مستقبل حلف الناتو والمسار إلى الأمام: حربي أوكرانيا وإيران وتذبذب سياسات ترامب
ضابط مشاة متقاعد في الجيش الهندي، يمتلك خبرة ميدانية واسعة في عمليات مكافحة التمرد داخل الهند وسريلانكا، ويكتب بانتظام في المجلات العسكرية المتخصصة، كما يُعرف باهتمامه بشؤون الأمن والدفاع وتسلق الجبال.
شكّلت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي عُقدت في أنقرة في يوليو/تموز 2026، محطةً مفصلية جديدة في مسيرة تطور الحلف. فقد انعقدت في ظل ظروف دولية شديدة التعقيد، حيث تدخل الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، فيما تواصل موسكو اختبار تماسك الحلف وإرادته السياسية، بينما تبدو السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق، حملت القمة رسالتين متوازيتين؛ الأولى طمأنة للحلفاء عبر تجديد الالتزام الجماعي بدعم أوكرانيا، والثانية تحذير من أن البيئة الأمنية الأوروبية دخلت مرحلة جديدة تفرض استعدادًا طويل الأمد لمواجهة روسيا، بدلًا من التعويل على تسوية سياسية قريبة.
وقد أعادت القمة التأكيد على التزام الحلف بمساندة كييف، معلنةً إطلاق مبادرات غير مسبوقة لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، مع التعهد بتقديم مساعدات عسكرية سنوية لا تقل عن 70 مليار يورو، إلى جانب تسريع خطط رفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء ليصل تدريجيًا إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
لكن الأهمية الحقيقية للقمة لم تكمن في حجم التعهدات المالية وحدها، بل في انتقال الناتو من مرحلة إصدار البيانات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي. فالحلف بات يتصرف انطلاقًا من فرضية أن المواجهة مع روسيا ستكون طويلة وممتدة، وأن الردع المستدام، وليس التسوية السريعة، هو الإطار الذي سيحكم البيئة الأمنية الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
ورغم الخطاب المتفائل الذي ساد اجتماعات القمة بشأن وحدة الحلف وتماسكه، فإن المشهد الاستراتيجي يبدو أكثر تعقيدًا مما تعكسه التصريحات الرسمية. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب واصل انتقاداته الحادة للحلفاء الأوروبيين، مجددًا مطالبته لهم بتحمل نصيب أكبر من الأعباء الدفاعية، كما حافظ على مواقفه الضبابية بشأن مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا، في الوقت الذي منح فيه الأولوية للاعتبارات السياسية الداخلية على حساب الالتزامات الخارجية التقليدية.
وقد أدى هذا النهج إلى تنامي الشكوك بشأن مدى استمرارية القيادة الأمريكية للتحالف الغربي على المدى الطويل. فبينما يبدو الناتو اليوم أكثر قوة من الناحية المؤسسية والتنظيمية، فإن مستقبله بات يعتمد بدرجة متزايدة على قدرة أوروبا على التحول من مجرد مستهلك للمظلة الأمنية الأمريكية إلى شريك قادر على إنتاج أمنه الاستراتيجي بنفسه.
السياق الاستراتيجي
أحدثت الحرب الأوكرانية تحولًا جذريًا في الحسابات الأمنية الأوروبية. فعلى الرغم من أن الاقتصاد الروسي تعرض لضغوط كبيرة نتيجة العقوبات الغربية، وتكبد الجيش الروسي خسائر بشرية ومادية واسعة، كما نجحت أوكرانيا في تنفيذ ضربات استهدفت بنى تحتية استراتيجية داخل العمق الروسي، فإن موسكو ما زالت تُظهر قدرة ملحوظة على الصمود العسكري والإرادة السياسية لمواصلة الحرب.
ومن ثم، لم يعد التحدي الرئيس بالنسبة إلى الناتو يتمثل في مساعدة أوكرانيا على الصمود فحسب، بل في منع روسيا من تحويل استخدام القوة العسكرية إلى نموذج ناجح لفرض مراجعات جيوسياسية بالقوة.
