بث تجريبي

كيف ترتد استراتيجية التصعيد الحوثية على الداخل اليمني؟

تقارير وملفات - Foresight

لم يعد التصعيد في البحر الأحمر مجرد امتداد جغرافي للصراع اليمني، ولا مجرد ساحة إضافية ضمن المواجهات الإقليمية المتشابكة، بل أصبح اختباراً معقداً للعلاقة بين القوة العسكرية وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية. ففي الوقت الذي تسعى فيه جماعة الحوثي إلى توظيف موقع اليمن المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم بوصفه ورقة نفوذ تتجاوز حدود البلاد، تكشف التداعيات المحتملة لهذا التصعيد عن مفارقة استراتيجية لافتة: كلما اتسعت قدرة الجماعة على التأثير في حركة الملاحة الدولية، ازدادت احتمالات ارتداد هذا التأثير على الداخل اليمني نفسه، اقتصادياً وإنسانياً وأمنياً.

وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة لأن اليمن يدخل أي موجة جديدة من التصعيد من موقع شديد الهشاشة. فالاقتصاد يعاني منذ سنوات من الانقسام المؤسسي وتراجع النشاط الإنتاجي وانقطاع أو اضطراب الرواتب وتآكل القوة الشرائية واتساع دائرة الفقر، بينما تعتمد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجات السكان من الغذاء والدواء والوقود وسلع أساسية أخرى.

لذلك، فإن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يبقى حدثاً خارجياً بالنسبة لليمنيين، بل ينتقل سريعاً من البحر إلى الميناء، ومن الميناء إلى السوق، ومن السوق إلى ميزانية الأسرة. وهنا تحديداً تكمن خطورة تحويل الجغرافيا البحرية اليمنية إلى أداة دائمة للصراع الإقليمي.

من الجغرافيا إلى ورقة القوة

يمثل مضيق باب المندب أحد أهم عناصر القيمة الجيوسياسية لليمن. فموقع البلاد عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمنحها أهمية تتجاوز وزنها الاقتصادي والعسكري التقليدي، بالنظر إلى ارتباط هذا الممر بقناة السويس وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا والأسواق العالمية.

وقد أدرك الحوثيون مبكراً القيمة الاستراتيجية لهذه الجغرافيا، لكن التطور الأبرز تمثل في الانتقال من السيطرة على مناطق ساحلية إلى محاولة توظيف المجال البحري نفسه أداةً للضغط السياسي والعسكري.

بهذا المعنى، لا ينبغي قراءة التهديدات باستهداف الملاحة باعتبارها عمليات عسكرية منفصلة فحسب، وإنما ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى تحويل القدرة على تهديد أحد شرايين التجارة العالمية إلى مصدر نفوذ سياسي وإقليمي.

فالجماعة تستطيع، حتى من دون إغلاق الممر البحري فعلياً، أن ترفع مستوى المخاطر المحيطة به. وفي الاقتصاد البحري العالمي، لا يحتاج التأثير دائماً إلى تعطيل كامل للملاحة؛ إذ يكفي ارتفاع احتمالات الاستهداف حتى تعيد شركات الشحن والتأمين تقييم المخاطر، وترفع تكاليفها، أو تغير مسارات السفن، أو تفرض رسوماً إضافية.

وهكذا يتحول التهديد العسكري المحدود جغرافياً إلى تأثير اقتصادي يتجاوز نطاق العملية نفسها.

لكن المشكلة أن اليمن، بحكم موقعه وهشاشة اقتصاده، ليس منفصلاً عن هذه الدائرة، بل يقع في قلبها.

مفارقة القوة والكلفة

تكمن المعضلة الاستراتيجية الأساسية في أن الأداة التي تمنح الحوثيين قدرة على التأثير الخارجي يمكن أن تنتج في الوقت نفسه كلفة داخلية متزايدة.

فالضغط على الملاحة قد يمنح الجماعة حضوراً إقليمياً أكبر، ويرفع قدرتها على فرض نفسها طرفاً في معادلات تتجاوز الحرب اليمنية. لكنه في المقابل يرفع مخاطر الشحن والتأمين والنقل في منطقة يعتمد اليمن نفسه على ممراتها البحرية لاستيراد جانب كبير من احتياجاته.

