العراق بين استعادة الدولة وتوازنات النفوذ

تقدير موقف - شبكة الاستشراف

لم تعد معركة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع الفساد والسلاح المنفلت مجرد محاولة لإصلاح أداء الدولة أو تنفيذ بندين في برنامج حكومي. فخلف هذين العنوانين تتشكل واحدة من أكثر المواجهات السياسية حساسية في العراق منذ عام 2003، لأنها تلامس جوهر السؤال الذي ظل مؤجلًا طوال السنوات الماضية: من يمتلك القرار النهائي داخل الدولة العراقية؟

فمحاربة الفساد تعني، في جوهرها، محاولة تفكيك شبكات المصالح التي نشأت حول الدولة ومؤسساتها، بينما يعني حصر السلاح بيد الدولة إعادة تعريف العلاقة بين السلطة الرسمية والقوى المسلحة التي راكمت خلال السنوات الماضية نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا يتجاوز حدود المؤسسات الدستورية.

ولهذا يصعب الفصل بين الملفين. فكلاهما يتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإن كان الفساد يضرب قدرتها المالية والإدارية من الداخل، بينما يضرب السلاح المنفلت احتكارها للقوة من الخارج.

معركة على الدولة أكثر منها معركة على الحكومة

تكمن أهمية تحركات الزيدي في أنه فتح ملفين ظل الاقتراب منهما محفوفًا بحسابات سياسية معقدة. وخلال المائة يوم الأولى من عمر حكومته، حاول رئيس الوزراء تحويل شعار استعادة الدولة إلى خطوات عملية، واضعًا مكافحة الفساد وحصر السلاح في مقدمة أولوياته.

لكن المشكلة أن الحكومة نفسها لا تتحرك في بيئة سياسية تسمح لها بسهولة بتنفيذ هذه الأهداف.

فتأخر استكمال التشكيلة الوزارية، وبقاء تسع حقائب تُدار بالوكالة، لا يمثل مجرد خلل إداري. إنه مؤشر على استمرار قدرة القوى السياسية على استخدام بنية الدولة نفسها كأداة للضغط على رئيس الوزراء.

فالحكومة التي لا تكتمل تركيبتها السياسية تظل أكثر عرضة للابتزاز، ويصبح رئيس الوزراء مضطرًا إلى إدارة توازنات الكتل بقدر ما يدير مؤسسات الدولة.

وهنا تظهر المفارقة: الزيدي يريد تقوية الدولة، لكنه لا يزال بحاجة إلى القوى التي تستفيد من ضعفها السياسي والمؤسسي لكي يحافظ على حكومته.

ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول ما إذا كان رئيس الوزراء سينجح في مكافحة الفساد أو حصر السلاح، وإنما حول ما إذا كان قادرًا على تحويل الشعبية التي اكتسبها إلى قوة سياسية ومؤسسية مستقلة عن شبكات المحاصصة.

الفساد: من تفكيك المنظومة إلى ملاحقة الأفراد؟

بدأت حملة مكافحة الفساد بما سمي «صولة الفجر»، التي أسفرت عن اعتقال عدد من النواب والمسؤولين، وفرار آخرين إلى الخارج.

لكن التحدي لم يعد في اعتقال المتهمين، وإنما في الخطوة التالية: هل تتحول الاعتقالات إلى مسار قضائي كامل ينتهي بأحكام ومحاسبة، أم تتحول إلى ورقة تفاوض سياسي؟

فتأخر إحالة بعض الموقوفين إلى القضاء، أو استمرار احتجازهم دون حسم قضائي، يفتح المجال أمام الشكوك في إمكانية الوصول إلى تسويات مالية أو سياسية.

الأكثر أهمية أن انتقال الحملة إلى مسؤولين من مستويات إدارية أدنى قد يؤدي إلى تغيير طبيعة المعركة نفسها.

فإذا انحصر مكافحة الفساد في الرشى والموظفين الصغار، فإن الدولة تكون قد عالجت أعراض المشكلة بدلًا من بنيتها.

الفساد العراقي، في جوهره السياسي، ليس مجرد مجموعة من الموظفين الذين يتلقون الرشى، بل شبكة من العلاقات بين المال والسياسة والإدارة والعقود العامة والنفوذ الحزبي.