فأي انطباع بأن موسكو قادرة على استنزاف الإرادة السياسية الغربية ستكون له تداعيات تتجاوز القارة الأوروبية، ليصل إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تراقب الصين عن كثب مدى تماسك التحالفات الغربية، وقدرتها على تحمل الحروب الطويلة، واستعدادها للدفاع عن شركائها.
ولهذا السبب، انتقلت استراتيجية الناتو تدريجيًا من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة ردع طويلة الأمد، تقوم على تعزيز الانتشار العسكري المتقدم، وزيادة الطاقة الإنتاجية للصناعات الدفاعية، وتطوير شبكات الدفاع الصاروخي المتكاملة، والاستثمار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة القتالية غير المأهولة، إلى جانب تحديث البنية اللوجستية العسكرية. وقد جسدت قمة أنقرة هذا التحول بصورة واضحة، مؤكدة أن الحلف يعيد هيكلة قدراته استعدادًا لمنافسة استراتيجية ممتدة، لا لمواجهة عسكرية عابرة.
قمة أنقرة... من التعهدات إلى التنفيذ
كان من أبرز مخرجات القمة انتقال الحلف من مرحلة إطلاق الوعود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فقد شدد الأمين العام للناتو، مارك روته، مرارًا على أن قياس الإنفاق الدفاعي لم يعد يقتصر على نسبة ما يُنفق من الناتج المحلي الإجمالي، وإنما أصبح يقاس بقدرة الدول على تحويل هذه الموارد إلى قوة عسكرية قابلة للنشر والقتال.
وفي هذا الإطار، أعلن الحلف إبرام عقود تسليح تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، إلى جانب إطلاق مبادرة Drone Edge لتطوير القدرات الخاصة بالطائرات المسيّرة بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات، فضلًا عن تسريع برامج تطوير منظومات القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واعتماد استثمارات ضخمة في البنية التحتية للوقود العسكري، وإنشاء بنية سحابية عسكرية عابرة للأطلسي.
وتعكس هذه المشاريع إدراكًا متزايدًا بأن الحروب المقبلة لن تُحسم فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانات، وإنما بقدرة الدول على الحفاظ على الإنتاج العسكري المستدام، والتفوق التكنولوجي، وسرعة دمج التقنيات الحديثة في ساحات القتال.
وبالموازاة مع ذلك، جدد الحلف التزامه بتقديم ما لا يقل عن 70 مليار يورو سنويًا لأوكرانيا في صورة مساعدات عسكرية، وتجهيزات قتالية، وبرامج تدريب، ودعم لوجستي. ويعكس هذا الالتزام تحولًا مهمًا في النظرة الغربية إلى أوكرانيا، التي لم تعد تُعامل باعتبارها متلقيًا مؤقتًا للمساعدات، بل باعتبارها خط الدفاع الشرقي الأول للنظام الأمني الأوروبي في مواجهة التوسع الروسي.
لقيادة المتذبذبة لترامب... مصدر قوة أم عامل إرباك؟
هيمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أعمال القمة، رغم أنه لم يطرح أي مبادرات استراتيجية جديدة تُحدث تحولًا جوهريًا في سياسات الحلف. فقد تمثلت مساهمته الأساسية في مواصلة الضغط السياسي على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي وتحمل نصيب أكبر من أعباء الأمن الجماعي.
ومنذ لحظة وصوله إلى أنقرة، وجّه ترامب انتقادات حادة إلى عدد من الحلفاء الأوروبيين، متهمًا بعضهم، وفي مقدمتهم إسبانيا، بعدم تقديم الدعم الكافي للولايات المتحدة خلال عملياتها العسكرية ضد إيران. غير أن الأمين العام للحلف، مارك روته، سارع إلى احتواء هذه التصريحات، موضحًا أن امتناع بعض الدول عن السماح باستخدام قواعدها الجوية خلال الحملة الأمريكية ضد إيران كان حالات استثنائية ومعزولة، مشيرًا إلى أن أكثر من خمسة آلاف طائرة أمريكية أقلعت من قواعد أوروبية في ذروة العمليات، وهو ما يعكس – بحسب تعبيره – أن أوروبا ما زالت تمثل "منصة استراتيجية رئيسية لإسقاط القوة العسكرية الأمريكية".
