العلاقات العربية–الصينية: من الشراكة الاقتصادية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

تقارير وملفات - Foresight

لم تعد العلاقات العربية–الصينية مجرد علاقة اقتصادية تقوم على النفط والتجارة والاستثمار، كما لم تعد بكين بالنسبة إلى العواصم العربية مجرد شريك تجاري آسيوي يمكن الاستفادة منه لتنويع مصادر التمويل والتكنولوجيا. وعلى مدى السنوات الأخيرة، أخذت هذه العلاقة تتجاوز تدريجياً إطارها التقليدي لتتحول إلى أحد المسارات المهمة في إعادة تشكيل شبكة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.

ومع مرور سبعين عاماً على بدايات العلاقات الصينية مع عدد من الدول العربية، والاستعدادات لعقد القمة الصينية–العربية الثانية في بكين خلال النصف الثاني من العام الجاري، تبدو العلاقة أمام مرحلة جديدة تتسم باتساع نطاقها وتعدد مستوياتها. فالتعاون لم يعد محصوراً في الاقتصاد والطاقة، بل امتد إلى السياسة والأمن والتكنولوجيا والتمويل والثقافة، بالتوازي مع تنامي التنسيق داخل الأطر متعددة الأطراف التي تقودها أو تشارك فيها الصين.

غير أن الأهمية السياسية لهذا التحول لا تكمن فقط في تعدد مجالات التعاون، وإنما في التغير الذي طرأ على وظيفة الشراكة نفسها. فالعلاقات العربية–الصينية باتت جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع الخيارات الاستراتيجية أمام الدول العربية في ظل نظام دولي أكثر تنافساً وتعدداً، وفي ظل تراجع قدرة الترتيبات التقليدية على احتواء الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن القمة الصينية–العربية المقبلة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مناسبة بروتوكولية لتجديد الالتزامات السابقة، وإنما باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الطرفين على تحويل التراكم الكبير في العلاقات إلى ترتيبات عملية أكثر عمقاً واستدامة.

شراكة تتجاوز الاقتصاد

أحد أهم التحولات في العلاقات العربية–الصينية يتمثل في انتقالها من التعاون القطاعي إلى بناء شراكة ذات طابع مؤسسي واستراتيجي. فقد أسست القمة الصينية–العربية الأولى، التي عقدت في الرياض في ديسمبر 2022، لمسار أكثر انتظاماً في إدارة العلاقات، في حين وفر الحوار الاستراتيجي بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي منصة إضافية للتشاور حول الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويكشف هذا التطور عن إدراك متبادل بأن حجم المصالح المتراكمة بين الطرفين لم يعد يسمح بإدارة العلاقة من خلال الاتصالات الثنائية المتفرقة وحدها. فكلما اتسعت المصالح، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات وآليات قادرة على إدارة الاختلافات وتنسيق الأولويات وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج تنفيذية.

كما أن المسار التاريخي لمنتدى التعاون الصيني–العربي يعكس بوضوح هذا التدرج. فمن التعاون الاستراتيجي الذي أُقر عام 2010، إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2018، ثم طرح مفهوم بناء مجتمع مصير مشترك صيني–عربي في العصر الجديد عام 2020، وصولاً إلى إعلان بكين عام 2024، انتقلت العلاقة من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة محاولة تأسيس إطار سياسي أكثر شمولاً.

وتتعزز هذه الديناميكية مع اتساع شبكة الشراكات الصينية مع الدول العربية، ومع تنامي مشاركة دول عربية في أطر متعددة الأطراف مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يعكس اتجاهاً عربياً متزايداً نحو توسيع دوائر الحركة الاستراتيجية وعدم حصر العلاقات الخارجية في محور واحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الدلالات السياسية للعلاقة: الدول العربية لا تتجه بالضرورة إلى استبدال شريك دولي بآخر، بقدر ما تسعى إلى زيادة هامش المناورة الاستراتيجية من خلال تعدد الشراكات. أما الصين، فتجد في هذا التوجه فرصة لتثبيت حضورها في منطقة ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية كبيرة من دون الاضطرار إلى تبني نموذج الهيمنة المباشرة الذي اتسمت به مقاربات قوى دولية أخرى.

من الثنائية إلى "الإقليمية المفتوحة"

التحول الآخر الأكثر أهمية يتمثل في انتقال العلاقات العربية–الصينية من الإطار الثنائي والإقليمي المغلق إلى نمط يمكن وصفه بـ "الإقليمية المفتوحة"؛ أي إقامة شبكة من الروابط تتقاطع فيها المصالح العربية والصينية مع ترتيبات أوسع تمتد إلى آسيا وإفريقيا ومؤسسات الجنوب العالمي.

وتبرز مبادرة الحزام والطريق بوصفها إحدى أهم الأدوات التي سمحت بهذا التحول. فهي لا تربط الصين بالدول العربية بصورة منفردة، وإنما تضع المنطقة داخل شبكة أوسع من الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والطاقة والاستثمار.

وبذلك، لم تعد المنطقة العربية بالنسبة إلى بكين مجرد سوق أو مصدر للطاقة، وإنما أصبحت جزءاً من فضاء جيوسياسي أوسع تتقاطع فيه المصالح التجارية واللوجستية والطاقة والتكنولوجيا.

وفي المقابل، توفر هذه الشبكة للدول العربية فرصة لتعزيز انخراطها في الاقتصاد الآسيوي وتوسيع خياراتها في التمويل والاستثمار والتكنولوجيا. ولذلك فإن تزايد المشاركة العربية في أطر مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون لا ينبغي قراءته فقط بوصفه انحيازاً للصين، وإنما باعتباره جزءاً من توجه أوسع نحو تنويع الشراكات الدولية والاستفادة من التحول التدريجي في بنية النظام العالمي.

الجنوب العالمي كمساحة للتقارب السياسي

يكتسب التقارب العربي–الصيني بعداً سياسياً أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بمستقبل الحوكمة العالمية. فثمة تقاطع في الخطاب حول ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية القائمة، وزيادة تمثيل دول الجنوب، وتعزيز التعددية الدولية، وترسيخ مبادئ السيادة وعدم التدخل.

لكن الأهم أن هذا الخطاب لم يعد منفصلاً عن شبكة من المؤسسات والترتيبات الاقتصادية والسياسية الجديدة. فزيادة مشاركة الدول العربية في المنظمات والتكتلات التي تضم الصين تمنح الطرفين مساحة أوسع لتنسيق المواقف، وتفتح المجال أمام بناء ترتيبات اقتصادية ومالية أقل اعتماداً على المؤسسات التقليدية التي هيمنت تاريخياً على النظام الدولي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التقارب العربي–الصيني باعتباره جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام الدولي المقبل: هل سيظل نظاماً تتركز فيه القوة حول عدد محدود من المراكز، أم يتجه بصورة أكبر نحو التعددية وتوزيع النفوذ بين مجموعة أوسع من القوى؟

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصين والعالم العربي يتحركان وفق رؤية متطابقة لكل قضايا النظام الدولي، لكنهما يلتقيان في مصلحة مشتركة تتمثل في توسيع هامش الحركة أمام دول الجنوب وعدم حصر خياراتها داخل بنية دولية واحدة.

الأمن يدخل إلى قلب الشراكة

إذا كان الاقتصاد هو المدخل التاريخي للعلاقة، فإن الأمن أصبح تدريجياً أحد مكوناتها المتزايدة الأهمية.

وهذا التحول يرتبط قبل كل شيء بتغير البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط. فالأزمات الممتدة، والتوترات الخليجية، والحروب الإقليمية، واضطراب طرق التجارة والطاقة، كلها تجعل من الصعب على أي قوة اقتصادية كبرى أن تحافظ على مصالحها في المنطقة من دون الانخراط، ولو بصورة انتقائية، في قضايا الأمن والاستقرار.

ولهذا أخذت الصين تنتقل تدريجياً من نموذج "الشريك الاقتصادي قليل الانخراط السياسي" إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على المشاركة السياسية الانتقائية. وهي مشاركة لا تزال حذرة، لكنها تشير إلى إدراك صيني بأن الاستقرار الإقليمي أصبح شرطاً لحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الصينية.

