بث تجريبي

المشروعات الصينية في أميركا اللاتينية والمخاوف الأمنية والرقابية

تقارير وملفات - جولييتا بيلكاستر
جولييتا بيلكاستر
كاتبة صحفية مكسيكية

أصبح التسارع الكبير في تنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالصين في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية يثير تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الحكومات والمؤسسات المحلية على ممارسة الرقابة والإشراف الفعال خلال مراحل التنفيذ. فالنموذج الذي تعتمده بكين، والقائم على أولوية الإنجاز السريع للمشروعات، غالباً ما يؤدي إلى ضغط جداول التقييم والمراجعة والمتابعة، الأمر الذي ينعكس على مستويات الشفافية والاستدامة طويلة الأمد.

وفي دول تعاني بالفعل من تحديات مؤسسية ورقابية، يحذر خبراء من أن تسريع تنفيذ المشروعات قد يقلص فرص المراجعة الفنية والتدقيق العام وآليات الرقابة الشاملة. ورغم أن الجداول الزمنية السريعة قد تحقق مكاسب سياسية واقتصادية فورية، فإن منتقدين يرون أنها قد تزيد من المخاطر طويلة المدى المرتبطة بالشفافية والاعتماد الاستراتيجي وإدارة البنية التحتية.

وقالت باميلا أروستيكا، مديرة شبكة الصين وأميركا اللاتينية: مقاربات متعددة التخصصات (REDCAEM)، لموقع "ديالوغو": «إن التركيز على السرعة في المشروعات المرتبطة بالصين في أميركا اللاتينية يخلق توترات تتعلق بقدرة الدول على الحفاظ على مستويات مناسبة من الرقابة. ففي كثير من الحالات، تتجاوز جداول التنفيذ الدورات المؤسسية الخاصة بالتقييم الفني والمشاورات العامة والرقابة التشريعية، ما يدفع الدول إلى التكيف مع وتيرة التمويل الخارجي».

ويمنح هذا النهج الصين أفضلية واضحة خلال المفاوضات. فالتنسيق الوثيق بين الشركات المملوكة للدولة والبنوك التنموية والأجهزة الدبلوماسية الصينية يسمح بدفع الاتفاقات إلى الأمام بوتيرة سريعة، ما يخلق ما وصفته أروستيكا بـ«عدم التماثل في جداول اتخاذ القرار»، خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والنقل والاتصالات. وترى أن هذه الديناميكيات تعقّد قدرة الحكومات على الحفاظ على عمليات مراجعة ورقابة دقيقة، وتزيد من المخاطر التنظيمية والحوكمية.

مشروعات استراتيجية: التمويل والسيطرة والمنافسة

عادة ما تعمل المشروعات والقروض المرتبطة بالصين ضمن مستويات محدودة من الشفافية، مع غياب نسبي للضمانات البيئية والحوكمية. كما يُنفذ العديد منها وفق نظام «تسليم المفتاح»، حيث يتم توفير العمالة والمعدات والمواد الأساسية من الصين نفسها، ما يحد من مشاركة الشركات والكوادر المحلية في القطاعات الاستراتيجية، وفقاً لتقرير صادر عن منصة "إكسبيدينتيه بوبليكو".

وأشار التقرير إلى أن الاستثمارات الصينية تتركز بصورة متزايدة في قطاعات البنية التحتية الحيوية، حيث قد تخضع الأصول لسيطرة أو تشغيل طويل الأمد من قبل مؤسسات صينية مملوكة للدولة. كما أن سرعة التنفيذ تقلص الفترة المتاحة للمراجعة الفنية، وتزيد من نفوذ الصين في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والتكنولوجية داخل الدول المضيفة، ما يثير مخاوف تتعلق بالاستقلال المؤسسي والاعتماد الاستراتيجي.

ويحذر محللون أيضاً من أن النهج الصيني في إعادة هيكلة الديون أقل مرونة مقارنة ببعض المقرضين الدوليين الآخرين، وهو ما قد يفاقم الضغوط الاقتصادية على الدول المثقلة بالديون.

حالات بارزة: مخاطر وتوترات تنظيمية

وترى أروستيكا أن «الوتيرة السريعة للمشروعات المرتبطة بالصين في أميركا اللاتينية أثرت في كل من جدوى هذه المشروعات وقدرة الدول على مراقبتها». وتبرز أمثلة من الإكوادور وبيرو وتشيلي لتوضيح هذه الإشكاليات.

ففي الإكوادور، أدى التسريع في بناء محطة «كوكا كودو سنكلير» الكهرومائية إلى تقليص الوقت المتاح للرقابة الفنية والتقييمات بعيدة المدى، بينما أثارت الأعطال الهيكلية التي ظهرت لاحقاً جدلاً واسعاً حول جودة المشروع واستدامته.

