بث تجريبي

السودان بين الحرب المفتوحة والتحالفات الهشة: كيف تعيد الأزمة تشكيل الحسابات الإقليمية؟

تقدير موقف - Foresight

لم يعد الصراع السوداني مجرد حرب داخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحوّل تدريجياً إلى أزمة إقليمية معقدة تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية والأمنية مع رهانات القوى الدولية والإقليمية. فالتطورات التي شهدها السودان خلال مايو 2026، بدءاً من اعتراف الإدارة الأمريكية بعجزها عن جمع طرفَي الصراع على طاولة تفاوض واحدة، وصولاً إلى الانفجارات التي وقعت قرب مطار الخرطوم الدولي، تكشف أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها “إدارة الحرب” بدلاً من البحث الجاد عن تسوية سياسية شاملة.

وفي هذا السياق، تبدو الأزمة السودانية اليوم أقرب إلى نموذج “الحرب الممتدة”، حيث يتراجع منطق الحسم العسكري الكامل، بينما تتزايد احتمالات التفكك التدريجي للدولة وإعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيداً. والأهم من ذلك أن استمرار الحرب يعيد تشكيل تحالفات الداخل السوداني، كما يدفع القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر، إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية تجاه مستقبل السودان.

مفارقة الحرب السودانية: الضغط الخارجي يعزز التماسك المؤقت

تكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة شديدة الأهمية في المشهد السوداني، وهي أن تصاعد الضغوط الخارجية لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك معسكر الجيش السوداني، بل يدفع نحو تعزيز تماسكه المؤقت. لكن هذا التماسك لا يقوم على مشروع سياسي موحد، وإنما على منطق الضرورة والبقاء. فكلما زادت الضغوط الدولية أو الإقليمية، شعرت الأطراف المتحالفة مع الجيش بأن الانشقاق في هذه المرحلة قد يعني خسارة كل ما استثمرته في الحرب سياسياً وعسكرياً.

وفي هذا الإطار، حملت تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، ووزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio، دلالات استراتيجية عميقة، عندما أعلنا أن واشنطن لم تعد قادرة على جمع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مفاوضات مباشرة، وأن مؤتمر برلين يمثل آخر المبادرات المطروحة حالياً. فهذا الإعلان لم يكن مجرد اعتراف بفشل الوساطة الأمريكية، بل أعاد عملياً تشكيل حسابات الفاعلين السودانيين جميعاً.

فالجيش السوداني بات يشعر بأنه يحظى بشرعية دولية ضمنية باعتباره الطرف الرئيسي القادر على تمثيل الدولة، بينما أدركت الحركات المسلحة المتحالفة معه أن استمرار الحرب قد يكون الطريق الوحيد للحفاظ على مكاسبها التفاوضية في مرحلة ما بعد الصراع.

تحالفات الضرورة داخل معسكر الجيش

ورغم الحديث المتكرر عن “معسكر الجيش”، فإن الواقع يكشف عن بنية تحالفية شديدة الهشاشة، تضم أطرافاً مختلفة في المصالح والرؤى، وإن توحدت مرحلياً في مواجهة قوات الدعم السريع.

الطرف الأول يتمثل في الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام عام 2020، وعلى رأسها حركة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم. وهذه الحركات لا تنظر إلى الحرب فقط باعتبارها معركة عسكرية، بل بوصفها فرصة لإعادة تثبيت موقعها داخل معادلة السلطة السودانية المستقبلية، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الموارد والتمثيل السياسي والعسكري.

أما الطرف الثاني فهو التيار الإسلامي، الذي عاد للظهور بقوة داخل مؤسسات الدولة منذ اندلاع الحرب، مستفيداً من حالة الفراغ السياسي والانهيار المؤسسي. ويبدو أن هذا التيار يراهن على أن الحرب قد تفتح الباب أمام استعادة نفوذ فقده بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019. غير أن العقوبات الأمريكية المتزايدة على شخصيات مرتبطة بالإسلاميين بدأت تضيق هامش حركتهم إقليمياً ودولياً، وتجعل أي انفتاح غربي أو خليجي على الخرطوم تهديداً مباشراً لمشروعهم السياسي.

أما الطرف الثالث، فهو الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار، التي ترتبط بشراكة ميدانية مع الجيش، لكنها في الوقت نفسه تحمل هواجس تتعلق بمستقبل مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة، ومدى استعداد المؤسسة العسكرية لتقاسم السلطة بعد انتهاء الحرب.

ومن هنا، فإن ما يجمع هذه الأطراف ليس مشروع دولة موحداً، بل “تحالف ضرورة” مؤقت فرضته الحرب. وهذا ما يجعل احتمالات الانقسام الداخلي قائمة بقوة بمجرد تراجع التهديد المشترك.