وتقدم الوساطة الصينية بين السعودية وإيران في مارس 2023 مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقد أظهرت بكين استعداداً للقيام بأدوار سياسية عندما تتقاطع تسوية النزاع مع مصالحها في الاستقرار الإقليمي، مع احتفاظها في الوقت نفسه بخطاب يؤكد السيادة وعدم التدخل وتفضيل الحلول السياسية.

وهذا النموذج يختلف عن نموذج التدخل العسكري المباشر؛ فالصين لا تبدو راغبة في تحمل الأعباء التي تحملتها القوى التقليدية في الشرق الأوسط، وإنما تحاول بناء نفوذ سياسي بتكلفة استراتيجية أقل، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع أطراف إقليمية متنافسة.

التعاون الدفاعي: من بيع السلاح إلى بناء القدرات

يكتسب البعد الأمني أهمية إضافية مع انتقال التعاون الدفاعي من مجرد شراء المعدات العسكرية إلى مجالات أكثر تعقيداً، تشمل نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك وتوطين بعض القدرات الدفاعية.

وهنا تتقاطع المصلحة الصينية مع حاجة عربية واضحة إلى تنويع مصادر التسليح وعدم الارتهان لمصدر واحد. فالصين تقدم لبعض الدول العربية بديلاً مرناً نسبياً، خصوصاً في المجالات التي تتصل بالتكنولوجيا الدفاعية والطائرات المسيرة والأنظمة الصاروخية وغيرها من التقنيات العسكرية.

كما أن التدريبات المشتركة واتفاقيات التعاون الدفاعي بين الصين وعدد من الدول العربية تشير إلى أن العلاقة الأمنية لم تعد هامشية كما كانت في مراحلها السابقة. ومع ذلك، فإنها لا تزال بعيدة عن تشكيل تحالف عسكري صيني–عربي بالمعنى التقليدي.

وهذا التمييز مهم؛ فالصين تبدو أكثر اهتماماً ببناء شبكة علاقات أمنية مرنة من بناء التزامات دفاعية صلبة. وبالنسبة إلى الدول العربية، يوفر ذلك هامشاً إضافياً لتنويع خياراتها، من دون أن يعني بالضرورة التخلي عن شراكاتها الأمنية التقليدية.

الطاقة: من النفط إلى إعادة بناء سلسلة القيمة

لطالما شكّل النفط حجر الأساس في العلاقات الاقتصادية العربية–الصينية، لكن استمرار هذا النموذج وحده لم يعد كافياً لتفسير اتجاهات التعاون الحالية.

فالعلاقة تتجه بصورة متزايدة نحو تكامل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، من الاستكشاف والإنتاج إلى التكرير والبتروكيماويات والنقل والتخزين، بالتوازي مع تنامي الحديث عن استخدام العملات المحلية في تسوية بعض المعاملات النفطية.

وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته "النفط والغاز+"؛ أي الانتقال من مجرد تجارة موارد الطاقة إلى شراكات أوسع تشمل الطاقة النووية والمتجددة والتكنولوجيا الخضراء والتمويل المستدام.

وبالنسبة إلى الصين، فإن هذا التنويع يساهم في تأمين احتياجاتها من الطاقة على المدى الطويل، بينما يوفر للدول العربية فرصة للاستفادة من التكنولوجيا والاستثمار الصيني في مرحلة التحول بعيداً عن الاعتماد الكامل على الهيدروكربونات.

ومن ثم، فإن الطاقة لم تعد مجرد ملف تجاري؛ بل أصبحت مساحة تلتقي فيها اعتبارات الأمن الاقتصادي والتحول الصناعي والاستثمار والتكنولوجيا.

الاقتصاد الجديد يعيد تعريف طبيعة العلاقة

ربما يكون التحول الأكثر عمقاً في العلاقات العربية–الصينية هو انتقال مركز الثقل تدريجياً من البنية التحتية التقليدية إلى قطاعات الاقتصاد الجديد.

فالاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس، والتكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، وأمن البيانات، والفضاء، كلها مجالات تفتح أمام الطرفين نوعاً مختلفاً من الاعتماد المتبادل.

وهنا تحديداً تكتسب مبادرات مثل "طريق الحرير الرقمي" أهمية استراتيجية؛ لأن السيطرة على البنية الرقمية لا تتعلق بالتجارة فقط، وإنما تمس مستقبل الاقتصاد والأمن والاتصال والبيانات.

وتتقاطع هذه الأولويات الصينية مع استراتيجيات التحول الرقمي العربية، بما في ذلك رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2031 ورؤية مصر 2030. ولذلك فإن المرحلة المقبلة من العلاقة قد تكون أقل اعتماداً على عدد المشروعات الضخمة وأكثر ارتباطاً بمدى قدرة الطرفين على بناء منظومات تكنولوجية وإنتاجية مشتركة.

من المشروعات العملاقة إلى "الصغير والجميل"

لا يعني التحول في التعاون الاقتصادي التخلي عن مشروعات البنية التحتية الكبرى، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لمشكلة الاستدامة الاقتصادية والسياسية لهذه المشروعات.

ولهذا برز توجه نحو المشروعات التي توصف بـ"الصغيرة والجميلة"، وهي مشروعات أقل تكلفة وأكثر مرونة وأسرع في التنفيذ، ويمكن توجيهها إلى مجالات مثل الطاقة الخضراء والشبكات الذكية والتكنولوجيا.

وتحمل هذه المقاربة دلالة سياسية واقتصادية في آن واحد. فالمشروع الأصغر والأسرع في تحقيق نتائج ملموسة قد يكون أكثر قدرة على خلق أثر محلي مباشر، كما أنه يقلل المخاطر المالية والتنفيذية، ويمنح الحكومات المحلية نتائج يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها ثماراً ملموسة للشراكة.

وبذلك، يبدو أن الصين تسعى إلى الانتقال من الحضور عبر المشروعات الكبرى إلى حضور أكثر تشعباً داخل الاقتصادات والمجتمعات المحلية.

الثقافة بوصفها استثماراً طويل الأجل في النفوذ

لا تكتمل الصورة من دون البعد الثقافي والحضاري. فالتوسع في تعليم اللغتين العربية والصينية، وانتشار معاهد وفصول كونفوشيوس، وإنشاء منصات بحثية وفكرية وجامعية مشتركة، كلها تشير إلى أن الصين لا تنظر إلى العلاقة باعتبارها شبكة مصالح اقتصادية فقط.

إن بناء الروابط الثقافية والأكاديمية والفكرية يمثل استثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري للعلاقة. فالشراكات الاقتصادية والسياسية قد تتغير وفقاً للظروف، لكن بناء أجيال من الباحثين والطلاب ورجال الأعمال والدبلوماسيين الذين يمتلكون معرفة باللغة والثقافة والطرف الآخر يخلق قاعدة أكثر استدامة للعلاقة.

وتشير المبادرات الخاصة بالحوار الحضاري وإنشاء مراكز الدراسات والروابط الفكرية والجامعية إلى محاولة إضفاء طابع مؤسسي على هذا المسار، بحيث يصبح التقارب الثقافي جزءاً من البنية الدائمة للعلاقات وليس مجرد نشاط موازٍ.

ما الذي تريده الصين؟ وما الذي تريده الدول العربية؟

من الصعب فهم مستقبل الشراكة من دون النظر إلى المصالح المتبادلة.

بالنسبة إلى الصين، تمثل المنطقة العربية موقعاً استراتيجياً لتأمين الطاقة، وربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وتوسيع الأسواق، وتعزيز سلاسل الإمداد، وفتح مجالات أمام التكنولوجيا والاستثمار. لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة لحماية هذه المصالح.

أما الدول العربية، فتبحث عن مجموعة مختلفة من المكاسب: تنويع الشركاء، والحصول على التكنولوجيا والاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتوطين بعض الصناعات، وتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي والاستراتيجي.

ومن هنا، فإن العلاقة تقوم على تقاطع مصالح أكثر مما تقوم على تطابق استراتيجي كامل.

وهذه نقطة جوهرية؛ إذ إن نجاح الشراكة لا يتطلب أن تتبنى الدول العربية الرؤية الصينية للعالم، ولا أن تتخلى الصين عن مبدأ استقلال سياستها الخارجية. المطلوب هو بناء مساحة واسعة من المصالح المشتركة تسمح بالتعاون مع استمرار الاختلاف في بعض الملفات.