وهنا تظهر مفارقة واضحة بين العائد السياسي للتصعيد والكلفة الاقتصادية التي يتحملها المجتمع.

فإذا ارتفعت أقساط التأمين على السفن، أو ازدادت تكاليف الشحن، أو اضطرت شركات الملاحة إلى اتخاذ إجراءات احترازية إضافية، فإن هذه النفقات لا تختفي داخل الحسابات التجارية للشركات، وإنما تنتقل عبر سلسلة التوريد إلى المستورد والتاجر، ثم تنتهي في النهاية عند المستهلك.

وفي اقتصاد طبيعي، قد تستطيع الحكومات امتصاص جزء من هذه الصدمات عبر الدعم أو الاحتياطيات المالية أو السياسات النقدية والاجتماعية. أما في الحالة اليمنية، فإن قدرة المؤسسات على امتصاص الصدمات محدودة للغاية، ما يجعل المواطن الحلقة الأخيرة والأضعف في سلسلة انتقال التكلفة.

ولهذا فإن أي اضطراب جديد في البحر الأحمر قد يتحول سريعاً إلى تضخم إضافي في الأسواق اليمنية.

عندما تنتقل الحرب من البحر إلى السوق

الآلية الاقتصادية لهذا الانتقال واضحة نسبياً.

يبدأ التصعيد بارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، فتزيد تكاليف التأمين والنقل البحري، وقد تتغير بعض مسارات الشحن أو تتأخر الإمدادات. تنتقل هذه التكاليف بعد ذلك إلى المستوردين، ثم إلى تجار الجملة والتجزئة، قبل أن تظهر في صورة ارتفاع في أسعار الغذاء والدواء والوقود وغيرها من السلع.

لكن أثر هذه السلسلة يصبح أكثر خطورة عندما يصطدم بواقع اقتصادي يعاني أصلاً من ضعف الدخول وتراجع فرص العمل وأزمة الرواتب.

فالأسرة التي كانت قادرة سابقاً على امتصاص زيادة محدودة في الأسعار لم تعد تمتلك بالضرورة هامشاً مماثلاً اليوم. ومع كل موجة غلاء جديدة، لا يتغير حجم الإنفاق فقط، بل تتغير أنماط الحياة نفسها: تقليل كمية الغذاء، تأجيل شراء الدواء، الاستغناء عن بعض الخدمات، سحب الأطفال من التعليم في بعض الحالات، أو اللجوء إلى الاقتراض وبيع الممتلكات.

ومن هنا، فإن التأثير الحقيقي للتصعيد لا يقاس فقط بنسبة ارتفاع أسعار السلع، وإنما بقدرته على دفع شرائح إضافية من المجتمع من الهشاشة الاقتصادية إلى العوز الفعلي.

وتشير شهادات سكان وتجار في صنعاء والحديدة وإب إلى تنامي المخاوف من هذه الحلقة. فبالنسبة للمواطن اليمني، لا تبدو أخبار السفن والتوترات البحرية بعيدة عن حياته اليومية؛ إذ يمكن أن تظهر نتائجها بعد فترة قصيرة في سعر كيس الدقيق أو عبوة الدواء أو تكلفة الوقود والنقل.

اقتصاد الصراع يضاعف أثر الأزمة

غير أن تفسير الضغوط المعيشية بالتصعيد البحري وحده سيكون اختزالاً للمشكلة.

فالاقتصاد اليمني يعاني أصلاً من اختلالات تراكمية ناجمة عن سنوات الحرب والانقسام المؤسسي وتراجع الاستثمار والإنتاج وفرص العمل، إلى جانب الأعباء والجبايات والرسوم التي يشكو منها التجار والقطاع الخاص في مناطق سيطرة الحوثيين.

وهذا يعني أن الصدمة الخارجية الناتجة عن اضطراب الملاحة لا تصل إلى اقتصاد مستقر، بل إلى بيئة تعاني مسبقاً من مستويات مرتفعة من الهشاشة.