أما في بيرو، فقد سلط مشروع ميناء «تشانكاي» العملاق، الذي تقوده شركة الشحن الصينية الحكومية COSCO Shipping، الضوء على التوتر القائم بين سرعة التنفيذ وآليات الرقابة الحكومية. إذ حدَّ حكم قضائي من قدرة الجهة التنظيمية الوطنية على الإشراف على المشروع، ما أثار مخاوف تتعلق بحوكمة البنية التحتية الاستراتيجية والسيطرة عليها. كما تعرض المشروع لانتقادات مرتبطة بالآثار البيئية والخلافات مع المجتمعات المحلية.

وقالت أروستيكا: «إن سرعة التنفيذ أثارت مخاوف تتعلق بنقص الشفافية والأمن القومي وحوكمة البيانات، ما دفع إلى إعادة تقييم المبادرة بهدف الحد من مخاطرها».

وفي تشيلي، كشفت المناقشات المرتبطة بمشروع الكابل البحري «تشيلي – الصين إكسبريس» عن تزايد القلق بشأن الأمن السيبراني والشفافية والأمن القومي وإدارة البيانات في ظل التوسع السريع للبنية التحتية الرقمية الحيوية.

الاعتماد التشغيلي والضغوط الاستراتيجية

يمتد حضور الشركات المرتبطة بالصين إلى العديد من القطاعات الاستراتيجية في أميركا اللاتينية. فالشركات الصينية تلعب دوراً رئيسياً في استخراج النحاس في بيرو والليثيوم في الأرجنتين وتشيلي، كما تسعى بكين إلى توسيع حضورها في قطاع الليثيوم البوليفي.

وفي الوقت نفسه، تسيطر شركات صينية مملوكة للدولة على أجزاء من شبكات توزيع الكهرباء في بيرو وتشيلي والبرازيل، بينما تواصل شركات مثل Huawei وZTE المشاركة في إنشاء وتوسيع البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شبكات الألياف الضوئية في مناطق استراتيجية.

وتقول أروستيكا إن «نموذج التنفيذ المرتبط بالصين يخلق هياكل اعتماد تتجاوز مجرد التمويل، لأنه يشمل التكنولوجيا والتشغيل والإدارة ضمن عقود طويلة الأجل، مع نقل محدود للقدرات المحلية».

وتحذر من أن البنية التحتية الحيوية، مثل الموانئ وشبكات الطاقة والنقل والاتصالات، ليست محايدة من الناحية الجيوسياسية، إذ إن التحكم بها وتشغيلها يمكن أن يحمل تداعيات مباشرة على الأمن القومي، من خلال التأثير في استمرارية الخدمات الأساسية وقدرة الدولة على الاستجابة للأزمات.

وأضافت: «ينبغي ألا تُدرس هذه المشروعات فقط من منظور التنمية الاقتصادية، بل أيضاً من زاوية مرونة الدولة وأمنها الاستراتيجي».

الديون واستقلالية القرار

ويستمر انتشار النموذج الصيني في أميركا اللاتينية في التأثير على آليات الإدارة الحكومية وصنع القرار الاستراتيجي. ووفقاً لتحليل نشرته منصة "فوكو" الباراغوية، فإن السرعة التي تُبرم بها الاتفاقيات الصينية وتُنفذ غالباً ما تكون مصحوبة بشروط مالية غير شفافة والتزامات طويلة الأجل تزيد من مستويات الاعتماد الاقتصادي لدى الدول المستفيدة.

وتُعد فنزويلا والإكوادور والأرجنتين من أكثر الدول تعرضاً مالياً للصين، وغالباً في إطار ترتيبات لا تُعلن تفاصيلها كاملة للرأي العام. وفي اقتصادات تعاني من ضغوط مالية مزمنة، يمكن لهذا الواقع أن يعمق الاختلال في موازين القوة داخل العلاقات الثنائية.

في المقابل، تمكنت باراغواي، التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع تايوان، من تجنب الانخراط الواسع في هذه الآليات التمويلية.

وترى أروستيكا أن التأثير الصيني «لا يقتصر على التمويل، بل يمتد إلى كامل دورة المشروع، من التصميم والبناء إلى التشغيل والصيانة. وعندما تتركز هذه المكونات في يد جهة خارجية واحدة، تتراجع قدرة الدولة على تنويع الموردين أو تعديل الشروط التعاقدية، ما يؤثر في الاستقلال التنظيمي والاستقلال التكنولوجي ومرونة البنية التحتية الحيوية».

وفي مواجهة هذه التحديات، تتعرض دول أميركا اللاتينية لضغوط متزايدة لتعزيز قدراتها التفاوضية والرقابية عند التعامل مع المشروعات المرتبطة بالصين. ويرى محللون أن ذلك يتطلب تشديد الرقابة الفنية، وتنويع الشركاء والموردين، وتعزيز الشفافية المؤسسية، وتحسين التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، بهدف تقليص مواطن الضعف الاستراتيجي وتجنب الوقوع في دوائر اعتماد طويلة الأمد.