ولهذا فإن اختبار جدية حملة الزيدي لن يكون بعدد المعتقلين، وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى مراكز إنتاج الفساد وحماية المؤسسات من إعادة إنتاجه.

وهنا تحديدًا تبدأ المقاومة السياسية.

السلاح: الخط الأحمر الذي يتجاوز حدود العراق

إذا كان ملف الفساد داخليًا في الأساس، فإن ملف السلاح مختلف تمامًا.

فالسلاح خارج سيطرة الدولة يرتبط مباشرة بطبيعة النظام الأمني والسياسي الذي تشكل في العراق بعد 2003، لكنه يرتبط كذلك بشبكة أوسع من العلاقات الإقليمية، وفي مقدمتها علاقة بعض الفصائل العراقية بإيران، وعلاقة العراق الأمنية والاستراتيجية بالولايات المتحدة.

ولهذا فإن قرار حصر السلاح لا يُقرأ في بغداد وحدها.

بالنسبة إلى الحكومة العراقية، القضية تتعلق بسيادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة.

أما بالنسبة إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، فإن السلاح يمثل جزءًا من عقيدتها الأمنية والسياسية، وتعتبره عنصرًا من عناصر «المقاومة» في مواجهة النفوذ الأمريكي.

وبالنسبة إلى واشنطن، فإن وجود فصائل مسلحة لا تخضع بصورة كاملة لسلطة الحكومة العراقية يمثل تحديًا مباشرًا لترتيباتها الأمنية في العراق والمنطقة.

وهكذا يتحول السلاح العراقي إلى نقطة تقاطع بين السيادة العراقية والمصالح الإيرانية والحسابات الأمريكية.

30 سبتمبر: موعد لتنفيذ القرار أم بداية أزمة جديدة؟

كان تحديد 30 سبتمبر موعدًا لحصر السلاح بيد الدولة يحمل أكثر من دلالة.

فالموعد لا يتصل فقط بالداخل العراقي، بل يتزامن مع ترتيبات مرتبطة بانسحاب التحالف الدولي، الأمر الذي جعل ملف السلاح جزءًا من عملية إعادة تعريف التوازن الأمني في العراق.

لكن تمديد المهلة أو إعادة فتح النقاش حول آليات تنفيذها يكشف حجم المقاومة السياسية أمام الزيدي.

المشكلة هنا ليست في تشكيل لجان أو الدخول في مفاوضات حول نوع السلاح الذي يمكن تسليمه، وإنما في السؤال الأكثر جوهرية:

هل تمتلك الدولة القدرة السياسية والأمنية على فرض قرارها إذا رفضت بعض الفصائل الامتثال؟

إذا كانت الإجابة سلبية، فإن تمديد المهلة لا يصبح مجرد إجراء فني، بل يتحول إلى آلية لإدارة الأزمة وتأجيل لحظة الاختبار.

وهذا هو السيناريو الذي يبدو أن القوى المرتبطة بإيران تحاول الوصول إليه: عدم مواجهة الحكومة بصورة مباشرة، وعدم استفزاز الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه منع تنفيذ حصر السلاح بصورة كاملة وسريعة.

إيران: منع المواجهة دون التخلي عن النفوذ

التدخل الإيراني في الملف لا يبدو هدفه بالضرورة إسقاط حكومة الزيدي.

بل إن المؤشرات السياسية توحي بأن الهدف الأكثر واقعية هو إدارة سقف المواجهة ومنع تحولها إلى صدام مفتوح.

الزيارات والتحركات الإيرانية، سواء المعلنة أو غير المعلنة، تعكس محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الفصائل المسلحة والحكومة العراقية، بحيث لا تصل الأزمة إلى لحظة يضطر فيها رئيس الوزراء إلى استخدام القوة لفرض قرار الدولة.

ولهذا يمكن تفسير الدعوة إلى تشكيل لجان، وإجراء مفاوضات، ووضع آليات لتسليم السلاح، بوصفها محاولة لتحويل السؤال من:

«هل ستسلم الفصائل سلاحها للدولة؟»

إلى:

«ما السلاح الذي سيُسلَّم؟ ومتى؟ وبأي صيغة؟ وما المقابل السياسي والأمني لذلك؟»

وهذا التحول بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل القضية من مبدأ سيادي واضح إلى عملية تفاوضية مفتوحة.