وهنا تتضاعف الآثار.

فالتاجر الذي يتحمل ارتفاع تكلفة الشحن قد يواجه أيضاً رسوماً وجبايات إضافية، فيضطر إلى نقل جانب أكبر من التكلفة إلى المستهلك. والمستهلك الذي يواجه ارتفاع الأسعار لا يمتلك في المقابل دخلاً يتزايد بالمعدل نفسه، خصوصاً مع استمرار أزمة الرواتب وتراجع فرص العمل.

وهكذا تتشكل دائرة اقتصادية مغلقة: ارتفاع تكلفة الاستيراد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وارتفاع الأسعار يقلص الاستهلاك، وتراجع الاستهلاك يضعف النشاط التجاري، وضعف النشاط الاقتصادي يقلص فرص العمل والدخل، وهو ما يؤدي بدوره إلى مزيد من تراجع القدرة الشرائية.

ومع استمرار هذه الدائرة، تتحول الأزمة من موجة غلاء مؤقتة إلى عملية أعمق من التآكل الاقتصادي والاجتماعي.

الحوثيون بين شرعية الخارج وضغوط الداخل

سياسياً، تكشف هذه المعادلة عن تحدٍ أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الحوثيين.

فالجماعة تحاول من خلال تحركاتها الإقليمية تقديم نفسها بوصفها قوة قادرة على التأثير في ملفات تتجاوز الحدود اليمنية، وهو ما يمنحها وزناً تفاوضياً ورمزياً أكبر. غير أن استمرار هذا المسار يطرح سؤالاً حول قدرة أي سلطة أمر واقع على الموازنة بين مشروعها الإقليمي ومسؤوليتها تجاه السكان الخاضعين لسيطرتها.

فالنفوذ الخارجي لا يلغي ضغوط الداخل.

وكلما طال أمد الأزمة الاقتصادية، واتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي، أصبحت العلاقة بين الإنجاز العسكري المتصور والكلفة الاجتماعية أكثر تعقيداً.

قد تستطيع الجماعة توظيف المواجهة الخارجية لتعزيز التعبئة السياسية لفترة معينة، لكن الاقتصاد يعمل وفق منطق مختلف؛ إذ لا يمكن للخطاب السياسي وحده تعويض انخفاض الدخل أو ارتفاع أسعار الغذاء والدواء.

ومن هنا يظهر أحد أهم حدود استراتيجية التصعيد: يمكن للقوة العسكرية أن توسع مجال النفوذ، لكنها لا تستطيع وحدها إدارة كلفة هذا النفوذ.

خطر الانزلاق إلى دائرة تصعيد أوسع

المشكلة الثانية تتعلق بطبيعة التصعيد نفسه.

فالعمليات والتهديدات في البحر الأحمر لا تجري في فراغ، بل داخل بيئة أمنية تضم قوى دولية وإقليمية تمتلك مصالح مباشرة في حماية الملاحة والتجارة الدولية. ولذلك، فإن كل توسع في التهديدات قد يرفع احتمالات الرد العسكري، وكل رد قد يقود بدوره إلى تصعيد جديد.

بهذه الصورة يمكن أن تتشكل حلقة يصعب التحكم في مسارها:

تهديد للملاحة، يليه رد عسكري، ثم رد مضاد، ثم اتساع نطاق العمليات، ثم ارتفاع إضافي في مخاطر الشحن والتأمين، وصولاً إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية على اليمن والمنطقة.

والخطر هنا أن يتحول اليمن من ساحة حرب داخلية ذات امتدادات إقليمية إلى منصة دائمة لمواجهة دولية مرتبطة بأمن البحر الأحمر.

هذا التحول ستكون له آثار استراتيجية بعيدة المدى؛ لأنه قد يعيد تعريف الصراع اليمني نفسه. فبدلاً من أن يبقى التركيز الدولي منصباً على التسوية السياسية والحرب الداخلية والأزمة الإنسانية، قد يصبح اليمن بصورة متزايدة جزءاً من ملف أوسع يتعلق بأمن الممرات البحرية والتنافس الإقليمي والدولي.

