لا تبدو الإشادة التي يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره السوري أحمد الشرع مجرد مجاملة دبلوماسية، بقدر ما تعكس تحولًا أوسع في نظرة واشنطن إلى سوريا وموقعها المحتمل في الترتيبات الإقليمية الجديدة. فعندما تربط الإدارة الأميركية استقرار سوريا بـ«تشكيل مستقبل الشرق الأوسط»، فإنها لا تتحدث فقط عن الاعتراف بنظام سياسي جديد، وإنما عن إعادة توظيف الجغرافيا السورية لخدمة مجموعة من المصالح الاستراتيجية، في مقدمتها احتواء النفوذ الإيراني، وضمان أمن إسرائيل، ومكافحة التنظيمات المسلحة، وتأمين الممرات الإقليمية، وتقليص كلفة الانخراط العسكري الأميركي المباشر.
منذ وصول أحمد الشرع إلى دمشق في ديسمبر 2024، تواجه القيادة السورية الجديدة تحديًا مزدوجًا: إعادة بناء سلطة الدولة في الداخل، واستعادة الشرعية والانفتاح في الخارج. وفي المقابل، تبدو إدارة ترامب مستعدة للتعامل معها بمنطق براغماتي يقوم على النتائج أكثر من الخلفيات الأيديولوجية. فالسؤال الأميركي الأساسي ليس من أين جاءت السلطة الجديدة بقدر ما هو: ماذا تستطيع أن تقدم داخل معادلة الأمن الإقليمي؟
من هنا يمكن فهم الرهان الأميركي على دمشق. فسوريا تقع عند نقطة التقاء جغرافية بين العراق ولبنان وتركيا والأردن وشرق المتوسط وإسرائيل، وكانت لعقود ممرًا رئيسيًا للنفوذ الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت. لذلك فإن تحولها من ساحة مفتوحة للصراع إلى دولة مركزية قادرة على ضبط حدودها وأراضيها يمكن أن يغير جانبًا مهمًا من موازين القوى في المشرق.
المصالح ثابتة.. والأدوات تتغير
رغم اختلاف الإدارات الأميركية، ظلت المصالح الأساسية لواشنطن في الشرق الأوسط مستقرة نسبيًا: حماية أمن إسرائيل، وضمان استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، ومنع التنظيمات العابرة للحدود من تهديد المصالح الأميركية وحلفائها، والحيلولة دون هيمنة قوة إقليمية منافسة على الممرات والمراكز الاستراتيجية.
لكن إدارة ترامب تختلف في الأدوات. فهي تميل إلى تقليل التدخل العسكري المباشر، وتحميل الحلفاء والقوى المحلية جزءًا أكبر من أعباء الأمن، واستخدام العقوبات والاعتراف السياسي والاستثمارات والمساعدات بوصفها أدوات للمقايضة والنفوذ.
بهذا المعنى، لا يعني تقليص الوجود العسكري الأميركي بالضرورة تراجع النفوذ الأميركي، بل محاولة إدارته بتكلفة أقل. وضمن هذه المقاربة، تصبح الدولة السورية المركزية أكثر فائدة لواشنطن من استمرار سوريا كساحة مجزأة تتطلب تدخلًا عسكريًا واستخباراتيًا دائمًا.
فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى سوريا حليفة، لكنها تحتاج إلى سوريا مستقرة بالقدر الذي يمنع عودة الفوضى، ويضبط الجماعات المسلحة، ويحد من النفوذ الإيراني، ويؤمن الحدود مع إسرائيل، ويقلل الحاجة إلى تدخل أميركي مباشر.
سوريا و«جغرافيا الممرات»
لا تنبع أهمية سوريا في حسابات الطاقة الأميركية من كونها منتجًا نفطيًا كبيرًا، بل من موقعها داخل شبكة الممرات التي تربط الخليج والعراق وشرق المتوسط بأوروبا.
فالولايات المتحدة، رغم صعود إنتاجها من النفط والغاز، لم تفقد اهتمامها بأمن الطاقة في الشرق الأوسط. لكن مفهوم أمن الطاقة بالنسبة إليها لم يعد مرتبطًا فقط بالحصول على النفط، بل بضمان استقرار الأسواق، وحرية الملاحة، وتأمين طرق التجارة، ومنع الخصوم من امتلاك القدرة على تعطيل تدفقات الطاقة أو استخدامها أداة للضغط الجيوسياسي.
ومن هذه الزاوية، تكتسب سوريا قيمة باعتبارها جزءًا من «جغرافيا الممرات». فاستقرارها يفتح المجال مستقبلًا أمام شبكات أكثر أمنًا للنقل والطاقة والربط الاقتصادي بين الخليج والعراق وشرق المتوسط، بينما يبقي انهيارها هذه الجغرافيا عرضة للصراع والتنافس بين القوى الإقليمية.