ضربة مطار الخرطوم وتوسيع دائرة الصراع

شكلت الانفجارات التي وقعت قرب مطار الخرطوم الدولي في مايو 2026 نقطة تحول مهمة في الأزمة، ليس فقط بسبب رمزيتها السياسية، بل لأنها كشفت أيضاً عن البعد الإقليمي المتزايد للحرب السودانية. فالمطار كان قد استقبل قبل أيام قليلة أولى رحلاته الدولية منذ ثلاث سنوات، في إشارة رمزية إلى محاولة استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية في العاصمة. لكن الضربة أعادت التأكيد أن السودان ما يزال ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

اتهام الجيش السوداني لإثيوبيا بالوقوف وراء الهجوم أعاد تسليط الضوء على التوتر المزمن بين الخرطوم وأديس أبابا، خاصة في ظل النزاع المستمر حول منطقة الفشقة، والتشابكات المرتبطة بحرب تيغراي وسد النهضة.

ومن الناحية السياسية، أدت الضربة وظيفة مزدوجة؛ فمن جهة عززت التماسك داخل معسكر الجيش، لأن التهديد الخارجي يدفع الأطراف المختلفة إلى تأجيل خلافاتها الداخلية. ومن جهة أخرى، فتحت الباب أمام استنزاف إضافي للجيش السوداني عبر توسيع دائرة التوتر الإقليمي، بما يخفف الضغط العسكري عن قوات الدعم السريع في بعض الجبهات.

من “جدة” إلى “برلين”: تحوّل في الرؤية الدولية

تكشف المواقف الأمريكية الأخيرة أيضاً عن تحوّل جوهري في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية. ففي السابق، كان نموذج “جدة” يقوم على ممارسة ضغط متوازن على الطرفين لدفعهما نحو التفاوض. أما الآن، فإن “نموذج برلين” يبدو أقرب إلى منح الجيش السوداني شرعية سياسية ضمنية باعتباره الممثل الرئيسي للدولة، بينما يتم التعامل مع قوات الدعم السريع باعتبارها طرفاً خارج الإطار السياسي الرسمي.

لكن هذا التحول يحمل تناقضاً خطيراً. فمن جهة، يمنح الجيش غطاءً سياسياً ودولياً يعزز موقعه. ومن جهة أخرى، يرفع الضغوط التي كانت تدفع حلفاءه الداخليين إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك. فكل طرف داخل هذا التحالف بدأ يفكر في حصته من السلطة المقبلة قبل نهاية الحرب، لا بعدها.

وفي المقابل، تدرك قوات الدعم السريع أن أي مسار تسوية ترعاه واشنطن بات شبه مغلق أمامها، وهو ما يزيد من احتمالات استمرار الحرب لفترة طويلة، خاصة في مناطق مثل كردفان ودارفور، التي قد تتحول إلى بؤر استنزاف دائمة.

مصر: من دعم الجيش إلى إدارة مستقبل السودان

في ظل هذه المعطيات، يبرز الدور المصري باعتباره المتغير الإقليمي الأكثر أهمية وتأثيراً في الأزمة السودانية. فالقاهرة تنظر إلى السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وليس مجرد دولة مجاورة. ولذلك، فإن احتمالات تفكك الدولة السودانية أو استمرار الفوضى تمثل تهديداً مباشراً للأمن المصري، خاصة في ما يتعلق بالحدود الجنوبية، وتدفقات اللاجئين، والتوازنات المرتبطة بحوض النيل.

وتملك مصر ثلاث أوراق رئيسية تمنحها قدرة خاصة على التأثير: القوة العسكرية، والعمق الجغرافي، وورقة اللاجئين السودانيين الموجودين على أراضيها. كما أن القاهرة تبدو اليوم أكثر إدراكاً أن الاكتفاء بالشراكة العسكرية مع الجيش السوداني لم يعد كافياً لضمان الاستقرار طويل الأمد.

ومن هنا، تتجه الحسابات المصرية تدريجياً نحو ضرورة الانتقال من دعم المؤسسة العسكرية فقط إلى رعاية عملية سياسية أوسع تشمل الحركات المسلحة والقوى السودانية المختلفة، بما يسمح بإنتاج صيغة توازن جديدة تمنع انهيار الدولة السودانية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق المصري–السعودي–الإماراتي، لأن أي تسوية مستقبلية في السودان ستحتاج إلى توافق إقليمي يحدد شكل النظام السياسي المقبل، وأوزان القوى المسلحة المختلفة، وآليات إعادة بناء الدولة.

السودان إلى أين؟

المشهد السوداني الحالي يشير إلى أن البلاد لا تتجه نحو حسم سريع، بل نحو مرحلة طويلة من “اللا حرب واللا سلم”، حيث تستمر المعارك دون قدرة أي طرف على فرض سيطرة كاملة، فيما تتآكل مؤسسات الدولة تدريجياً.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في طبيعة الترتيبات التي قد تنتج عنها. فالنصر العسكري، إذا لم يكن مصحوباً بتسوية سياسية تعالج جذور الأزمة السودانية المرتبطة بعلاقة المركز بالأطراف، وبأزمة الهوية والتمثيل والموارد، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيداً في المستقبل.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام القوى الإقليمية، وخاصة مصر، لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في منع السودان من التحول إلى بؤرة فوضى مزمنة تهدد الأمن الإقليمي بأكمله.