مبررات الانسحاب الأمريكي المُدار من حلف الناتو
خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، أضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتهامًا جديدًا إلى قائمة انتقاداته للحلفاء الأوروبيين. فمنذ سنوات، دأب ترامب على توجيه اللوم إلى شركاء الولايات المتحدة في الناتو بسبب انخفاض إنفاقهم الدفاعي، مطالبًا إياهم بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع المشترك.
ولم يكن هذا الانتقاد جديدًا؛ فمنذ تأسيس الحلف عام 1949، عانى الناتو، شأنه شأن كثير من التحالفات الأمنية، من مشكلة ما يُعرف بـ«الراكب المجاني»، حيث تستفيد بعض الدول من المظلة الأمنية التي يوفرها الحليف الأقوى دون أن تتحمل نصيبًا متناسبًا من تكلفتها.
وحتى خلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفيتي يمثل تهديدًا أكبر لأوروبا الغربية منه للولايات المتحدة، بحكم الموقع الجغرافي الذي يمنح الأخيرة قدرًا كبيرًا من الأمن الطبيعي. ومع ذلك، اختارت واشنطن، بصفتها قائدة الحلف، أن توفر الحماية العسكرية لأوروبا الغربية كي تتمكن من التعافي من الدمار الاقتصادي والمادي الذي خلفته الحرب العالمية الثانية.
غير أن ظاهرة الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمنية الأمريكية استمرت حتى بعد أن أصبحت الدول الأوروبية من أغنى اقتصادات العالم. فقد نجح الرئيس باراك أوباما في دفع أعضاء الحلف إلى التعهد بإنفاق ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، ثم نجح ترامب لاحقًا في رفع سقف هذا الالتزام إلى 5%.
لكن يبقى السؤال التقليدي داخل الحلف: هل ستلتزم جميع الدول بهذه التعهدات وتحافظ عليها على المدى الطويل؟ واليوم، يبدو أن ترامب قد نقل انتقاداته إلى مستوى جديد.
فخلال وجوده في تركيا، قال منتقدًا الحلفاء الأوروبيين: «نحن نساعدهم، لكنني لست متأكدًا أنهم سيفعلون الشيء نفسه من أجلنا». وكان يقصد امتناع معظم الدول الأوروبية عن المشاركة في الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي الأخير على إيران.
ومن باب الإنصاف، فإن ترامب نفسه لم يُبلغ حلفاءه الأوروبيين مسبقًا بعزمه مهاجمة إيران، ولم يتشاور معهم بشأن جدوى هذه الخطوة، وهو أمر ربما جاء على حساب المصالح الأمريكية نفسها.
وعلى نحو أوسع، فإن معاهدة الناتو هي في الأصل معاهدة دفاعية، صُممت لحماية أراضي الدول الأعضاء، وليس لتوفير غطاء لعمليات هجومية ضد دول غير أوروبية لا تشكل تهديدًا مباشرًا للحلف. ومع ذلك، فإن ترامب يثير نقطة تستحق النقاش، وهي أن الدول الأوروبية الغنية لا تتحمل نصيبًا كافيًا من مسؤولية الدفاع عن أراضي الحلف مقارنة بالموازنة الدفاعية الأمريكية التي تقترب من تريليون دولار سنويًا.
غير أن مجرد ممارسة الضغوط السياسية على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي قد لا يحقق النتيجة المرجوة، سواء أوفوا بتعهداتهم أم لم يفعلوا.
فالولايات المتحدة، ما دامت توفر المظلة النووية والتقليدية التي تحمي حلفاءها الأوروبيين، فإنها تزيل عنهم الحافز الحقيقي للاستثمار بصورة أكبر في دفاعاتهم الذاتية. بل إن الأوروبيين، على مدى عقود، استفادوا من الموارد التي وفروها نتيجة الاعتماد على الحماية الأمريكية، ووجهوها إلى تطوير شركاتهم واقتصاداتهم، التي أصبحت تنافس الشركات الأمريكية في الأسواق العالمية.
وفوق ذلك، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستخفض ميزانيتها العسكرية الضخمة. بل إن ترامب اقترح، على نحو لافت، زيادة الإنفاق الدفاعي الأمريكي بأكثر من 50%.
وفي ضوء هذه المعطيات، قد تبدو ضغوط ترامب على الحلفاء وكأنها محاولة للحد من استغلالهم للولايات المتحدة، لكنها لا تعالج المشكلة الحقيقية التي تواجه واشنطن، والمتمثلة في العجز المالي المتفاقم والدين العام المتصاعد.
وثمة بديل أكثر جدوى يتمثل في أن يعلن ترامب انسحابًا أمريكيًا تدريجيًا من حلف الناتو على مدى عامين.
فالاتحاد الأوروبي يمتلك اليوم اقتصادًا يزيد حجمه بنحو ثمانية أضعاف ونصف حجم اقتصاد خصمه الرئيسي، روسيا، التي استنزفتها الحرب الطويلة والمكلفة في أوكرانيا، والتي أثبتت قدرة أكبر على الصمود مما كان متوقعًا.
ولذلك، قد لا يكون هناك وقت أفضل من الآن لإنهاء اعتماد أوروبا على تحالف صُمم في ظروف الحرب الباردة.
فالأوروبيون يمتلكون الإمكانات الاقتصادية اللازمة للدفاع عن أنفسهم. وحتى في الوقت الراهن، فإنهم ينفقون مجتمعين مبالغ كبيرة على الدفاع، إلا أن غياب التنسيق بين دولهم يؤدي إلى ازدواجية في بعض القدرات العسكرية، وإلى فجوات في قدرات أخرى.
غير أن تحقيق الفوائد المترتبة على تسليم مسؤولية الدفاع الأوروبي إلى الأوروبيين يتطلب من إدارة ترامب مواجهة شبكة معقدة من المصالح داخل الولايات المتحدة نفسها، وعلى رأسها ما يمكن تسميته بـ«المجمع العسكري–الصناعي–الكونغرسي–الإعلامي».
فهذا التحالف المؤسسي سيعارض بشدة توجيه الوفورات المالية الناتجة عن تقليص الالتزامات الخارجية نحو خفض العجز المالي، وسيُفضل بدلًا من ذلك البحث عن خصوم جدد، والاستمرار في شراء منظومات تسليح باهظة الثمن قد تكون أقل ملاءمة في عصر أصبحت فيه الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة تغير طبيعة الحروب الحديثة.
ويبدو أن ترامب أصبح أكثر ميلًا إلى استخدام القوة العسكرية بعد النجاح السريع في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. لكن ربما يكون قد أدرك، في أعقاب إخفاق الهجوم على إيران في تحقيق أهدافه السياسية، أن الحروب لا تسير دائمًا وفق ما يخطط لها صانعوها، وأنها تحمل تكاليف باهظة في الأموال والأرواح والمكانة الدولية.
وإذا قاد هذا الإدراك إلى قدر أكبر من الحذر في اللجوء إلى القوة العسكرية مستقبلًا، فقد تتمكن الولايات المتحدة أخيرًا من تحقيق وفورات حقيقية في إنفاقها الدفاعي، وإعادة توجيه مواردها نحو أولوياتها الداخلية بدلًا من الاستمرار في تحمل أعباء أمنية تستطيع حلفاؤها الأغنياء تحملها بأنفسهم.