ومن ثم، فإن الرهان على دمشق يتجاوز حدود سوريا نفسها. فالدولة القادرة على ضبط أراضيها يمكن أن تصبح عنصر استقرار في شبكة إقليمية أوسع تريد واشنطن أن تعمل بأقل قدر ممكن من الاضطراب العسكري.
قطع الممر الإيراني
يبقى النفوذ الإيراني أحد أهم الملفات التي تفسر الانفتاح الأميركي على القيادة السورية الجديدة.
فلسنوات، مثلت سوريا الحلقة المركزية في الممر البري الذي يربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان. ولم تكن أهمية هذا الممر جغرافية فقط، بل عسكرية أيضًا، لأنه أتاح نقل السلاح والخبرات والدعم إلى القوى الحليفة لطهران، وفي مقدمتها «حزب الله».
إذا نجحت السلطة السورية الجديدة في إغلاق هذا المسار ومنع إعادة بناء شبكات النفوذ الإيراني، فإنها ستؤدي وظيفة استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة إلى واشنطن وإسرائيل.
وهنا تتقاطع مصلحة دمشق مع المصلحة الأميركية. فالقيادة الجديدة لا تنظر إلى النفوذ الإيراني باعتباره رصيدًا ينبغي الحفاظ عليه، بل بوصفه جزءًا من بنية النظام السابق ومنظومة نفوذ خارجي تتعارض مع مشروع استعادة سلطة الدولة.
لذلك يستطيع أحمد الشرع تقديم تقليص النفوذ الإيراني بوصفه في الوقت نفسه استعادة للسيادة السورية واستجابة لهدف استراتيجي أميركي. وهذه إحدى أهم نقاط القوة في موقعه التفاوضي: أن بعض ما تطلبه واشنطن يخدم أصلًا مشروعه في إعادة بناء الدولة.
إسرائيل والجولان.. الاختبار الأصعب
إذا كان تقليص النفوذ الإيراني يمثل مساحة واضحة للتقاطع بين دمشق وواشنطن، فإن العلاقة مع إسرائيل تبقى الملف الأكثر حساسية.
فالولايات المتحدة تريد حدودًا سورية–إسرائيلية هادئة، ومنع وجود جماعات مسلحة مستقلة قادرة على استخدام الأراضي السورية لشن هجمات، بما يقلل احتمالات اندلاع جبهة جديدة.
لكن تحقيق ذلك لا يستلزم بالضرورة انتقال دمشق سريعًا إلى التطبيع السياسي.
قد يكون النموذج الأكثر واقعية هو الفصل بين الترتيبات الأمنية والتطبيع السياسي: ضبط جبهة الجولان، ومنع الفصائل المسلحة من العمل خارج سلطة الدولة، وتجنب التصعيد العسكري، مع إبقاء الملفات السياسية والسيادية في مسار منفصل.
هذه الصيغة تمنح واشنطن وإسرائيل الحد الأدنى المطلوب أمنيًا، وفي الوقت نفسه تسمح للقيادة السورية بتجنب خطوات قد تضعف شرعيتها الداخلية أو تُفسر بوصفها تنازلًا عن قضايا سيادية.
لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب توازنًا دقيقًا؛ فالمبالغة في تقديم التنازلات الأمنية قد تخلق أزمة شرعية داخلية، بينما قد يؤدي التصعيد مع إسرائيل إلى استنزاف الدولة الجديدة وإجهاض عملية إعادة البناء قبل اكتمالها.
مكافحة الإرهاب بأقل كلفة أميركية
يمثل ملف مكافحة الإرهاب مجالًا آخر للتقاطع بين الطرفين.
فإدارة ترامب لا ترغب في العودة إلى نموذج الحروب الطويلة ونشر عشرات الآلاف من الجنود لإدارة الأزمات المحلية. والأقرب إلى رؤيتها هو أن تتولى الحكومات المحلية مسؤولية ضبط أراضيها ومحاربة التنظيمات المسلحة، مع احتفاظ الولايات المتحدة بالدعم الاستخباراتي والتكنولوجي والقدرة على التدخل المحدود عند الضرورة.
في سوريا، يمكن لحكومة الشرع أن تقدم نفسها باعتبارها البديل القادر على ملاحقة بقايا «داعش»، وتفكيك الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وهذا الهدف لا يخدم واشنطن وحدها. فاحتكار الدولة للسلاح وإنهاء تعدد مراكز القوة يمثلان شرطين أساسيين لبقاء النظام السوري الجديد نفسه.
ومن ثم، يستطيع الشرع تحويل مطلب أميركي متعلق بمكافحة الإرهاب إلى جزء من مشروع داخلي لبناء الدولة، مقابل الحصول على مكاسب خارجية تتمثل في تخفيف العقوبات، والاعتراف السياسي، وفتح قنوات الاستثمار وإعادة الإعمار.