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في انتقادات ترامب التقليدية للحلفاء الأوروبيين، بل في حالة عدم اليقين التي باتت تميز توجهاته في السياسة الخارجية. فتصريحاته المتكررة بشأن تقليص الدعم العسكري لأوكرانيا، وانتقاداته السابقة لحلف الناتو، وإحياؤه لفكرة السيطرة على غرينلاند، وتبدل مواقفه تجاه إيران، جميعها تعكس سياسة خارجية تحكمها الحسابات السياسية الآنية أكثر مما تحكمها رؤية استراتيجية طويلة المدى.
ومن منظور العواصم الأوروبية، يخلق هذا الواقع مفارقة معقدة؛ فترامب قد يسهم، من جهة، في تعزيز قدرات الحلف من خلال الضغط المالي على الأوروبيين، لكنه، من جهة أخرى، يضعف الثقة في استمرارية القيادة الأمريكية، ويثير تساؤلات حول مدى التزام واشنطن طويل الأمد بأمن القارة الأوروبية.
الصحوة الاستراتيجية الأوروبية
ربما يكون التحول الأهم الذي أفرزته الحرب الأوكرانية هو ما يمكن وصفه بـ"الصحوة الاستراتيجية الأوروبية". فمنذ نهاية الحرب الباردة، ركزت معظم الحكومات الأوروبية على التكامل الاقتصادي، بينما تراجعت تدريجيًا عن الاستثمار في القدرات العسكرية، اعتمادًا على المظلة الأمنية الأمريكية التي بدت، آنذاك، ضمانة دائمة لا تحتاج إلى مراجعة.
لكن الغزو الروسي لأوكرانيا قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. فقد أدركت العواصم الأوروبية أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا، وأن البيئة الأمنية الجديدة تفرض عليها تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة.
وتجسدت هذه المراجعة في سلسلة من التحولات الكبرى؛ بدءًا من التحول التاريخي في السياسة الدفاعية الألمانية، مرورًا بالتوسع العسكري السريع لبولندا، وانضمام كل من فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، وصولًا إلى زيادة إنتاج الذخائر، وتعزيز التعاون الصناعي العسكري بين الدول الأوروبية، والاستثمار المكثف في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.
وقد أظهرت قمة أنقرة أن هذا التحول لم يعد مجرد استجابة ظرفية للحرب، بل أصبح اتجاهًا استراتيجيًا طويل الأمد. ورغم أن بعض الدول الأعضاء ما تزال دون مستويات الإنفاق الدفاعي المستهدفة، فإن الاتجاه العام بات واضحًا؛ إذ لم تعد القدرات الدفاعية تُعامل باعتبارها بوليصة تأمين اختيارية، وإنما أصبحت جزءًا لا يتجزأ من مفهوم السيادة الوطنية.
الثورة الصناعية العسكرية داخل الناتو
كشفت الحرب الأوكرانية حقيقة باتت تشكل محور التفكير العسكري الغربي، وهي أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالتفوق التكتيكي في ميادين القتال، وإنما بقدرة الدول على مواصلة الإنتاج العسكري لفترات طويلة.
فقد أظهرت الحرب حجم النقص الذي تعانيه الدول الغربية في الذخائر المدفعية، والصواريخ الاعتراضية، والطائرات المسيّرة، والذخائر الذكية، ومنظومات الحرب الإلكترونية، في الوقت الذي نجحت فيه روسيا، رغم العقوبات الاقتصادية الواسعة، في الحفاظ على معدلات إنتاج عسكري مرتفعة نسبيًا.
ولهذا السبب، اعتبر كثير من المراقبين أن أهم ما خرجت به قمة أنقرة ليس التعهدات المالية، بل التركيز على بناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على دعم حروب الاستنزاف طويلة الأمد.