وعندها قد تتراجع أولوية إنهاء الحرب اليمنية أمام أولوية احتواء التهديدات البحرية.

ثلاثة مسارات محتملة

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل هذه الأزمة.

المسار الأول هو التصعيد المحدود والمحسوب، بحيث تستمر التهديدات أو العمليات بصورة متقطعة دون الوصول إلى تعطيل واسع للملاحة. في هذا السيناريو تبقى الكلفة الاقتصادية قائمة، لكنها تظل نسبياً قابلة للاحتواء، مع استمرار حالة عدم اليقين وارتفاع بعض تكاليف الشحن والتأمين.

أما المسار الثاني فهو التصعيد المتبادل والمتدرج، حيث تتوسع العمليات الحوثية وتتزايد الردود العسكرية الخارجية. وهذا السيناريو أكثر خطورة على اليمن، لأنه قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في تكاليف النقل والتأمين، وتضرر البنية التحتية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وربما تعقيد أي مسار سياسي لتسوية الحرب.

أما المسار الثالث فهو الاحتواء السياسي التدريجي، عبر إدخال أمن البحر الأحمر ضمن ترتيبات سياسية وأمنية أوسع تربط خفض التصعيد البحري بمسار التسوية اليمنية والتفاهمات الإقليمية. وهذا السيناريو هو الأقل كلفة على السكان، لكنه يحتاج إلى توافقات معقدة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية تختلف مصالحها وأولوياتها.

غير أن استمرار الوضع بين التصعيد والتهدئة دون تسوية واضحة قد يكون في حد ذاته سيناريو رابعاً غير معلن: إدارة أزمة طويلة الأمد تصبح فيها الملاحة البحرية ورقة ضغط تستخدم دورياً، بينما يبقى الاقتصاد اليمني معرضاً في كل مرة لموجة جديدة من عدم الاستقرار.

من يدفع ثمن الجغرافيا؟

تكشف أزمة البحر الأحمر في النهاية عن حقيقة أعمق في الصراع اليمني: الجغرافيا التي تمنح البلاد أهمية استراتيجية استثنائية يمكن أن تتحول، في غياب دولة مستقرة واقتصاد قادر على الصمود، من مصدر قوة إلى مصدر هشاشة.

فباب المندب يمنح اليمن موقعاً مؤثراً في حسابات التجارة والأمن الدوليين، لكنه يجعل البلاد أيضاً شديدة الحساسية لأي اضطراب في الملاحة.

ومن هنا فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمدى قدرة الحوثيين على تهديد السفن أو التأثير في حركة التجارة الدولية، وإنما بما إذا كان هذا النفوذ يمكن أن يتحول إلى مكاسب سياسية مستدامة من دون أن ينتج في المقابل خسائر اقتصادية واجتماعية أكبر داخل اليمن نفسه.

فالاستراتيجيات لا تُقاس فقط بقدرتها على إلحاق التكلفة بالخصوم، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المجتمع الذي تُمارس باسمه من ارتداد هذه التكلفة عليه.

وفي الحالة اليمنية، تبدو هذه المعادلة شديدة الاختلال. فكل زيادة في مخاطر البحر الأحمر قد تعني ارتفاعاً في تكلفة الشحن، وكل ارتفاع في تكلفة الشحن قد ينتقل إلى الأسواق، وكل موجة غلاء جديدة تجد أمامها مجتمعاً استُنزفت قدرته على الاحتمال بفعل سنوات الحرب والفقر وتراجع الدخل.

وهكذا يصبح المواطن اليمني الحلقة الأخيرة في سلسلة صراع تبدأ بصاروخ أو تهديد في البحر، وتمر بشركات التأمين والموانئ والمستوردين والأسواق، وتنتهي على مائدة أسرة تحاول أن تقرر أي احتياجاتها يمكن الاستغناء عنها هذه المرة.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: قد يمنح البحر الأحمر الحوثيين ورقة نفوذ تتجاوز حدود اليمن، لكن اليمنيين أنفسهم قد يكونون أول من يدفع ثمن استخدامها.