بث تجريبي
د. طه علي أحمد

واشنطن وطهران بين استحالة التسوية ومنطق الهدنة

آراء حرة - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

رغم تصاعد الحديث عن تفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن القراءة المتأنية لمسار العلاقات بين الطرفين تكشف أن ما يجرى لا يقترب من مفهوم "السلام الشامل"، بقدر ما يعكس محاولة جديدة لإدارة الصراع وتخفيف كلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية. فالأزمة الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود لم تكن يومًا مجرد خلاف قابل للحل عبر اتفاق تقني أو تفاهم مؤقت، بل صراعًا مركبًا يرتبط بتوازنات النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة العالمي، والبرنامج النووي الإيراني، وطبيعة الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط.

الواقع أن التجارب السابقة تقدم دليلًا واضحًا على هشاشة أي اتفاق لا يعالج جذور الأزمة. فالاتفاق النووي لعام 2015، الذى عُرف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، نجح مؤقتًا في خفض مستوى التوتر، لكنه لم يؤسس لتسوية دائمة، لأن الخلافات الجوهرية بقيت قائمة. وقد أثبت انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، وإعادة فرض سياسة "الضغط الأقصى"، أن أي تفاهم يمكن أن ينهار سريعًا إذا تغيّرت الحسابات السياسية داخل واشنطن.

ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة "الردع المتبادل منخفض الحدة". فإيران وسّعت مستويات تخصيب اليورانيوم بصورة غير مسبوقة، وقلّصت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما كثفت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية والعسكرية، وعززت وجودها البحري في الخليج العربي. ووفقا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن طهران باتت تمتلك كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة تقترب من مستويات الاستخدام العسكري، وهو ما جعل الملف النووي يعود مجددًا إلى صدارة المخاوف الغربية.

لكن في المقابل، تدرك واشنطن أن الخيار العسكري لا يضمن إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، بل قد يدفع المنطقة إلى حرب واسعة يصعب احتواء تداعياتها. فالتجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان خلقت داخل المؤسسات الأمريكية قناعة متزايدة بأن الحروب الطويلة في الشرق الأوسط تستنزف القوة الأمريكية دون تحقيق نتائج استراتيجية مستقرة. ولهذا تبدو الإدارة الأمريكية أكثر ميلًا إلى سياسة "الاحتواء وإدارة التوتر" بدل المواجهة المباشرة.

وتبرز هنا أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أهم مفاتيح التوازن في الأزمة. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمثل ورقة ضغط استراتيجية لإيران، كما يشكل في الوقت نفسه خطًا أحمر بالنسبة للقوى الدولية. ولذلك فإن أي تهديد بإغلاقه ينعكس فورًا على أسعار النفط وأسواق الطاقة العالمية. وقد أثبتت التجارب السابقة — سواء خلال أزمة ناقلات النفط عام 2019 أو الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو السعودية — أن مجرد ارتفاع مستوى التوتر في الخليج كفيل بإحداث اضطرابات اقتصادية عالمية.

هذا ما يفسر الاهتمام الدولي بأي مؤشرات تهدئة، حتى وإن كانت مؤقتة أو غير مكتملة. فالأسواق المالية تتفاعل سريعًا مع احتمالات خفض التصعيد، لأن الاقتصاد العالمي يعيش أصلًا حالة هشاشة نتيجة الحروب الدولية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتباطؤ الاقتصادي العالمي. ومن هنا، فإن الأولوية الغربية الحالية تبدو مرتبطة بحماية استقرار الطاقة أكثر من التوصل إلى تسوية سياسية تاريخية مع إيران.

في المقابل، تواجه إيران أزمة داخلية متفاقمة تجعلها بحاجة إلى متنفس اقتصادي وسياسي. فالعقوبات الأمريكية المستمرة منذ سنوات أضعفت الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة، وأدت إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وتزايد الاحتجاجات الاجتماعية. وتشير تقديرات اقتصادية دولية إلى أن الاقتصاد الإيراني فقد عشرات المليارات من الدولارات بسبب القيود المفروضة على صادرات النفط والتحويلات المالية.

ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية لم تدفع طهران إلى الاستسلام أو تغيير سياساتها جذريًا، بل دفعتها إلى تعزيز استراتيجية "الصبر الاستراتيجي" وتوسيع أدوات الردع الإقليمية، سواء عبر تطوير البرنامج الصاروخي أو عبر شبكات النفوذ الممتدة في العراق ولبنان وسوريا واليمن. وهذا يعنى أن إيران لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها تنازلًا نهائيًا، بل كجزء من إدارة الصراع وتحسين شروط التفاوض.

المعضلة الأساسية أن الطرفين يفتقدان الثقة المتبادلة؛ فإيران ترى أن الولايات المتحدة لا تقدم ضمانات حقيقية لاحترام أي اتفاق مستقبلي، خاصة بعد تجربة الانسحاب من الاتفاق النووي. بينما تعتبر واشنطن أن طهران تستخدم التفاوض لكسب الوقت وتوسيع قدراتها النووية والإقليمية. ولذلك فإن أي تفاهم جديد سيظل هشًا وقابلًا للانهيار عند أول تغير سياسي أو أمني.

كما أن البيئة الإقليمية نفسها لا تساعد على إنتاج تسوية مستقرة، فالمنطقة تعيش أصلًا حالة إعادة تشكيل للتوازنات، مع استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر، والتنافس الإقليمي بين القوى الكبرى، ومحاولات إسرائيل منع إيران من التحول إلى قوة نووية عسكرية. ولهذا فإن أي اتفاق أمريكي إيراني سيبقى محكومًا بحسابات إقليمية معقدة تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين.

كل ذلك يشير إلى أن المنطقة لا تتجه نحو "سلام أمريكي إيراني"، بل نحو مرحلة جديدة من "إدارة التوتر المنظم"، أو بعبارة أخرى حالة يتم فيها منع الانفجار الشامل دون إزالة أسبابه الحقيقية. وهذا النموذج قد يحقق قدرًا من التهدئة المؤقتة، لكنه يبقي الشرق الأوسط في دائرة القلق وعدم الاستقرار، حيث يتحول الصراع من حرب مفتوحة إلى استنزاف طويل الأمد قائم على العقوبات، والردع المتبادل، والاشتباكات غير المباشرة، والتفاوض المؤقت.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستوقع واشنطن وطهران اتفاقًا؟ بل: هل يمتلك الطرفان أصلًا إرادة سياسية لإنهاء الصراع من جذوره؟ وحتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي منها إلى الإيجاب.