بث تجريبي

الصين وباكستان على خط الوساطة... هل تفتح المصالح الاقتصادية باباً لإنهاء الحرب؟

تقدير موقف - Foresight

بعد ما يقرب من خمسة أشهر من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو التحركات الصينية–الباكستانية الأخيرة محاولة لإعادة فتح نافذة دبلوماسية أغلقتها جولات القتال وفشل التفاهمات السابقة. غير أن أهمية هذا التحرك لا تكمن فقط في احتمالات نجاح وساطة جديدة، بل في أن الحرب بدأت تمس بصورة مباشرة مصالح قوى لم تعد قادرة على الاكتفاء بمراقبة الصراع من بعيد، وفي مقدمتها الصين.

المحادثات الاستكشافية التي جرت في إسلام آباد خلال زيارة وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، ولقاءاته مع مسؤولين باكستانيين وقائد الجيش عاصم منير، بالتوازي مع مشاورات وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في بكين، تشير إلى أن هناك محاولة لإعادة بناء قناة تفاوضية بين واشنطن وطهران. لكن هذه المحاولة تبدأ من نقطة أكثر تعقيداً من الوساطات السابقة، لأن الحرب غيّرت حسابات الأطراف ووسعت نطاق المصالح المتضررة منها.

الصين تدخل من بوابة المصالح

قد تبدو باكستان في واجهة التحرك الدبلوماسي، لكن الصين هي الطرف الأكثر ثقلاً خلفه. فبكين ليست مجرد قوة دولية راغبة في الاستقرار، وإنما صاحبة مصالح مباشرة أصبحت مهددة بفعل استمرار الحرب واتساع نطاقها.

الصين هي أكبر شريك تجاري لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها الخام، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية واسعة مع دول الخليج. لذلك فإن استمرار الحرب يضعها أمام معادلة صعبة: فهي لا تريد انهيار إيران أو إضعافها إلى درجة تغير التوازنات الإقليمية بصورة لا تخدم مصالحها، لكنها أيضاً لا تستطيع قبول سياسات إيرانية تهدد تدفقات الطاقة والتجارة التي يعتمد عليها اقتصادها.

وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز. فحين تتحول السيطرة على المضيق أو تعطيل الملاحة فيه إلى أداة حرب، تصبح الأزمة بالنسبة إلى بكين أكبر من مجرد مواجهة أمريكية–إيرانية. إنها تمس أمن الطاقة الصيني وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

ويزداد الأمر تعقيداً إذا امتدت الاضطرابات إلى البحر الأحمر وباب المندب، لأن الصين عندها ستكون أمام تهديد متزامن لمسارين استراتيجيين تعتمد عليهما تجارتها: طريق الطاقة عبر الخليج، وطريق التجارة البحرية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

من هنا، فإن دعم بكين للوساطة لا ينبغي قراءته باعتباره موقفاً دبلوماسياً محايداً فحسب، بل باعتباره دفاعاً عن مصالح اقتصادية واستراتيجية باتت الحرب تهددها بصورة مباشرة.

لماذا باكستان؟

تمتلك باكستان مجموعة من الخصائص تجعلها وسيطاً محتملاً، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة قدرتها على فرض تسوية.

فهي تحتفظ بعلاقات مع إيران، ولديها في الوقت نفسه قنوات اتصال مع الولايات المتحدة، كما ترتبط بعلاقة استراتيجية وثيقة مع الصين، وتملك علاقات مهمة مع دول الخليج. وهذا الموقع يمنحها قدرة على التواصل مع أطراف يصعب جمعها مباشرة حول طاولة واحدة.

لكن مصدر قوة إسلام آباد هو أيضاً مصدر هشاشتها. فهي لا تتحرك بوصفها قوة مستقلة تماماً عن حسابات الأطراف الكبرى، بل داخل شبكة معقدة من الاعتماد الاقتصادي والعلاقات الأمنية والمصالح الإقليمية. كما أن قدرتها على الوساطة تتوقف في النهاية على استعداد واشنطن وطهران نفسيهما لتقديم تنازلات.

لذلك، قد تكون القيمة الحقيقية للدور الباكستاني أقل في صياغة اتفاق نهائي، وأكثر في توفير قناة اتصال تسمح باختبار النيات، ونقل الرسائل، وبناء تفاهمات أولية يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مفاوضات أكثر جدية.

وهذا الدور سبق أن ظهر في الوساطة التي شاركت فيها باكستان وقطر، وأفضت في يونيو الماضي إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى توفير مهلة مدتها ستين يوماً للتفاوض على تسوية دائمة. لكن انهيار ذلك المسار وتجدد القتال يوضحان أن إنشاء قناة تفاوض ليس هو المشكلة الأصعب؛ المشكلة الحقيقية هي بناء اتفاق قادر على الصمود أمام انعدام الثقة وتعارض الأهداف الاستراتيجية للطرفين.

معضلة التفاوض تحت النار

العقبة الأساسية أمام أي وساطة جديدة هي أن الطرفين قد لا يكونان قد وصلا بعد إلى اللحظة التي تصبح فيها التسوية أقل تكلفة من استمرار الحرب.

فالولايات المتحدة لا تزال تستخدم القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية باعتبارهما أداتين لتحسين شروطها التفاوضية وإضعاف قدرة إيران على مواصلة المواجهة. والعقوبات الجديدة على شبكات مرتبطة بالممول الإيراني باباك زنجاني تشير إلى أن واشنطن لا تفصل المسار الاقتصادي عن العسكري والدبلوماسي، بل تستخدمها جميعاً ضمن استراتيجية ضغط متكاملة.