فزيادة المشتريات العسكرية، وتوسيع الإنتاج المشترك بين الدول الأعضاء، وتوحيد المعايير الفنية، وتطوير منظومات الإمداد واللوجستيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتعزيز شبكات الوقود العسكرية، جميعها تعكس انتقال الحلف إلى مرحلة جديدة تستند إلى مفهوم "المرونة الصناعية"، باعتباره أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي.
وفي السياق ذاته، تعكس مبادرة Drone Edge إدراكًا متزايدًا بأن الطائرات المسيّرة أصبحت تغير طبيعة الحروب بصورة جذرية. فقد أثبتت التجربة الأوكرانية أن المنصات غير المأهولة منخفضة التكلفة تستطيع تدمير أهداف استراتيجية مرتفعة القيمة، وإعادة تشكيل موازين القوى في ميدان القتال، وتقليل الاعتماد على التشكيلات العسكرية التقليدية.
ومن المرجح، في ضوء هذه التجربة، أن تتجه العقيدة العسكرية الجديدة للناتو نحو دمج المنظومات المأهولة وغير المأهولة في جميع المجالات البرية والبحرية والجوية والفضائية والسيبرانية، بما يعكس التحول المتسارع في طبيعة الصراعات المستقبلية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل المستفيد الأكبر من هذا التحول، وهو المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، الذي يواصل تحقيق أرباح ضخمة نتيجة عقود التسليح التي تبرمها دول الناتو وأوكرانيا مع شركات الدفاع الأمريكية، الأمر الذي يعزز استمرار الهيمنة التكنولوجية والصناعية للولايات المتحدة داخل الحلف، حتى في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الأوروبية لبناء قاعدة دفاعية أكثر استقلالًا.
أوكرانيا... من شريك إلى ركيزة للأمن الأوروبي
شهد موقع أوكرانيا داخل المنظومة الأمنية الأوروبية تحولًا جذريًا منذ اندلاع الحرب عام 2022. ففي البداية، كانت كييف تُعامل باعتبارها دولة تتلقى الدعم العسكري والاقتصادي لمواجهة الغزو الروسي، أما اليوم فقد أصبحت تُنظر إليها باعتبارها إحدى أهم ركائز الأمن الأوروبي.
فبعد سنوات من القتال، بات الجيش الأوكراني يمتلك خبرة عملياتية لا تضاهى داخل أوروبا في مجالات استخدام الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والقيادة اللامركزية، والعمليات السيبرانية، وإدارة الصمود المجتمعي خلال النزاعات طويلة الأمد.
ورغم أن انضمام أوكرانيا رسميًا إلى حلف الناتو ما يزال محل خلاف سياسي بين الدول الأعضاء، فإن عملية دمجها عمليًا داخل المنظومة العسكرية للحلف تتقدم بوتيرة متسارعة، من خلال توحيد العقائد العسكرية، وإجراء التدريبات المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في برامج التسليح والإنتاج الدفاعي.
وبذلك، أصبحت أوكرانيا تؤدي عمليًا دور الركيزة الشرقية للنظام الأمني الأطلسي، حتى وإن لم تحصل بعد على العضوية الكاملة. وكلما طال أمد الحرب، ازداد هذا الاندماج عمقًا، بما يجعل الفصل بين القدرات العسكرية الأوكرانية ومنظومة الردع الأطلسية أمرًا أكثر صعوبة.
التحديات الناشئة أمام الحلف
على الرغم من مظاهر التماسك التي أظهرتها قمة أنقرة، فإن حلف شمال الأطلسي لا يزال يواجه مجموعة من التحديات الاستراتيجية المعقدة التي ستحدد مستقبله خلال السنوات المقبلة.
أول هذه التحديات يتمثل في الحفاظ على التوافق السياسي بين اثنتين وثلاثين دولة ديمقراطية خلال صراع طويل الأمد. فالتغيرات التي تفرضها الدورات الانتخابية، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم أزمات الهجرة، وتصاعد الاستقطاب السياسي الداخلي، جميعها عوامل قد تؤدي تدريجيًا إلى تراجع التأييد الشعبي لزيادة الإنفاق العسكري واستمرار الدعم المكلف لأوكرانيا.
