البحر الأحمر.. عندما لا تكفي الجغرافيا
يُعد البحر الأحمر واحدًا من أكثر الممرات المائية أهمية في العالم، إذ يمر عبر مضيق باب المندب وقناة السويس نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وجزء كبير من إمدادات الطاقة المتجهة من الخليج إلى أوروبا وآسيا. وهو في الوقت نفسه نقطة تماس جغرافية بين ثلاث قارات، ومسرح تاريخي لتنافس القوى الكبرى منذ فتح قناة السويس قبل أكثر من قرن ونصف. هذه الأهمية ليست موضع خلاف. تطل على هذا الممر الحيوي ست دول عربية، ويرتفع العدد إلى سبع بضم الصومال، العضو الكامل في جامعة الدول العربية والمُطل على خليج عدن كامتداد استراتيجي واحد مع البحر الأحمر وباب المندب. وحين يتحدث المحللون، عربًا كانوا أم أجانب، عن هذه الساحة، فإن الكلمة التي تتكرر دائمًا هي «الفراغ». والحقيقة أن هذا الوصف، على شيوعه، غير دقيق. فالوجود العربي في البحر الأحمر ليس غائبًا، بل حاضر بكثافة جغرافية لا تخطئها عين. ما هو غائب فعلًا ليس الوجود، بل الإرادة الجماعية. فجوة البحر الأحمر، إذن، ليست فجوة خريطة، بل فجوة إرادة. هذه المفارقة تستحق تفسيرًا. فالدول الست المطلة لا تنظر إلى البحر الأحمر من زاوية واحدة. مصر تراه من منظور أمن الملاحة وقناة السويس. والسعودية تراه من منظور أمن الطاقة والتوازن الإقليمي في مواجهة إيران. أما السودان واليمن فمشغولان بأزمات داخلية تستنزف كل قدراتهما على التفكير الاستراتيجي البعيد. والأردن، رغم قربه الجغرافي المباشر من الممر، يبقى لاعبًا محدود التأثير، ليس بحكم الجغرافيا، بل لغياب الأدوات البحرية والاقتصادية الكفيلة بتحويل هذا القرب إلى نفوذ فعلي. أما جيبوتي، الدولة الصغيرة التي تحولت إلى ساحة تُؤجَّر فيها الأرض لقواعد عسكرية متعددة الجنسيات، فهي أقرب إلى موقع محايد منها إلى طرف في رؤية عربية جماعية، هذا التباين في الأولويات لم يُترجم يومًا إلى أداة أمنية جماعية حقيقية، رغم محاولات نظرية عديدة نوقشت في أوراق ودراسات متخصصة. وحين حاولت الدول العربية، ممثلة في المملكة العربية السعودية، أن تؤسس إطارًا جماعيًا فعليًا عبر منتدى الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي عُقد في الرياض عام 2020، بقي هذا المنتدى أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى ترتيب أمني فاعل. وهذا في ذاته أوضح دليل ملموس على أن المشكلة ليست في غياب المحاولة، بل في عجزها عن التحول إلى إرادة مُلزمة. وثمة بُعد آخر لا يُذكر غالبًا حين يُناقش هذا الملف، وهو البُعد الاقتصادي. فبعض الدول المطلة، وعلى رأسها السودان واليمن، تعيش حالة من التبعية المالية لجهات تمويل خارجية تحد بشكل مباشر من استقلالية قرارها البحري. فالدولة التي تعتمد في استقرارها الاقتصادي على مساعدات أو تمويل من أطراف خارجية، لا تستطيع أن تكون طرفًا مستقلًا في صياغة ترتيبات أمنية جماعية، حتى لو توافرت لديها الإرادة السياسية. وهذا يعمّق فجوة الإرادة، ولا يكتفي بوصفها.
