بث تجريبي

هل تعود مجموعة فيشغراد؟ قراءة في مستقبل التحالف الإقليمي الأكثر إشكالية داخل الاتحاد الأوروبي

تقارير وملفات - Foresight

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، مثّلت مجموعة فيشغراد واحدة من أهم التجارب الإقليمية داخل أوروبا ما بعد الحرب الباردة. فقد تأسست المجموعة عام 1991 في لحظة تاريخية فارقة، عندما كانت بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا الخارجة حديثاً من عباءة المعسكر السوفياتي تبحث عن طريقها نحو الغرب السياسي والاقتصادي والأمني. ومنذ ذلك الحين، تحولت المجموعة التي تضم اليوم بولندا والمجر والتشيك وسلوفاكيا إلى منصة للتنسيق السياسي داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وسعت إلى تعزيز وزن أوروبا الوسطى في مواجهة الهيمنة التقليدية للدول الكبرى في غرب القارة.

لكن التحالف الذي نجح في مراحل مختلفة في توحيد مواقف أعضائه بشأن ملفات الهجرة والسياسات الأوروبية والميزانيات المشتركة، وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة أمام أخطر أزمة في تاريخه. فقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن انقسامات عميقة داخل المجموعة، وأعادت طرح سؤال جوهري حول مدى قدرة التحالفات الإقليمية الأوروبية على الصمود عندما تتعارض المصالح الأمنية والاستراتيجية لأعضائها.

اليوم، ومع عودة الدفء إلى العلاقات البولندية المجرية بعد التغيير السياسي في بودابست، تتصاعد التوقعات بإمكانية إحياء مجموعة فيشغراد من جديد. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بإمكانية استئناف الاجتماعات أو استعادة التنسيق السياسي بين العواصم الأربع، بل بقدرة المجموعة على استعادة دورها السابق في بيئة أوروبية تغيرت جذرياً منذ تأسيسها.

في جوهر الأزمة الحالية تكمن حقيقة أن مجموعة فيشغراد لم تكن يوماً مجرد إطار جغرافي يجمع دول أوروبا الوسطى، بل كانت مشروعاً سياسياً يقوم على درجة معينة من التقارب في الرؤية والمصالح. وخلال الفترات التي شهدت انسجاماً سياسياً بين الحكومات الأربع، تمكنت المجموعة من التحول إلى قوة ضغط مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً خلال أزمة الهجرة عام 2015 عندما وقفت الدول الأربع في مواجهة مباشرة مع بروكسل بشأن نظام الحصص الإلزامية للمهاجرين. أما عندما تباعدت الرؤى السياسية والاستراتيجية، بدأت فعالية المجموعة بالتراجع تدريجياً.

وقد بلغت هذه الانقسامات ذروتها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. ففي حين اعتبرت بولندا والتشيك أن الحرب تمثل تهديداً مباشراً للأمن الأوروبي وتبنّتا موقفاً داعماً لكييف بشكل واضح، اختارت المجر نهجاً أكثر حذراً تجاه موسكو، مع استمرار العلاقات الاقتصادية والطاقة بين البلدين. أما سلوفاكيا فوجدت نفسها تتأرجح بين هذين الاتجاهين وفقاً لتحولاتها السياسية الداخلية. وهكذا لم تعد المشكلة مرتبطة بخلافات تكتيكية حول سياسات الاتحاد الأوروبي، بل وصلت إلى مستوى الاختلاف حول تعريف مصادر التهديد وأولويات الأمن القومي.

هذا التحول يكشف عن أزمة أعمق تعيشها أوروبا الوسطى نفسها. فالدول الأربع التي انطلقت قبل ثلاثة عقود من نقطة تاريخية متشابهة لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها ولا في الاتجاه ذاته. فبولندا تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى قوة اقتصادية وعسكرية صاعدة، وأصبحت لاعباً أوروبياً من الوزن الثقيل. فاقتصادها بات من أكبر الاقتصادات الأوروبية، كما أصبحت شريكاً محورياً للولايات المتحدة وحلف الناتو في شرق أوروبا. هذا الصعود جعل وارسو أقل اعتماداً على الإطار الإقليمي الضيق الذي تمثله مجموعة فيشغراد، وأكثر انخراطاً في تحالفات أوسع مثل مثلث فايمار الذي يجمعها مع فرنسا وألمانيا، ومبادرة البحار الثلاثة، ومجموعة بوخارست التسع، فضلاً عن الشراكات المتنامية مع دول الشمال الأوروبي والبلطيق.