في المقابل، تحتاج إيران إلى إثبات أن استمرار الضغط عليها ستكون له تكلفة تتجاوز حدودها، سواء من خلال تهديد أمن الطاقة، أو التأثير في الملاحة، أو توسيع نطاق الاضطراب الإقليمي.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: الأدوات التي تستخدمها طهران لتحسين موقعها التفاوضي قد تؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف التعاطف معها ودفع شركائها، وفي مقدمتهم الصين، إلى ممارسة ضغوط عليها.

فإذا كان تعطيل مضيق هرمز أو تهديد دول الخليج يهدف إلى رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، فإنه يرفع كذلك التكلفة على الصين والهند وغيرها من الاقتصادات المستوردة للطاقة. وبذلك قد تتحول إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية إلى عامل يدفع حتى الدول غير المنخرطة عسكرياً في الحرب إلى المطالبة بكبح السلوك الإيراني.

الصين بين إيران والولايات المتحدة

تزداد حساسية الدور الصيني مع تحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبكين وموسكو من تقديم أسلحة إلى إيران.

هذا التحذير يكشف خطاً أحمر مهماً في الحسابات الأمريكية. فواشنطن قد تتقبل استمرار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الصين وإيران ضمن حدود معينة، لكنها تنظر بصورة مختلفة إلى أي انتقال محتمل نحو دعم عسكري يمكن أن يغير ميزان الحرب أو يطيل أمدها.

ومن مصلحة بكين، في المقابل، تجنب التحول من وسيط محتمل إلى طرف مباشر في المواجهة. فالدخول في دعم عسكري معلن لإيران يمكن أن يحول الحرب إلى ساحة إضافية للصراع الاستراتيجي الأمريكي–الصيني، ويعرّض المصالح الصينية في الخليج لضغوط كبيرة.

لهذا تبدو الدبلوماسية بالنسبة إلى الصين أكثر الأدوات فائدة في المرحلة الراهنة. فهي تسمح لها بالحفاظ على علاقتها بطهران، وحماية مصالحها الخليجية، وإظهار نفسها كقوة دولية قادرة على المساهمة في إدارة الأزمات، من دون تحمل تكاليف الانخراط العسكري.

هل تستطيع المصالح الاقتصادية إنهاء ما بدأته الحرب؟

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الصين وباكستان قادرتين على جمع الأمريكيين والإيرانيين مجدداً حول مسار تفاوضي، بل ما إذا كانت الظروف السياسية والعسكرية أصبحت ناضجة لتسوية حقيقية.

هناك فارق كبير بين وقف إطلاق النار وتسوية أسباب الصراع. فقد تنجح الوساطة في إنتاج هدنة إذا شعر الطرفان بالحاجة إلى إعادة ترتيب أوضاعهما، لكن الاتفاق الدائم يتطلب معالجة ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بالأمن الإقليمي، والعقوبات، والقدرات العسكرية، ومستقبل العلاقات الإيرانية مع محيطها.

كما أن العقوبات الأمريكية والأوروبية الجديدة تكشف أن الأزمة لم تعد عسكرية فقط. فإلى جانب الحرب، هناك ضغوط مالية وحقوقية وسياسية متراكمة تجعل أي تسوية أكثر تعقيداً، لأن رفع مستوى التصعيد أسهل كثيراً من تفكيك منظومة العقوبات والخصومات التي تراكمت حوله.

ومع ذلك، فإن الوساطة الحالية تحمل عنصراً جديداً قد يمنحها وزناً مختلفاً: المصالح الاقتصادية للقوى الكبرى بدأت تتحول من عامل خارجي إلى قوة ضغط داخل معادلة الحرب نفسها.

فالصين تحتاج إلى استقرار تدفقات الطاقة والممرات التجارية. ودول الخليج تحتاج إلى منع تحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحات ممتدة للصراع. والاقتصاد العالمي لا يستطيع تحمل اضطراب طويل الأمد في هرمز والبحر الأحمر. وحتى الولايات المتحدة، مهما بلغت قدرتها العسكرية، تحتاج في النهاية إلى صيغة سياسية تحول الإنجازات الميدانية إلى ترتيب قابل للاستمرار.

لهذا قد تكون بكين وإسلام آباد أمام فرصة، لكنها ليست فرصة لصناعة السلام من الصفر بقدر ما هي محاولة لاستثمار لحظة بدأ فيها استمرار الحرب يفرض تكاليف متزايدة حتى على الأطراف التي لا تقاتل فيها مباشرة.

نجاح الوساطة سيظل مرهوناً بوجود قرار سياسي في واشنطن وطهران بأن ما يمكن الحصول عليه عبر التفاوض أصبح أكثر قيمة مما يمكن تحقيقه بمواصلة الحرب. أما إذا ظل كل طرف يعتقد أن الجولة المقبلة ستمنحه شروطاً أفضل، فستبقى الوساطات مجرد محطات قصيرة بين جولتين من القتال.

في النهاية، قد تكون المفارقة أن الطريق إلى وقف الحرب لن يُفتح فقط بفعل الخسائر العسكرية أو الضغوط السياسية، بل أيضاً بفعل ناقلات النفط وسلاسل الإمداد وطرق التجارة. فعندما تصبح هرمز والبحر الأحمر جزءاً من فاتورة الصراع، لا تعود الحرب شأناً أمريكياً–إيرانياً وحده، بل تتحول إلى أزمة دولية تدفع القوى المتضررة، وفي مقدمتها الصين، من موقع المراقب إلى موقع الباحث عن تسوية.