في المقابل، هناك دولتان عربيتان تملكان فعليًا مقومات القيادة في هذا الملف أكثر من أي طرف آخر، وهما مصر والسعودية. صحيح أن أولويات كل دولة تختلف قليلًا في التفاصيل، فالقاهرة أقرب إلى هاجس أمن الملاحة وقناة السويس، والرياض أقرب إلى هاجس أمن الطاقة والتوازن الإقليمي. لكن هذا الاختلاف سطحي أكثر منه جوهري، فالمصلحتان في الأساس متكاملتان لا متعارضتان. استقرار الملاحة يخدم صادرات الطاقة، واستقرار الطاقة يخدم استقرار البحر الأحمر ككل. صحيح أن هذا التقارب في المصالح لم يتحول دائمًا إلى تطابق في الأسلوب؛ فبينما اختارت الرياض مواجهة مباشرة مع الحوثيين لسنوات طويلة بوصفهم تهديدًا حدوديًا مباشرًا، فضّلت القاهرة، رغم تحمّلها كلفة اقتصادية أكبر من اضطراب الملاحة، نهجًا أكثر احتواءً يستند إلى علاقتها التاريخية بالملف اليمني. لكن هذا التباين في الأداة لا ينفي وحدة الهدف، بل يعكس تقسيمًا ضمنيًا للأدوار بين دولتين تدركان أن استقرار البحر الأحمر مصلحة مشتركة، وإن اختلفت الوسائل المؤدية إليها. وحين يغيب هذا التنسيق، فإن الفجوة لا تبقى فارغة، بل تُملأ سريعًا بحضور أطراف أخرى. فالولايات المتحدة تحافظ على وجود عسكري دائم لحماية الملاحة الدولية. والصين أقامت في جيبوتي أول قاعدة عسكرية خارجية لها، إلى جانب استثمارات موانئ ضخمة ضمن مبادرة الحزام والطريق. وروسيا تُجري منذ سنوات مفاوضات متكررة، لم تُحسم بعد بصورة نهائية، لإنشاء موطئ قدم بحري في السودان. وتركيا أقامت أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في مقديشيو، ووقّعت اتفاقيات دفاعية وبحرية مع الصومال تشمل تدريب قواته البحرية وحماية مياهه الاقتصادية، بما وسّع نفوذها مباشرة في القرن الأفريقي على أبواب البحر الأحمر. أما إيران فتستخدم الحوثيين في اليمن كأداة نفوذ مباشرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وإسرائيل، رغم أنها لا تُشغّل رسميًا أي قاعدة عسكرية معلنة في البحر الأحمر أو القرن الأفريقي، تشير تقارير استخباراتية ودفاعية متكررة إلى نشاط متصاعد، من التقارب الدبلوماسي مع صوماليلاند وما يُتداول عن تسهيلات في ميناء بربرة، إلى وجود استخباراتي قديم يُنسب إليها في إريتريا لمراقبة حركة الملاحة عبر باب المندب. وإثيوبيا، التي فقدت ساحلها على البحر الأحمر باستقلال إريتريا، تسعى اليوم بكل الوسائل إلى موطئ قدم بحري عبر صوماليلاند، وهي الدولة نفسها التي تشكل منابع النيل الأزرق مصدر أمن مصر المائي، فتصبح بذلك فاعلًا واحدًا بوجهين، بحري ومائي، يمسان الأمن القومي المصري معًا. كل ذلك يجري بينما تكتفي الأطراف العربية الأقدر على التأثير بمراقبة المشهد. ولا يوجد مثال أوضح على هذه الفجوة من التناقض القائم في التعامل مع تهديد الحوثيين للملاحة الدولية. فالجهود الرامية إلى ترويض هذا التهديد، وإن كانت تُقدَّم دائمًا بوصفها دفاعًا عن حرية الملاحة، تتحول في جوهرها إلى أداة ضمن صراع أوسع بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى. والعرب، الذين هم الطرف الأكثر تضررًا مباشرة من أي اضطراب في هذا الممر، يجدون أنفسهم يتحملون كلفة هذا الصراع، من استهداف السفن إلى استمرار الحرب في اليمن، دون أن يكون لهم صوت حقيقي في تحديد مساره أو نتائجه.ولمصر تحديدًا نصيب أكبر من هذا الملف من أي طرف عربي آخر. فقناة السويس شريان اقتصادي لا بديل له، وأي اضطراب في الملاحة عبر البحر الأحمر ينعكس مباشرة على إيراداتها وعلى مكانتها كممر عالمي. وكما أشرنا، فإن أمنها المائي مرتبط بدوره بالاستقرار في القرن الأفريقي، حيث يلتقي هاجس مصر البحري بهاجسها النهري في معادلة واحدة. فمصر، بحكم موقعها المزدوج بين النيل والبحر الأحمر، ليست طرفًا عاديًا في هذا الملف، بل الطرف الذي يتحمل أكبر كلفة من استمرار غياب الإرادة العربية الجماعية. المشكلة إذن ليست في الجغرافيا، فالدول العربية موجودة على الخريطة بكثافة لا تُنكر. والمشكلة الحقيقية أن هذا الحضور الجغرافي لم يتحول يومًا إلى إرادة جماعية فعلية، وأن كل دولة تدير علاقتها بالبحر الأحمر بمعزل عن الأخرى، تاركةً لغيرها من القوى الإقليمية والدولية أن تملأ الفجوة التي تركتها. وما لم يتحول هذا الحضور العددي إلى إرادة سياسية موحدة، ذات مؤسسة فعلية وقرار مُلزم لا مجرد منتدى أو إعلان نوايا، فسيظل البحر الأحمر ساحة يديرها الآخرون، بينما يكتفي أصحاب السواحل الحقيقيون بدور المتفرج. فالجغرافيا تمنح الفرصة، لكنها لا تصنع النفوذ. فالخرائط لا تصنع السياسة، وإنما تصنعها الدول التي تعرف كيف تستخدم خرائطها.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم
