اليمن بين التصعيد الإقليمي وصراع النفوذ: هل يعود باب المندب إلى قلب الحرب؟

تقدير موقف - Foresight

يشهد الصراع في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، تتزامن مع اتساع نطاق المواجهة الإقليمية بين إيران وخصومها، بما يعيد اليمن إلى موقع متقدم في معادلات الأمن الإقليمي. ولم يعد التصعيد الحالي مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية الممتدة منذ أكثر من عقد، بل بات يتقاطع بصورة متزايدة مع حسابات أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وممرات الطاقة، وتوازنات القوى بين السعودية وإيران.

وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة مع انتقال العمليات العسكرية إلى مناطق الساحل الغربي واقترابها من مضيق باب المندب، الذي يمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في منظومة الملاحة الدولية. وفي حال استمر هذا الاتجاه، فإن الصراع اليمني قد ينتقل مرة أخرى من كونه حرباً داخلية ذات أبعاد إقليمية إلى أزمة ذات تداعيات مباشرة على الأمن البحري والتجارة الدولية.

غير أن قراءة التصعيد الراهن باعتباره مواجهة ثنائية بين الحوثيين والحكومة اليمنية ستكون غير كافية لفهم تعقيد المشهد. فالحرب في اليمن تحولت خلال السنوات الماضية إلى شبكة متداخلة من الصراعات المحلية والإقليمية، تتنافس فيها قوى سياسية وعسكرية متعددة، تختلف أحياناً في أهدافها حتى وإن اجتمعت مؤقتاً في مواجهة الحوثيين.

تصعيد جديد يعيد رسم موازين الحرب

تأتي التطورات الأخيرة في سياق هش أعقب الهدوء النسبي الذي رافق الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022. ورغم أن الهدنة لم تُنهِ الحرب بصورة نهائية، فإنها أسهمت في خفض مستوى العمليات العسكرية المباشرة مقارنة بالسنوات السابقة.

إلا أن عودة التصعيد، بالتزامن مع تحركات حوثية باتجاه الساحل الغربي ومناطق قريبة من باب المندب، تعني أن التوازن الذي نشأ خلال فترة الهدوء أصبح عرضة للاهتزاز.

وتشير التطورات الواردة في التقرير إلى سيطرة الحوثيين على مدينة المخا الاستراتيجية، ومواصلة الضغط باتجاه مناطق قريبة من باب المندب، بالتزامن مع مواجهات تخوضها القوات الحكومية المدعومة من السعودية لاستعادة مواقع فقدتها خلال الأيام الأخيرة.

وتكتسب المخا أهمية خاصة بسبب موقعها على الساحل الغربي، إذ إن السيطرة على هذه المنطقة لا تمنح الطرف المسيطر مجرد مكسب ميداني، وإنما توفر له موقعاً أكثر أهمية في معادلة الساحل والبحر الأحمر.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى قدرة الحوثيين على التقدم عسكرياً، وإنما بما إذا كان هذا التقدم يمكن أن يتحول إلى تغيير مستدام في ميزان القوى على الساحل الغربي.

الحوثيون: من قوة داخلية إلى لاعب إقليمي

أصبح الحوثيون، المعروفون رسمياً باسم جماعة أنصار الله، القوة الأكثر نفوذاً في شمال اليمن، حيث يسيطرون على صنعاء ومساحات واسعة تضم الجزء الأكبر من السكان.

وقد أدى استمرار الحرب إلى تطوير قدراتهم العسكرية، ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة. كما استخدمت الجماعة هذه القدرات في مهاجمة أهداف داخل السعودية والإمارات، إضافة إلى استهداف سفن في البحر الأحمر.

وتتهم السعودية والولايات المتحدة ودول أخرى إيران بتقديم دعم عسكري وتقني للحوثيين، بينما تنفي طهران والجماعة وجود علاقة تبعية مباشرة.

وبغض النظر عن طبيعة العلاقة الدقيقة بين الطرفين، فإن التطور الأهم يتمثل في أن الحوثيين أصبحوا قادرين على توظيف موقع اليمن الجغرافي وقدراتهم العسكرية في التأثير على البيئة الأمنية خارج الحدود اليمنية.