الصفقة الضمنية بين واشنطن ودمشق
يمكن اختزال العلاقة الناشئة بين إدارة ترامب والقيادة السورية الجديدة في معادلة تقوم على تبادل الوظائف والمكاسب.
تريد واشنطن من دمشق دولة مركزية تضبط حدودها، وتمنع عودة النفوذ الإيراني، وتحاصر التنظيمات المتطرفة، وتحتكر السلاح، وتحافظ على هدوء الجبهة مع إسرائيل.
وفي المقابل، تحتاج دمشق من الولايات المتحدة إلى الاعتراف السياسي، وتخفيف العقوبات، وفتح أبواب الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، وتقليل الاعتراضات الدولية أمام استعادة الحكومة السورية سلطتها على كامل البلاد.
هذه ليست بالضرورة علاقة تحالف، بل صفقة استراتيجية قائمة على تبادل المصالح.
واشنطن تريد استقرارًا منخفض التكلفة يحمي مصالحها من دون تورط عسكري واسع، بينما تريد دمشق استخدام الانفتاح الأميركي للحصول على الوقت والموارد والشرعية اللازمة لإعادة بناء الدولة.
وتكمن براعة القيادة السورية، إذا نجحت، في تقديم السياسات التي تخدم أصلًا مصالحها الوطنية ــ مثل ضبط الحدود، وإنهاء الميليشيات، وتقليص النفوذ الخارجي ومكافحة الإرهاب ــ باعتبارها أيضًا استجابة للمصالح الدولية، ثم تحويل هذا التقاطع إلى مكاسب سياسية واقتصادية.
بين «الدولة الوظيفية» والدولة المستقلة
مع ذلك، لا تخلو هذه المعادلة من مخاطر.
فالولايات المتحدة قد ترى سوريا أساسًا من زاوية الوظائف التي تستطيع أداؤها داخل النظام الإقليمي: قطع الممر الإيراني، حماية الحدود الإسرائيلية، مكافحة الإرهاب وتأمين الاستقرار. لكن اختزال سوريا في هذه الوظائف قد يحولها تدريجيًا إلى «دولة وظيفية» يُقاس نجاحها بمدى استجابتها لأولويات القوى الخارجية.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام أحمد الشرع: كيف يستفيد من التوافق مع واشنطن من دون أن يصبح أسيرًا له؟
الرفض الكامل للمطالب الأميركية قد يعيد سوريا إلى العزلة والعقوبات ويؤخر إعادة الإعمار، بينما الاستجابة غير المشروطة قد تقيد استقلال القرار السوري وتخلق أزمة شرعية داخلية.
لذلك لا تكمن المسألة في الاختيار بين التعاون والمواجهة، بل في إدارة حدود التعاون.
نجاح دمشق سيتوقف على قدرتها على تحويل التفاهم مع واشنطن إلى أداة لبناء مؤسسات الدولة واستعادة السيادة، لا إلى بديل عنها. وكلما استطاعت ربط المطالب الخارجية بمصالح سورية أصلية، امتلكت مساحة أوسع للمناورة.
لماذا تراهن واشنطن على الشرع؟
في المحصلة، لا تراهن إدارة ترامب على أحمد الشرع لأنه يمثل حليفًا أيديولوجيًا جديدًا، بل لأنها ترى في السلطة المركزية التي يقودها فرصة لإعادة ترتيب جزء بالغ الحساسية من المشرق بأقل تكلفة أميركية ممكنة.
إذا تمكنت دمشق من إغلاق الممر الإيراني، وضبط الحدود، ومكافحة التنظيمات المسلحة، وتثبيت سلطة الدولة، ومنع تحول سوريا مجددًا إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، فإنها ستقدم لواشنطن مجموعة كبيرة من المكاسب من دون الحاجة إلى وجود عسكري أميركي واسع.
وفي المقابل، يستطيع الشرع استخدام حاجة واشنطن إلى هذه الوظائف للحصول على ما تحتاجه سوريا بشدة: الشرعية، وتخفيف العقوبات، والاستثمار، وإعادة الإعمار، ومساحة أكبر لإعادة توحيد الدولة.
لهذا فإن العلاقة الناشئة بين ترامب والشرع ليست تحالفًا قائمًا على الثقة أو القيم المشتركة، بل تقاطع مصالح قد يكون واسعًا لكنه يظل قابلًا للتغير.
واشنطن تنظر إلى سوريا بوصفها مفتاحًا جغرافيًا وأمنيًا يمكن أن يساعدها في إدارة الشرق الأوسط بتكلفة أقل، بينما تنظر دمشق إلى الولايات المتحدة بوصفها بوابة ضرورية للخروج من العزلة وإعادة بناء الدولة.
ويبقى نجاح الرهان السوري مرهونًا بقدرة أحمد الشرع على قلب المعادلة: ألا تصبح سوريا مجرد أداة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بل أن تستخدم حاجة القوى الكبرى إلى استقرارها لاستعادة الدولة وتعزيز استقلال قرارها.