وبذلك تستطيع إيران تحقيق هدفين متناقضين ظاهريًا: منع الصدام مع الحكومة، والحفاظ في الوقت نفسه على أكبر قدر ممكن من نفوذها عبر الفصائل الحليفة.

لماذا لا تريد إيران إسقاط الحكومة؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن مواجهة الزيدي تخدم مصالح الفصائل، لكن إسقاط الحكومة قد يكون أكثر خطورة من احتوائها.

فالحكومة الحالية، رغم قربها من الولايات المتحدة في بعض الملفات، تظل إطارًا سياسيًا يمكن التفاوض معه. أما انهيارها فيفتح الباب أمام فراغ سياسي قد تستفيد منه قوى أكثر تشددًا أو قوى شعبية يصعب ضبطها.

كما أن الصدام المباشر بين الحكومة والفصائل قد يخلق ضغطًا أمريكيًا أكبر، ويمنح واشنطن مبررًا لإعادة تعريف وجودها الأمني في العراق.

ولهذا يبدو أن الخيار الإيراني الأكثر عقلانية هو احتواء الزيدي لا إسقاطه، وتقييد خطواته لا إلغاؤها، وتأجيل الصدام بدلًا من إشعاله.

الإطار التنسيقي بين هاجسين

تواجه القوى المنضوية في «الإطار التنسيقي» معادلة شديدة التعقيد.

فهي لا تريد أن تدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة، لكنها لا تريد أيضًا أن تسمح لرئيس الوزراء بتحويل ملف حصر السلاح إلى إنجاز تاريخي يمنحه شعبية واستقلالية سياسية أكبر.

كما أن نجاح حملة مكافحة الفساد قد يهدد شبكات المصالح المرتبطة ببعض القوى السياسية.

ومن هنا، فإن أفضل سيناريو بالنسبة إلى هذه القوى قد يكون السماح للزيدي بتحقيق نجاحات محسوبة، لكن دون السماح له بتحويل هذه النجاحات إلى إعادة توزيع للقوة داخل النظام السياسي.

وهذا يفسر محاولات إبقاء الملفات في منطقة وسطى: لا رفض كامل، ولا تنفيذ كامل؛ لا مواجهة مع الحكومة، ولا استسلام لقراراتها.

إنها سياسة الاحتواء عبر التأجيل والتفاوض.

معركة الزيدي على الشرعية الشعبية

في المقابل، يبدو أن نقطة القوة الأساسية التي يمتلكها الزيدي هي شعبيته.

فإذا تمكن رئيس الوزراء من تقديم نفسه باعتباره الطرف الذي يدافع عن سيادة الدولة في مواجهة الفصائل، ويلاحق الفساد بعيدًا عن المحاصصة، فإنه يستطيع نقل المعركة من غرف التفاوض بين الكتل السياسية إلى المجال الشعبي.

وهنا تكمن المخاطرة الأكبر بالنسبة إلى خصومه.

فالقوى السياسية تستطيع احتواء رئيس وزراء يعتمد على توازنات البرلمان، لكنها تجد صعوبة أكبر في احتواء رئيس وزراء يمتلك قاعدة شعبية قادرة على الضغط عليها.

ولهذا فإن أي خطاب مباشر يلجأ فيه الزيدي إلى الشارع يمكن أن يغير طبيعة الصراع.

وفي حال انضم إلى هذا المسار مقتدى الصدر، فإن ميزان القوى قد يصبح أكثر تعقيدًا، لأن دعم التيار الصدري لأي مشروع لاستعادة سلطة الدولة يمكن أن يمنح الزيدي غطاءً شعبيًا وسياسيًا يصعب تجاهله.

المالكي ورسالة «لا لإسقاط الحكومة»

في هذا السياق، تبدو تصريحات نوري المالكي الرافضة لإسقاط الحكومة ذات أهمية خاصة.

فرفض تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة منح الزيدي تفويضًا مفتوحًا لتنفيذ برنامجه، بل قد يمثل محاولة للحفاظ على الاستقرار ومنع انتقال الخلاف من صراع سياسي إلى مواجهة داخلية.

وهذا يتقاطع جزئيًا مع المصلحة الإيرانية: الإبقاء على الحكومة مع محاولة ضبط مسارها.

فلا إيران تريد في هذه المرحلة انفجارًا داخليًا واسعًا، ولا القوى الشيعية تريد حربًا داخلية قد تدمر التوازن الذي يمنحها نفوذها السياسي.

لكن بقاء الحكومة لا يعني انتهاء الصراع؛ بل يعني انتقاله إلى مستوى أكثر هدوءًا وتعقيدًا.

«الحرب الشيعية–الشيعية» كفزاعة سياسية

التحذيرات من اندلاع حرب شيعية–شيعية تكشف بدورها عن حساسية المرحلة.

فالقوى الشيعية العراقية تدرك أن أي صدام بين الدولة والفصائل قد يتجاوز السيطرة بسرعة، خصوصًا إذا دخلت أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمة.

ولهذا فإن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي أو الدعوة إلى تنسيق داخلي يمكن قراءته باعتباره محاولة لبناء آلية سياسية لمنع الانفجار.

لكن هناك وجهًا آخر للمسألة.

فرفع شعار منع «الحرب الشيعية–الشيعية» يمكن أن يستخدم أيضًا لتقييد قدرة الحكومة على مواجهة الفصائل المسلحة، عبر تصوير أي محاولة لفرض القانون باعتبارها تهديدًا للسلم الأهلي.

وهنا تتحول مخاوف الحرب من وسيلة لمنع الصدام فقط إلى أداة سياسية لتأجيل القرارات الصعبة.

الولايات المتحدة: الاختبار القادم

إذا كان العراق يمثل بالنسبة إلى إيران ساحة نفوذ، فإنه بالنسبة إلى الولايات المتحدة يمثل نقطة مهمة في معادلة أمنية إقليمية أوسع.

ولهذا فإن واشنطن تراقب ملف السلاح ليس باعتباره شأنًا عراقيًا داخليًا فقط، وإنما باعتباره مؤشرًا على قدرة الحكومة العراقية على ضبط الجماعات المسلحة التي يمكن أن تهدد المصالح والقوات الأمريكية.

ومن هنا يصبح موعد حصر السلاح اختبارًا مزدوجًا للزيدي:

إذا نفذ القرار بصورة كاملة، فإنه يعزز سلطة الدولة، لكنه قد يفتح مواجهة مع الفصائل وإيران.

وإذا تراجع عنه، فإنه يتجنب الصدام الداخلي، لكنه يخاطر بفقدان جزء من الدعم الأمريكي وبإضعاف صورته كزعيم قادر على تنفيذ تعهداته.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر احتمالًا، فيتمثل في تسوية تدريجية تؤجل المواجهة النهائية عبر دمج بعض القدرات المسلحة في مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم بعضها، وإبقاء أجزاء أخرى ضمن ترتيبات غير معلنة.

وهذا السيناريو قد يحقق الهدوء، لكنه لا يحسم مسألة احتكار الدولة للسلاح.

الاختبار الحقيقي: هل يستطيع العراق إنتاج دولة فوق التوازنات؟

المشكلة الأساسية في العراق ليست غياب القرارات، بل ضعف القدرة على تنفيذها عندما تصطدم بمصالح القوى النافذة.

فالدولة العراقية تستطيع أن تعلن محاربة الفساد، لكنها تواجه شبكات سياسية واقتصادية متجذرة.

وتستطيع أن تعلن حصر السلاح، لكنها تواجه قوى مسلحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وشبكات اجتماعية وعلاقات إقليمية.

وتستطيع الحكومة أن تؤكد استقلال القرار العراقي، لكنها تتحرك داخل مثلث معقد يضم إيران والولايات المتحدة والقوى السياسية الداخلية.

ولهذا فإن نجاح الزيدي لن يقاس بعدد الملفات التي يفتحها، وإنما بقدرته على تغيير قواعد اللعبة التي جعلت فتح هذه الملفات أصلًا أمرًا صعبًا.