وهذا التحول يفسر جانباً من القلق السعودي والإقليمي من تطورات الحرب. فالقوة الحوثية لم تعد مرتبطة فقط بالسيطرة على صنعاء أو المناطق الشمالية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرتها على تهديد البنية التحتية والمصالح الحيوية في المنطقة، والتأثير في أمن الملاحة في البحر الأحمر.

السعودية: بين حماية الأمن الحدودي ومنع تحول اليمن إلى منصة إيرانية

تمثل السعودية أحد الأطراف الأكثر ارتباطاً بمسار الحرب اليمنية منذ تدخلها العسكري عام 2015.

وكانت الرياض قد اعتبرت سيطرة الحوثيين على صنعاء، وما رافقها من اتهامات بوجود دعم إيراني للجماعة، تطوراً يمس أمنها القومي، ولا سيما في ظل الحدود الطويلة بين البلدين.

وعلى الرغم من انخفاض مستوى المواجهة المباشرة خلال السنوات الأخيرة، فإن استئناف الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة يعيد الملف اليمني إلى دائرة الأولويات الأمنية السعودية.

ووفق المعطيات الواردة في التقرير، أسفرت الهجمات الأخيرة على مدن ومنشآت في جنوب السعودية عن إصابة 73 شخصاً، كما استهدفت منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة.

ويكشف ذلك عن طبيعة المعادلة التي تواجهها الرياض: فهي من جهة تريد منع عودة الحرب واسعة النطاق على حدودها الجنوبية، لكنها من جهة أخرى لا تستطيع تجاهل توسع القدرات العسكرية للحوثيين أو احتمال تحول المناطق الساحلية اليمنية إلى نقاط ضغط على أمن الملاحة والطاقة.

ومن ثم، فإن الموقف السعودي لا يمكن تفسيره فقط باعتباره دعماً للحكومة اليمنية، بل باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لحماية الأمن الحدودي ومنع خصم إقليمي محتمل من امتلاك أوراق ضغط إضافية في محيطها الجغرافي.

الإمارات: نفوذ غير مباشر وشبكة من القوى المحلية

يختلف الدور الإماراتي عن الدور السعودي من حيث طبيعة الوجود والأدوات المستخدمة.

فالإمارات شاركت في التحالف العسكري الذي قادته السعودية في بداية الحرب، ثم سحبت قواتها تدريجياً، لكنها حافظت على نفوذها من خلال دعم قوى محلية يمنية، من أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة الوطنية.

ويعكس هذا النهج تحولاً في طبيعة التدخل الإقليمي في اليمن من الوجود العسكري المباشر إلى بناء شبكات من الشركاء المحليين.

لكن هذا الأمر يضيف طبقة أخرى إلى تعقيدات الصراع.

فالقوى المدعومة من السعودية والإمارات لا تتطابق بالضرورة في رؤيتها لمستقبل اليمن. وبينما تركز الحكومة المعترف بها دولياً على الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية، يطالب المجلس الانتقالي الجنوبي بحكم ذاتي أو بإعادة دولة الجنوب السابقة.

وبذلك، فإن المعسكر المناهض للحوثيين ليس كتلة سياسية وعسكرية متجانسة، وإنما يضم قوى يمكن أن تتعاون في مواجهة خصم مشترك، لكنها تختلف حول شكل الدولة اليمنية ومستقبلها السياسي.

باب المندب: عندما تتحول الجغرافيا إلى ورقة استراتيجية

ربما يمثل باب المندب أهم عنصر في التطورات الأخيرة.

فاليمن يتمتع بموقع جغرافي استثنائي على البحر الأحمر وخليج عدن، ويشرف على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

وهذه الجغرافيا تجعل أي تحول عسكري كبير على الساحل الغربي ذا أبعاد تتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية.

فالمضيق يمثل ممراً مهماً لحركة التجارة العالمية ونقل السلع والطاقة، وبالتالي فإن أي تهديد مستدام لأمنه يمكن أن يرفع تكلفة النقل البحري ويؤثر في سلاسل الإمداد والأسواق الدولية.

ومن هذه الزاوية، فإن اقتراب العمليات العسكرية من باب المندب لا يعني بالضرورة أن الحرب ستتحول تلقائياً إلى أزمة دولية، لكنه يرفع مستوى المخاطر ويجعل الأطراف الدولية أكثر اهتماماً بمآلات الصراع.

كما أن السيطرة على مناطق ساحلية استراتيجية تمنح أي طرف قدرة أكبر على توظيف الجغرافيا في المفاوضات السياسية والعسكرية.

ولهذا، فإن الساحل الغربي قد يصبح خلال المرحلة المقبلة واحداً من أهم ميادين اختبار النفوذ في اليمن.

حرب متعددة المستويات

تكشف التطورات الحالية عن أن الحرب اليمنية لم تعد قابلة للاختزال في ثنائية «الحوثيين مقابل الحكومة».

إلى جانب الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً، يوجد المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، وحزب الإصلاح، إلى جانب تشكيلات محلية أخرى ذات مصالح وأجندات مختلفة.

وتتداخل هذه القوى ضمن ثلاث دوائر رئيسية.

الدائرة الأولى هي الصراع الداخلي على السلطة وشكل الدولة.

والثانية هي التنافس الإقليمي بين السعودية وإيران.

أما الثالثة فهي الصراع على المواقع الجغرافية ذات القيمة الاستراتيجية، خصوصاً الموانئ والسواحل وممرات التجارة والطاقة.

هذه الدوائر الثلاث لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتقاطع باستمرار. ولذلك فإن أي تغير في ميزان القوى على الأرض يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة التي وقع فيها.

هل يمكن أن تتحول المواجهة إلى حرب شاملة؟

يبقى السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان التصعيد الحالي يمثل جولة محدودة من المواجهات أم بداية عودة الحرب اليمنية إلى مستوياتها السابقة.

هناك عدة عوامل تجعل احتمال التصعيد الواسع قائماً.

أولها، اتساع العمليات الحوثية ضد أهداف في السعودية.

وثانيها، التحركات العسكرية على الساحل الغربي.

وثالثها، احتمال ارتباط التصعيد اليمني بالتوتر الإقليمي الأوسع بين إيران وخصومها.

ورابعها، هشاشة التفاهمات التي نشأت منذ هدنة 2022 وعدم تحولها إلى تسوية سياسية نهائية.

لكن في المقابل، لا يعني التصعيد بالضرورة أن جميع الأطراف ترغب في العودة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.

فالكلفة الإنسانية والاقتصادية والسياسية للحرب السابقة كانت مرتفعة بالنسبة إلى مختلف الأطراف، كما أن القوى الإقليمية لديها مصالح في منع خروج الصراع عن نطاق يمكن التحكم فيه.

ومن هنا، قد يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التصعيد المحسوب، أي استخدام القوة لتحسين المواقع التفاوضية والعسكرية دون الوصول فوراً إلى حرب شاملة.

المخاطر الأكبر قد تكون خارج ساحات القتال

إذا استمر القتال بالقرب من باب المندب، فإن تداعيات الأزمة قد لا تقتصر على اليمن.

فالخطر الأكثر حساسية يتمثل في إمكانية انتقال آثار الصراع إلى حركة الملاحة الدولية.

وفي حال تعرضت السفن التجارية أو البنية التحتية البحرية لتهديدات متكررة، فقد تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ إجراءات أمنية إضافية، بما يرفع تكلفة النقل ويؤثر في حركة التجارة.

كما أن أي اضطراب مستمر في أحد الممرات البحرية الرئيسية يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، حتى إذا لم يتوقف المرور البحري بصورة كاملة.

ولهذا، فإن أهمية باب المندب لا تكمن فقط في قيمته العسكرية، وإنما في كونه نقطة اتصال بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

المأزق السياسي: من يملك مشروع الدولة؟

تكشف الأزمة اليمنية أيضاً عن مشكلة تتجاوز المعارك العسكرية.

فحتى إذا نجحت الحكومة والقوى المتحالفة معها في وقف التقدم الحوثي، فإن ذلك لا يحل تلقائياً الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

وفي المقابل، فإن أي تقدم حوثي لا يعني بالضرورة قدرة الجماعة على بناء توافق سياسي شامل حول مستقبل اليمن.

وبالتالي، فإن المعضلة الأساسية لا تتمثل فقط في السيطرة على الأرض، وإنما في غياب اتفاق واسع حول شكل الدولة وتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم والقوى المحلية.

ومن دون معالجة هذه القضية، ستظل الانتصارات العسكرية مؤقتة وقابلة لإعادة إنتاج الصراع.

بين الحل العسكري والتسوية السياسية

تكشف التطورات الأخيرة حدود المقاربة العسكرية للصراع اليمني.

فالقوة قد تغير خطوط السيطرة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الانقسامات السياسية والجغرافية التي غذت الحرب.

وفي الوقت نفسه، فإن أي تسوية سياسية مستدامة تحتاج إلى التعامل مع واقع القوة على الأرض، وليس تجاهله.

وهذا يعني أن التسوية المحتملة لن تكون مجرد اتفاق بين الحكومة والحوثيين، وإنما ستحتاج، بدرجات مختلفة، إلى معالجة مصالح القوى الجنوبية والمحلية، فضلاً عن الحسابات الأمنية للسعودية والإمارات والدور الإيراني.

وبعبارة أخرى، فإن إنهاء الحرب يتطلب الانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة بناء التوازن السياسي الذي يسمح لجميع الأطراف بقبول تسوية طويلة الأمد.

الخلاصة: باب المندب مرآة للصراع اليمني

يبدو التصعيد الحالي في اليمن أكثر من مجرد عودة للمواجهات العسكرية. فهو يكشف استمرار هشاشة الوضع الذي نشأ بعد هدنة 2022، ويعيد إبراز الدور المركزي للموقع الجغرافي لليمن في الحسابات الإقليمية والدولية.

ويمثل تقدم الحوثيين باتجاه الساحل الغربي، إذا استمر، تطوراً ذا أهمية خاصة لأنه يربط بين الصراع الداخلي ومخاطر الأمن البحري.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال اتساع العمليات العسكرية، وإنما في استمرار الحرب باعتبارها صراعاً متعدد الأطراف والمستويات من دون إطار سياسي قادر على استيعاب مصالح القوى المتنافسة.

وفي هذا السياق، قد يكون باب المندب أكثر من مجرد جبهة عسكرية جديدة. فهو نقطة تتقاطع عندها الجغرافيا والسياسة والأمن والاقتصاد، ولذلك فإن أي تصعيد طويل الأمد حوله يمكن أن يجعل الأزمة اليمنية جزءاً أكثر وضوحاً من منظومة الصراعات الإقليمية.

ويبقى مستقبل التصعيد مرتبطاً بقدرة الأطراف على منع التحول من صراع قابل للاحتواء إلى مواجهة مفتوحة. فإذا نجحت القوى الإقليمية والمحلية في إبقاء المواجهة ضمن حدود محسوبة، فقد تظل التطورات الحالية ورقة ضغط لتحسين المواقع التفاوضية. أما إذا اتسعت العمليات لتشمل بصورة مستمرة الأراضي السعودية والممرات البحرية، فقد يصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة، وتتحول الحرب اليمنية مرة أخرى إلى مصدر مباشر لاضطراب إقليمي ودولي واسع.

وفي الحالتين، فإن مستقبل اليمن لن يتحدد فقط بمن يسيطر على مدينة أو جبهة، بل بمن يستطيع تحويل السيطرة العسكرية إلى نفوذ سياسي قابل للاستمرار، وبمدى قدرة الأطراف على صياغة تسوية تعالج جذور الصراع بدلاً من إعادة توزيع خطوطه على الخريطة.