بث تجريبي

الصراع على هرمز وتداعياته على الأمن البيئي العالمي

تقارير وملفات - Foresight

طوال العقود الماضية، ارتبط الحديث عن مضيق هرمز بأسعار النفط، وأمن الطاقة، وحركة الأساطيل، واحتمالات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. لكن الحرب الدائرة اليوم تكشف بعداً آخر أقل ظهوراً وأكثر خطورة؛ فالممر البحري الذي ينقل نحو خمس تجارة النفط العالمية لم يعد يمثل فقط نقطة اختناق للاقتصاد الدولي، بل أصبح أيضاً مصدراً محتملاً لأزمة بيئية عالمية قد تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الحرب بسنوات.

فالدراسة التي نشرتها دورية رؤى بيولوجية Biological Invasions  لا تتحدث عن حادثة بيئية محلية، وإنما عن ظاهرة يمكن وصفها بأنها "عولمة للكائنات الغازية" نتيجة توقف آلاف السفن لفترات طويلة داخل الخليج العربي وخليج عُمان. فالسفن التي كانت تُنظر إليها دائماً باعتبارها وسيلة لنقل البضائع والطاقة، قد تتحول، بفعل الحرب، إلى ناقلات ضخمة لكائنات بحرية دخيلة قادرة على تغيير النظم البيئية في قارات كاملة.

الحروب لا تدمر البشر وحدهم

اعتادت الدراسات الاستراتيجية قياس كلفة الحروب بعدد الضحايا، وحجم الدمار، والخسائر الاقتصادية، وأسعار الطاقة، لكن البعد البيئي ظل غالباً يأتي في مرتبة متأخرة، رغم أنه قد يكون الأكثر استمراراً.

فالكائنات البحرية التي تنمو على هياكل السفن خلال فترات التوقف الطويلة لا تعترف بالحدود السياسية. وعندما تستأنف السفن رحلاتها، تنتقل هذه الكائنات إلى موانئ بعيدة، حيث قد تجد بيئات مناسبة للاستقرار والتكاثر، لتبدأ سلسلة من التحولات البيئية يصعب عكسها.

وتشير التجارب السابقة، مثل انتشار محار الحمار الوحشي في أمريكا الشمالية، إلى أن القضاء على الأنواع الدخيلة بعد استقرارها يكاد يكون مستحيلاً، بينما تصل كلفة مواجهتها إلى مليارات الدولارات، فضلاً عن تأثيرها في الثروة السمكية والاستزراع المائي والتنوع البيولوجي. وبذلك، فإن ما يحدث في هرمز لا يهدد الخليج وحده، بل قد يصبح قضية أمن بيئي عالمي.

هرمز... من ممر للطاقة إلى ممر للمخاطر البيئية

لطالما كان مضيق هرمز أحد أهم أدوات الردع الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فمن يسيطر على حركة الملاحة فيه يمتلك قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر النفط. لكن التطورات الأخيرة تكشف أن تعطيل الملاحة ينتج آثاراً غير مقصودة تتجاوز الاقتصاد والطاقة.

فوجود أكثر من 1500 سفينة متوقفة داخل الخليج، ومئات السفن الأخرى في خليج عُمان، يعني عملياً إنشاء ما يشبه مختبراً طبيعياً هائلاً لنمو الكائنات البحرية على هياكل السفن.

ومع ارتفاع حرارة مياه الخليج وملوحتها، تصبح الظروف أكثر ملاءمة لتكاثر أنواع تتمتع أصلاً بقدرة عالية على التكيف، وهو ما يزيد احتمالات بقائها خلال الرحلات البحرية الطويلة ووصولها إلى موانئ جديدة حول العالم. وهكذا يتحول المضيق من ممر للطاقة إلى ممر محتمل لانتقال المخاطر البيئية.

البيئة أصبحت جزءاً من الأمن القومي

تكشف هذه الأزمة عن تطور مهم في مفهوم الأمن نفسه. فالأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو ضمان تدفق النفط، بل أصبح يشمل أيضاً حماية النظم البيئية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. فالأنواع الغازية قد تؤدي إلى انهيار مصايد الأسماك، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية البحرية، وزيادة كلفة تشغيل الموانئ، وإضعاف الأمن الغذائي في دول تعتمد بصورة كبيرة على الثروة البحرية. ومن هنا، لم يعد الأمن البيئي قضية تخص علماء الأحياء وحدهم، بل أصبح جزءاً من حسابات الأمن القومي والاقتصاد العالمي.

سلاح غير تقليدي

المفارقة أن هذه الأزمة لا تنتج عن استخدام سلاح بيولوجي، بل عن تعطيل الملاحة البحرية. فالحرب لم تستهدف البيئة بصورة مباشرة، لكنها أوجدت ظروفاً تسمح بانتشار مخاطر بيئية عابرة للقارات. وهذا يعكس أحد أهم تحولات الصراعات الحديثة؛ إذ أصبحت آثار الحرب تمتد إلى مجالات لم تكن تُحسب سابقاً ضمن ساحات المواجهة، مثل المناخ، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، والتنوع البيولوجي. وبذلك، لم تعد كلفة الحرب تُقاس فقط بما يحدث أثناء القتال، وإنما أيضاً بما تتركه من آثار طويلة الأجل يصعب احتواؤها.

هل نشهد توسعاً في مفهوم الأمن البحري؟

قد تدفع هذه التطورات المنظمة البحرية الدولية وعدداً من الدول إلى تشديد اللوائح الخاصة بتنظيف هياكل السفن قبل دخول الموانئ، وإخضاع السفن القادمة من مناطق الصراع لإجراءات بيئية أكثر صرامة. كما قد يصبح الأمن البيئي جزءاً أساسياً من إدارة الممرات البحرية، إلى جانب أمن الملاحة ومكافحة القرصنة وحماية التجارة. فإذا كانت الموانئ تفرض اليوم قيوداً صحية أو جمركية على السفن، فقد تفرض مستقبلاً قيوداً بيئية أكثر تشدداً لمنع انتقال الأنواع البحرية الدخيلة.

بشكل عام، تكشف أزمة مضيق هرمز أن الصراعات المعاصرة لم تعد تقتصر على التنافس العسكري أو الاقتصادي، بل أصبحت تنتج تهديدات بيئية عالمية تتجاوز أطراف النزاع نفسها. فالحرب التي عطلت حركة السفن قد تتحول، بصورة غير مباشرة، إلى عامل يغيّر النظم البيئية في مناطق بعيدة، ويضيف إلى فاتورة الحرب تكلفة جديدة لا تقل خطورة عن خسائر الطاقة أو التجارة.

ومن هنا، فإن حماية الممرات البحرية لم تعد تعني فقط ضمان تدفق النفط والبضائع، بل أصبحت تعني أيضاً حماية التوازن البيئي العالمي. وهذه إحدى أبرز سمات القرن الحادي والعشرين؛ إذ لم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل أيضاً بحجم التأثيرات البيئية التي تظل تتحرك عبر البحار حتى بعد أن تتوقف المدافع عن إطلاق النار.