ومن هنا يبرز التحدي الأكبر أمام أي محاولة لإحياء المجموعة. فبولندا لم تعد الدولة التي كانت تبحث عن تعزيز حضورها الأوروبي من خلال التحالف مع جيرانها، بل أصبحت لاعباً قادراً على التأثير بصورة مستقلة في الملفات الأوروبية والأمنية الكبرى. ولذلك فإن استمرار اهتمامها بمجموعة فيشغراد لن يكون قائماً على اعتبارات رمزية أو تاريخية فقط، وإنما على مدى قدرة المجموعة على إنتاج قيمة استراتيجية حقيقية تخدم المصالح البولندية.

وفي المقابل، تنظر المجر إلى المجموعة باعتبارها إحدى أهم أدوات سياستها الخارجية داخل الاتحاد الأوروبي. فبالنسبة لبودابست، يوفر الإطار الإقليمي منصة ضرورية لموازنة نفوذ القوى الأوروبية الكبرى، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في القرارات الأوروبية. ولهذا تبدو القيادة المجرية أكثر حماساً لإحياء المجموعة من معظم شركائها.

غير أن العقبة الحقيقية لا تكمن فقط في التباينات الجيوسياسية الراهنة، بل في الإرث التاريخي الذي ما زال يلقي بظلاله على علاقات المنطقة. فالتوترات المتكررة بين المجر وسلوفاكيا بشأن معاهدة تريانون، وحقوق الأقليات المجرية، وملفات الذاكرة التاريخية، تؤكد أن أوروبا الوسطى لم تتجاوز بالكامل رواسب القرن العشرين. ورغم أن هذه القضايا لا تبدو قادرة وحدها على تفجير العلاقات بين الدول الأعضاء، فإنها تظل قادرة على عرقلة بناء رؤية استراتيجية مشتركة طويلة المدى.

وربما لهذا السبب بدأت تظهر أفكار تدعو إلى توسيع إطار مجموعة فيشغراد بدلاً من الاكتفاء بإحيائها بصيغتها التقليدية. فبعض الساسة في المنطقة يتحدثون عن إمكانية ضم دول مثل رومانيا وكرواتيا وسلوفينيا وربما بعض دول الشمال الأوروبي أو البلقان، بهدف إنشاء إطار أوسع يعكس التوازنات الجديدة في أوروبا الوسطى والشرقية. ورغم أن مثل هذا المشروع لا يزال بعيد المنال، فإنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن البيئة الاستراتيجية الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي نشأت فيها المجموعة قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية مجموعة فيشغراد يبدو سابقاً لأوانه. فهناك مجالات عديدة ما زالت توفر أرضية مشتركة للتعاون بين أعضائها، خصوصاً في ما يتعلق بالمفاوضات حول الميزانية الأوروبية طويلة الأجل، وسياسات التنمية الإقليمية، وأمن الطاقة، والربط الكهربائي والغازي، إضافة إلى مشاريع الطاقة النووية التي تتزايد أهميتها في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة الأوروبي. كما أن التحديات الاقتصادية الناتجة عن المنافسة العالمية والانتقال الأخضر تمنح دول أوروبا الوسطى حوافز إضافية للتنسيق فيما بينها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

لذلك فإن مستقبل مجموعة فيشغراد لن يتحدد بعودة العلاقات البولندية المجرية وحدها، رغم أهميتها، بل بقدرة الدول الأربع على إعادة تعريف الغرض من وجود المجموعة نفسها. فالمشكلة الأساسية لم تعد في غياب الإرادة السياسية للتعاون، وإنما في تغير البيئة الأوروبية التي جعلت المصالح الوطنية أكثر تعقيداً وتنوعاً مما كانت عليه عند تأسيس التحالف.

وفي النهاية، يبدو أن مجموعة فيشغراد تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح في التحول من تحالف سياسي ظرفي إلى إطار إقليمي مرن قادر على التكيف مع التحديات الجديدة، وإما أن تتحول تدريجياً إلى رمز تاريخي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، بينما تنتقل مراكز الثقل الحقيقية إلى تحالفات أوروبية جديدة أكثر اتساعاً وتأثيراً. وبين هذين الاحتمالين ستكشف السنوات القليلة المقبلة ما إذا كانت أوروبا الوسطى ما زالت بحاجة إلى فيشغراد، أم أنها تجاوزت بالفعل الظروف التي جعلت هذا التحالف ضرورياً قبل أكثر من ثلاثة عقود.