ثلاثة مسارات محتملة

يمكن تصور مستقبل الأزمة العراقية خلال المرحلة المقبلة عبر ثلاثة مسارات رئيسية.

الأول: الاحتواء السياسي.
يتم تمديد المهل، وتشكيل اللجان، وإطلاق المفاوضات، وتقديم تنازلات متبادلة تمنع الصدام. وهذا السيناريو يحافظ على الاستقرار، لكنه يبقي جوهر مشكلة السلاح دون حل.

الثاني: المواجهة السياسية–المؤسسية.
يصر الزيدي على تنفيذ برنامجه، ويستخدم الدعم الشعبي والمؤسسات القضائية والأمنية، بينما تحاول القوى السياسية تعطيل خطواته. وقد يؤدي ذلك إلى أزمة سياسية حادة دون أن تتحول بالضرورة إلى مواجهة عسكرية.

الثالث: إعادة صياغة العلاقة مع الفصائل.
وهو السيناريو الأكثر تعقيدًا، إذ يجري الانتقال من فكرة «نزع السلاح» إلى إعادة تنظيمه ودمجه بصورة تدريجية داخل منظومة الدولة، مقابل ضمانات سياسية وأمنية للفصائل.

وقد يكون هذا المسار الأكثر قابلية للتطبيق، لكنه يحمل خطر تحويل مبدأ احتكار الدولة للسلاح إلى مجرد إعادة توزيع للصلاحيات بدلًا من تحقيق الاحتكار الفعلي.

الخلاصة: العراق أمام لحظة اختبار للدولة

ما يجري في العراق اليوم ليس مجرد خلاف حول موعد تنفيذ قرار إداري أو صراع بين رئيس الوزراء وبعض القوى السياسية.

إنه اختبار أعمق لطبيعة الدولة العراقية نفسها.

فالفساد والسلاح يمثلان وجهين لأزمة واحدة: أزمة قدرة الدولة على احتكار القرار والموارد والقوة.

إذا نجح الزيدي في تفكيك شبكات الفساد والوصول إلى مراكزها الحقيقية، وفي الوقت نفسه فرض مبدأ خضوع السلاح للسلطة الدستورية، فسوف يكون قد نقل العراق إلى مرحلة سياسية مختلفة، وسيصبح رئيس الوزراء أكثر استقلالًا عن منظومة المحاصصة التي حكمت البلاد طوال سنوات.

أما إذا انتهت المواجهة إلى تسويات تؤجل الملفات، وتستثني مراكز القوة الحقيقية، وتعيد إنتاج التوازنات نفسها، فإن الحكومة ستكون قد نجحت في إدارة الأزمة لا في حلها.

والأرجح أن الصراع لن يُحسم بضربة واحدة.

إيران لا تبدو راغبة في دفع العراق إلى حرب داخلية، والولايات المتحدة لا تبدو راغبة في تفجير مواجهة شاملة، والقوى السياسية العراقية تخشى أن يؤدي الصدام إلى انهيار التوازن الذي تستند إليه مصالحها.

لكن ذلك لا يعني أن الجميع متفقون على مستقبل الدولة.

المعركة الحقيقية هي حول حدود الدولة ومن يمتلك القرار النهائي داخلها.

فالزيدي يحاول تحويل الدولة من مساحة تتقاسمها القوى السياسية والفصائل إلى مركز للقرار. وإيران تريد الحفاظ على نفوذها دون دفع العراق إلى الانفجار. والولايات المتحدة تريد دولة قادرة على ضبط السلاح ومنع تحول الأراضي العراقية إلى منصة لتهديد مصالحها. أما القوى السياسية فتريد الحفاظ على نفوذها دون تحمل كلفة مواجهة مفتوحة.

وبين هذه الحسابات جميعًا يقف العراق أمام سؤال لم يُحسم منذ 2003:

هل يستطيع أن يصبح دولة تمتلك السلاح والقرار والمال، أم سيظل نظامًا سياسيًا تتعايش داخله الدولة الرسمية مع مراكز قوة موازية؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل حكومة علي الزيدي وحدها، بل قد تحدد شكل النظام السياسي العراقي خلال السنوات المقبلة.