو/حزيران 1967، سيطرت القوات الإسرائيلية على قمة الجبل وأقامت فيها وحدة للإنذار المبكر، بهدف مراقبة واعتراض العمليات الإلكترونية والإشارية، ولا سيما تلك المرتبطة بدمشق.

لكن حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 أعادت ترتيب المشهد. فقد استعادت القوات السورية السيطرة على القمة، وفكك السوفييت أجهزة الإنذار المبكر الموجودة عليها ونقلوها إلى موسكو، وفق الرواية التي يوردها خبراء الشؤون الاستراتيجية.

ثم عادت القوات الإسرائيلية إلى السيطرة على قمة جبل الشيخ خلال ما عُرف بـ«حرب جبل الشيخ الثانية»، قبل أن تدخل المنطقة في إطار ترتيبات اتفاقية فك الاشتباك السورية-الإسرائيلية الموقعة في مايو/أيار 1974.

وبموجب الاتفاقية، جرى تقسيم المنطقة إلى مناطق انتشار مختلفة للقوات السورية والإسرائيلية وقوات مراقبة فك الاشتباك التابعة للأمم المتحدة.

لكن هذه الترتيبات لم تمنع وقوع خروقات لاحقة، سواء من خلال زيادة معدلات التسلح أو تجاوز خطوط الانتشار المحددة في الاتفاقية.

بعد سقوط الأسد.. مشهد مختلف

مع سقوط نظام بشار الأسد، دخلت التطورات في جنوب سوريا مرحلة جديدة.

فالقوات الإسرائيلية توغلت في المنطقة، وشنّت مئات الغارات على مواقع عسكرية سورية، بينما تجاوز الانتشار الإسرائيلي المناطق التي حددتها ترتيبات فك الاشتباك السابقة، بحسب ما يرد في المادة.

وهنا يرى خبراء أن أهمية التطورات الحالية لا ترتبط فقط بالسيطرة على قمة جبلية، وإنما بإعادة رسم البيئة الأمنية في جنوب سوريا.

فمن يسيطر على جبل الشيخ لا يملك فقط موقعاً مرتفعاً، بل يمتلك نقطة مراقبة تطل على مساحة واسعة من الجغرافيا السورية واللبنانية والإسرائيلية، وتقترب كثيراً من العاصمة السورية.

ومن هذه الزاوية، تبدو القمة أشبه بمنصة طبيعية ضخمة للرصد والمراقبة والإنذار المبكر.

الجبل والمياه.. وجه آخر للأهمية

لكن القيمة الاستراتيجية لجبل الشيخ لا تختصر في الأمن والعسكر.

فالجبل يمثل أيضاً خزّاناً طبيعياً مهماً للمياه في المنطقة. وارتفاعه الكبير يجعله من أكثر المناطق تعرضاً للأمطار والثلوج، بينما تغذي المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج شبكة من الينابيع والمصادر المائية المحيطة.

وتتصل هذه المنظومة بعدد من المصادر والأنهار التي تصب في نهر الأردن، من بينها الحاصباني وبانياس ودان.

ويشير متخصصون في علوم المياه إلى أن السيطرة على المنطقة المرتفعة يمكن أن تمنح الجهة المسيطرة قدرة أكبر على مراقبة المياه السطحية والجوفية والتحكم في البيئة المائية المحيطة، وإن كانت التصريحات الرسمية الإسرائيلية، وفق المادة، تربط الوجود العسكري بالاعتبارات الأمنية وليس بهدف السيطرة على مصادر مياه إضافية.

وهكذا يضيف الماء بعداً جديداً إلى أهمية الجبل، ليصبح الموقع نقطة التقاء بين الأمن والجغرافيا والموارد الطبيعية.

طبيعة لا تقل أهمية عن السياسة

تحت خط الثلوج، يمتلك جبل الشيخ طبيعة غنية نسبياً، تنتشر فيها كروم العنب وأشجار الصنوبر والبلوط والحور.