أما التحدي الثاني، فيرتبط بالقدرات الصناعية. فإعادة بناء القاعدة الدفاعية الغربية ليست عملية يمكن إنجازها خلال أشهر، بل تتطلب سنوات من الاستثمار والتخطيط. ولا تزال الصناعات العسكرية الغربية تواجه عقبات تتعلق بنقص العمالة الماهرة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، ومحدودية الطاقة الإنتاجية في عدد من الصناعات الدفاعية الحيوية.
ويتمثل التحدي الثالث في إدارة معادلة الردع والتصعيد مع روسيا. فالحلف يسعى إلى بناء قدرة ردع فعالة تمنع موسكو من توسيع نطاق الحرب، لكنه في الوقت ذاته يحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين روسيا ودول الناتو. وتزداد صعوبة هذه المعادلة مع استمرار تدفق الأسلحة الغربية المتطورة إلى أوكرانيا، واتساع نطاق الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي، الأمر الذي يرفع احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.
أما التحدي الرابع، فيتمثل في تعاظم الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين، والتي باتت تمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة لصناع القرار الغربيين. فالدعم التكنولوجي الصيني، والصادرات ذات الاستخدام المزدوج، والتنسيق السياسي المتزايد بين بكين وموسكو، جميعها تعقد حسابات الردع الغربية، وتدفع الناتو إلى النظر إلى المنافسة الاستراتيجية باعتبارها تحديًا عالميًا يتجاوز حدود القارة الأوروبية.
ويبقى العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الحلف هو استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة الأمريكية. فحتى إذا بقيت الالتزامات المؤسسية للولايات المتحدة داخل الناتو قائمة، فإن الشكوك المتعلقة بمواقف الرئيس الأمريكي نفسه يمكن أن تؤثر في حسابات الخصوم، وتشجعهم على اختبار مدى تماسك التحالف الغربي.
إلى أين يتجه الناتو؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن مستقبل الحلف لن يتحدد بقدرته على إدارة أزمة أوكرانيا فحسب، بل بمدى نجاحه في التكيف مع بيئة دولية تتسم بمنافسة استراتيجية ممتدة بين القوى الكبرى، بدلاً من الأزمات المؤقتة التي ميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وفي هذا السياق، تبرز عدة أولويات رئيسية أمام الحلف.
أولًا، يتعين على أوروبا أن تجعل زيادة الإنفاق الدفاعي سياسة مؤسسية دائمة، لا ترتبط بتغير الإدارات الأمريكية أو بتقلبات السياسة في واشنطن. فالاستقلالية الدفاعية الأوروبية لن تتحقق إلا إذا أصبح الاستثمار العسكري جزءًا من الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد، وليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
ثانيًا، ينبغي للحلف مواصلة دمج أوكرانيا داخل منظومته العسكرية، حتى وإن ظل انضمامها الرسمي مؤجلًا لأسباب سياسية. فالتعاون في مجالات الإنتاج العسكري المشترك، والخدمات اللوجستية، والاستخبارات، ونقل التكنولوجيا، سيؤدي تدريجيًا إلى ترسيخ مكانة أوكرانيا بوصفها جزءًا أساسيًا من البنية الأمنية الأوروبية.
ثالثًا، يحتاج الناتو إلى تعميق التعاون الصناعي بين أعضائه، من خلال توسيع مرافق الإنتاج المشترك، وتوحيد معايير التسليح، وتطوير سلاسل إمداد أكثر مرونة، بما يضمن استمرار تدفق المعدات والذخائر خلال الصراعات الممتدة.
رابعًا، ستظل المحافظة على التفوق التكنولوجي العامل الحاسم في ميزان القوى العسكري. فالذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والأمن السيبراني، والحوسبة الكمية، والتقنيات الفضائية، وشبكات القيادة والسيطرة المتكاملة، ستشكل جميعها العناصر الأساسية للحروب المستقبلية، وربما تتجاوز أهميتها حجم الجيوش التقليدية.
خامسًا، أصبح من الضروري توسيع شبكة الشراكات الأمنية خارج أوروبا. فتعميق التعاون مع أستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات التي تواجه الديمقراطيات الغربية لم تعد إقليمية، بل أصبحت ذات طابع عالمي، في ظل التقارب المتزايد بين روسيا والصين، وتصاعد المنافسة الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأخيرًا، ينبغي أن يمنح الحلف أهمية أكبر للاتصال الاستراتيجي والرأي العام. فاستمرار الدعم الشعبي داخل المجتمعات الديمقراطية يتطلب توضيحًا مستمرًا للأسباب التي تجعل الاستثمار في الردع أقل تكلفة بكثير من مواجهة عدوان ناجح بعد وقوعه.
خاتمة
أظهرت قمة أنقرة أن حلف شمال الأطلسي ما يزال يتمتع بقدر كبير من التماسك السياسي، رغم استمرار التساؤلات حول مستقبل القيادة الأمريكية. فبدلًا من أن تؤدي الضغوط إلى تفكك الحلف، دفعت هذه التحديات أعضاءه إلى تسريع برامج التسلح، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، وتجديد الالتزام بدعم أوكرانيا، وتشجيع أوروبا على تحمل مسؤولية أكبر في أمنها الجماعي.
غير أن الاختبار الحقيقي للناتو لم يبدأ بعد. فنجاح الحلف لن يقاس بما يصدر عن القمم من بيانات سياسية، وإنما بقدرته على الحفاظ على الإرادة السياسية، وتعبئة موارده الصناعية، وتعزيز تفوقه التكنولوجي، والتحلي بالصبر الاستراتيجي في مواجهة صراع طويل الأمد.
لقد تحولت الحرب الأوكرانية إلى حرب استنزاف شاملة، لا تحسمها الانتصارات التكتيكية وحدها، وإنما تحدد نتائجها عوامل أكثر عمقًا، مثل القدرة الاقتصادية، والطاقة الإنتاجية، وتماسك التحالفات، والمرونة المجتمعية. كما أثبتت هذه الحرب أن الدول التي تمتلك قواعد صناعية قوية، وقادرة على دعم عمليات عسكرية ممتدة، ستكون الأقدر على الصمود في صراعات القرن الحادي والعشرين.
ومن المفارقات اللافتة أن النهج المتذبذب للرئيس دونالد ترامب ربما أسهم، بصورة غير مباشرة، في تسريع النضج الاستراتيجي الأوروبي. فقد دفعت مقاربته القائمة على تقاسم الأعباء والضغوط المالية الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في اعتمادها التاريخي على المظلة الأمنية الأمريكية، وإلى تسريع مشاريع التكامل الدفاعي بدرجة لم تنجح الإدارات الأمريكية السابقة، رغم خطابها التعاوني، في تحقيقها.
ومع ذلك، فإن الهيمنة الأمريكية داخل الناتو لم تنتهِ بعد. فما تزال الولايات المتحدة تمثل العمود الفقري لقدرات الحلف العسكرية، والتكنولوجية، والنووية، كما أن الصناعات الدفاعية الأمريكية تظل المستفيد الأكبر من برامج التسلح الأوروبية المتسارعة.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن مستقبل الناتو لن يتحدد فقط وفقًا لتقلبات السياسة الأمريكية، وإنما سيتوقف بدرجة أكبر على ثلاثة عوامل رئيسية: استعداد أوروبا لتحمل مسؤوليات أمنها بصورة أكبر، واستمرار قدرة أوكرانيا على الصمود، ونجاح الحلف في التكيف مع متطلبات المنافسة الاستراتيجية العالمية بوتيرة أسرع من خصومه.
ومن هذا المنظور، قد تُسجل قمة أنقرة في التاريخ ليس بوصفها قمة دورية أخرى للحلف، وإنما باعتبارها اللحظة التي انتقل فيها الناتو بصورة نهائية من افتراضات مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى واقع جديد تحكمه المنافسة طويلة الأمد بين القوى الكبرى، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية، بل أصبح التفوق الصناعي، والتكنولوجي، والاقتصادي، والسياسي، هو الأساس الحقيقي لضمان الردع والحفاظ على تماسك التحالفات في القرن الحادي والعشرين.