حدود الشراكة واختبار المستقبل

ورغم الزخم المتزايد، فإن تحويل الشراكة العربية–الصينية إلى منظومة استراتيجية متكاملة لن يكون تلقائياً. فهناك تحديات تتصل بتباين الأولويات العربية، واختلاف مستويات العلاقة مع الصين من دولة إلى أخرى، واستمرار الحضور القوي للقوى الدولية التقليدية في المنطقة.

كما أن الانتقال من التعاون الاقتصادي إلى التعاون الأمني يطرح أسئلة أكثر تعقيداً حول حدود الالتزام الصيني، وطبيعة الضمانات التي تستطيع بكين تقديمها، ومدى استعدادها لتحمل تكاليف سياسية وأمنية أكبر إذا تعرضت مصالحها في المنطقة للخطر.

وفي المقابل، فإن اتساع الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي على الصين يفرض على الدول العربية ضرورة إدارة العلاقة وفق حسابات دقيقة، بما يضمن الاستفادة من التكنولوجيا والاستثمار دون خلق تبعيات جديدة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الطرفين ليس زيادة حجم العلاقات فحسب، وإنما تحقيق توازن بين تعميق الشراكة والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي.

القمة المقبلة: اختبار الانتقال من التراكم إلى التنفيذ

في ضوء ذلك، تكتسب القمة الصينية–العربية الثانية أهمية تتجاوز الرمزية السياسية. فالعلاقات قطعت بالفعل شوطاً طويلاً في بناء الأطر السياسية والمؤسسية، وتراكمت لديها شبكة واسعة من مجالات التعاون.

لكن المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من إعلان المبادئ إلى تحديد الأولويات التنفيذية.

فالمطلوب هو تحويل الشراكة إلى مشروعات وبرامج قابلة للقياس في الطاقة الجديدة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، واللوجستيات، والتصنيع، والتمويل، والتعليم، والبحث العلمي، إلى جانب تطوير آليات أكثر انتظاماً للحوار السياسي والأمني.

كما أن الاضطراب الإقليمي يجعل من الضروري أن تبحث القمة في كيفية حماية المصالح الاقتصادية المشتركة من تداعيات الأزمات الأمنية، خصوصاً أن أمن الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد أصبح جزءاً لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي.

شراكة جديدة في شرق أوسط يتغير

في المحصلة، فإن التحول في العلاقات العربية–الصينية يعكس تغيراً أوسع في البيئة الدولية والإقليمية. فالعالم يتجه بصورة متزايدة نحو تعددية أكثر تعقيداً، والدول العربية توسع خياراتها الخارجية، بينما تسعى الصين إلى تحويل قوتها الاقتصادية إلى حضور سياسي واستراتيجي أكثر تأثيراً، من دون الانخراط في نمط الهيمنة العسكرية التقليدية.

ولذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الصين ستصبح أكثر حضوراً في الشرق الأوسط؛ فهذا الحضور أصبح واقعاً متنامياً. السؤال الأكثر أهمية هو أي نوع من الحضور ستبنيه بكين، وأي نوع من الشراكة تريد الدول العربية تطويره معها؟

المسار الحالي يشير إلى شراكة متعددة الطبقات: اقتصاد في القاعدة، وتكنولوجيا في الصعود، وسياسة وأمن في التوسع، وثقافة وحوار حضاري في بناء المدى الطويل.

غير أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذه العلاقة ستتحدد بقدرتها على تجاوز منطق الصفقات المنفردة نحو بناء مصالح متبادلة ومستدامة، وبمدى نجاح الطرفين في تحويل التقارب السياسي إلى مؤسسات وآليات ومشروعات قادرة على الصمود أمام تقلبات النظام الدولي.

وفي هذا المعنى، فإن العلاقات العربية–الصينية لا تعكس فقط صعود الصين في الشرق الأوسط، وإنما تعكس أيضاً بحث الدول العربية عن موقع أكثر استقلالاً ومرونة داخل نظام دولي يعاد تشكيله. ومن المرجح أن تكون السنوات المقبلة هي المرحلة التي سيتضح خلالها ما إذا كان هذا التقارب سيظل شبكة واسعة من المصالح المتوازية، أم سيتحول فعلاً إلى شراكة استراتيجية قادرة على التأثير في موازين القوة الإقليمية والدولية.