أما الثلوج، التي قد تغطي القمم معظم أيام السنة، فهي ليست مجرد مظهر جمالي منح الجبل اسمه التاريخي، وإنما عنصر أساسي في النظام البيئي والمائي للمنطقة.

وهنا تتجلى مفارقة جبل الشيخ: فالمشهد الذي يبدو للناظر من بعيد لوحة طبيعية هادئة، يخفي وراءه واحدة من أكثر النقاط توتراً في جغرافيا الشرق الأوسط.

بين الجغرافيا والذاكرة

ربما لا يوجد كثير من المواقع في بلاد الشام تختصر هذا القدر من الطبقات التاريخية والجغرافية والسياسية في مكان واحد.

فجبل الشيخ جزء من ذاكرة سورية ولبنانية وفلسطينية وإسرائيلية متداخلة. وهو في الوقت نفسه موقع طبيعي ارتبط بالماء والثلج والزراعة، ومكان ذو دلالات دينية وحضارية قديمة، ثم تحول في القرن العشرين إلى نقطة عسكرية شديدة الحساسية.

ولهذا فإن الصراع على الجبل لا يتعلق فقط بالأرض.

إنه صراع على المكان والرؤية والذاكرة والمياه والأمن.

ومن قمته المرتفعة يمكن فهم جانب من طبيعة الصراع في بلاد الشام: جغرافيا متداخلة جعلت الجبل حدوداً طبيعية، ومصدراً للمياه، وشاهداً على الحضارات، ثم حولته الصراعات الحديثة إلى موقع عسكري تتنافس القوى على السيطرة عليه.

«عيون الأمة».. من رمز جغرافي إلى عنوان سياسي

عندما يطلق على جبل الشيخ وصف «عيون الأمة»، فإن التعبير لا يشير فقط إلى قدرة الجبل على مراقبة الأراضي المحيطة. إنه يلخص أيضاً التحول الذي طرأ على وظيفة المكان.

فالجبل الذي كان في الماضي جزءاً من الطبيعة المقدسة والمهيبة لبلاد الشام، أصبح في العصر الحديث جزءاً من منظومة الأمن والاستراتيجية والمراقبة.

ومن هنا يمكن فهم سبب عودة جبل الشيخ إلى واجهة المشهد كلما تغيرت موازين القوى في المنطقة.

فارتفاعه يمنحه قدرة على الرؤية، وموقعه يمنحه قدرة على الربط بين الجبهات، وموارده الطبيعية تمنحه قيمة إضافية، بينما يمنحه تاريخه الطويل بعداً رمزياً يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

جبل يختصر تاريخ المنطقة

تبدو قصة جبل الشيخ في نهاية المطاف أقرب إلى مرآة لتاريخ بلاد الشام نفسها.

هنا تتجاور الحضارات والأسماء والحدود، وتلتقي الطبيعة بالسياسة، والمياه بالأمن، والذاكرة بالتنافس على الأرض.

ومن «جبل الثلج» إلى «حرمون»، ومن القمة التي كانت شاهداً على التاريخ إلى الموقع الذي أصبح جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي، ظل جبل الشيخ يحتفظ بمكانته بوصفه واحداً من أكثر جبال بلاد الشام حضوراً في الذاكرة والجغرافيا.

ولعل أخطر ما تكشفه التطورات الراهنة هو أن الجبل، الذي ظل لقرون جزءاً من طبيعة المنطقة، بات مرة أخرى في قلب سؤال أكبر: من يملك الأرض، ومن يملك القدرة على رؤيتها والسيطرة على ما حولها؟

وفي منطقة تتغير حدود النفوذ فيها بسرعة، قد يكون جبل الشيخ أكثر من قمة مرتفعة؛ قد يكون عنواناً مكثفاً للصراع على مستقبل جنوب سوريا، وعلى شكل الخريطة السياسية والأمنية لبلاد الشام.