هل ينجح العراق الزيدي في إعادة رسم معادلة التوازن؟

تقارير وملفات - Foresight

لم تكن الزيارتان اللتان أجراهما رئيس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي إلى واشنطن في 13 يوليو (تموز) 2026، ثم إلى طهران بعد عشرة أيام فقط، مجرد نشاط دبلوماسي اعتيادي لرئيس حكومة جديد يسعى إلى التعريف بنفسه لدى الشركاء الإقليميين والدوليين، بل مثلتا اختباراً مبكراً لمستقبل العراق في مرحلة تُعد الأكثر حساسية منذ عام 2003. فالعراق يقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات كبرى: انتهاء الوجود العسكري الأمريكي بصيغته التقليدية في سبتمبر (أيلول) 2026، واحتمالات انهيار التفاهم الأمريكي–الإيراني الذي أوقف القتال بين الطرفين في يونيو الماضي، ومحاولة بغداد استعادة دور الدولة بعد سنوات من هيمنة الفصائل المسلحة على القرار الأمني والسياسي.

لهذا لم تكن المسافة الزمنية القصيرة بين الزيارتين مصادفة، بل عكست محاولة عراقية واعية لإعادة تعريف موقع بغداد في خريطة التوازنات الإقليمية. فالحكومة الجديدة تدرك أن العراق لم يعد يحتمل سياسة الاصطفاف، كما لم يعد قادراً على الاستمرار كساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران.

واشنطن... بداية شراكة جديدة

جاءت زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة بدعوة مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما حمل في حد ذاته رسالة سياسية تتجاوز البروتوكول. فالولايات المتحدة تبدو معنية بإعادة صياغة علاقتها مع العراق بعد انتهاء وجودها العسكري، وتحويلها إلى شراكة استراتيجية تقوم على الأمن والاقتصاد والطاقة، بدلاً من الاعتماد على الانتشار العسكري المباشر.

وتكشف نتائج الزيارة أن واشنطن لا ترى في الزيدي مجرد رئيس حكومة جديد، وإنما شريكاً محتملاً في مشروع إعادة ترتيب التوازنات داخل العراق. فقد ركزت المباحثات على ثلاثة ملفات رئيسية: حصر السلاح بيد الدولة، وجذب الاستثمارات الأمريكية، وإعادة هيكلة البيئة الأمنية بما يقلص نفوذ الفصائل المسلحة.

وتدرك الإدارة الأمريكية أن نجاح أي مشروع اقتصادي في العراق لن يكون ممكناً ما لم يسبقه استقرار أمني حقيقي، وهو ما يفسر الترابط الذي يطرحه المبعوث الأمريكي توم باراك بين الأمن والاقتصاد. فكلما اقترب العراق من احتكار الدولة للسلاح، ازدادت فرص تدفق الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي.

كما أن فتح الحكومة العراقية ملفات الفساد، وإعادة النظر في موقع هيئة الحشد الشعبي داخل بنية الدولة، يعكس رغبة في بناء مؤسسات أكثر استقلالاً عن مراكز النفوذ التقليدية، وهي خطوات تنظر إليها واشنطن باعتبارها مؤشرات على إمكانية إعادة العراق إلى موقع الدولة القادرة على اتخاذ قرارها السيادي.

لماذا أقلقت الزيارة إيران؟

ردود الفعل الإيرانية كشفت حجم القلق الذي أثارته زيارة الزيدي إلى واشنطن. فلم يكن وصف مستشار المرشد الإيراني علي ولايتي الزيارة بأنها "وصمة عار" مجرد انتقاد سياسي، بل رسالة تعكس إدراك طهران أن العراق قد يكون بصدد إعادة صياغة علاقاته الخارجية بصورة تقلص من حجم النفوذ الإيراني الذي تراكم خلال العقدين الماضيين.

فالنفوذ الإيراني في العراق لم يكن قائماً فقط على العلاقات السياسية، بل على شبكة واسعة من الفصائل المسلحة والقوى الحزبية والاقتصادية التي جعلت العراق يمثل أحد أهم مرتكزات المشروع الإقليمي الإيراني. ومن هنا فإن أي انفتاح عراقي واسع على الولايات المتحدة يُقرأ في طهران باعتباره خصماً من هذا النفوذ، حتى وإن أعلنت بغداد أنها لا تستهدف إيران.

لكن المفارقة أن إيران، رغم اعتراضها، لم تغلق الباب أمام الزيدي، بل استقبلته بعد أيام قليلة من زيارته لواشنطن، في محاولة واضحة لاحتواء نتائجها وعدم ترك الساحة العراقية خالصة للولايات المتحدة.

طهران... إدارة الخلاف لا القطيعة

زيارة الزيدي إلى طهران حملت دلالة لا تقل أهمية عن زيارته إلى واشنطن. فهي أكدت أن بغداد لا تسعى إلى استبدال شريك بآخر، وإنما إلى إعادة تعريف علاقتها بالطرفين على قاعدة التوازن.

فعلى المستوى المعلن، ركزت الزيارة على التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والنقل والزراعة. أما على المستوى غير المعلن، فقد انصبت المناقشات على مستقبل العلاقة الثلاثية بين بغداد وواشنطن وطهران، واحتمالات انهيار التفاهم الأمريكي–الإيراني.

وتشير معطيات عديدة إلى أن الزيدي حاول تقديم بغداد باعتبارها منصة محتملة للحوار بين الطرفين، سواء عبر نقل الانطباعات التي خرج بها من واشنطن أو من خلال طرح أفكار عراقية لاحتواء التصعيد. وحتى إذا نفت الحكومة العراقية حمل رسائل مباشرة، فإن مجرد طرح بغداد كوسيط محتمل يعكس رغبتها في التحول من ساحة للصراع إلى طرف يسعى لإدارته.

غير أن هذا الدور يصطدم بواقع سياسي معقد، إذ لا تزال قطاعات داخل المؤسسة الإيرانية تشكك في قدرة الزيدي على لعب دور الوسيط، سواء بسبب حداثة تجربته السياسية أو بسبب استمرار تأثير الفصائل المسلحة في الداخل العراقي.

العراق... من ساحة صراع إلى دولة توازن؟

التحول الأهم الذي تعكسه تحركات الحكومة العراقية الجديدة هو محاولة الانتقال من منطق "التبعية" إلى منطق "التوازن". فالعراق يدرك أن القطيعة مع إيران ليست خياراً واقعياً بحكم الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية، كما أن الابتعاد عن الولايات المتحدة يعني خسارة شريك أساسي في مجالات الأمن والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة.

لهذا تبدو بغداد وكأنها تسعى إلى بناء سياسة خارجية متعددة المسارات، تقوم على تنويع الشراكات بدلاً من الارتهان لمحور واحد.

ولا يبدو أن هذا التوجه يزعج واشنطن بالكامل، كما لا يرفضه الإيرانيون بصورة مطلقة. فالولايات المتحدة تدرك أن العراق يحتاج إلى علاقات مستقرة مع إيران، لكنها تريد منع تحول هذه العلاقات إلى منصة تهدد مصالحها. وفي المقابل، تدرك طهران أن المحافظة على حد أدنى من التوازن العراقي قد يكون أقل كلفة من محاولة فرض الهيمنة الكاملة، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها حالياً.

التحدي الحقيقي

يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الزيدي القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع؟

الإجابة لا تتوقف على نجاحه في إدارة علاقاته الخارجية، بقدر ما تعتمد على قدرته في الداخل العراقي. فحصر السلاح بيد الدولة، وضبط الفصائل المسلحة، ومحاربة الفساد، واستعادة ثقة المستثمرين، كلها ملفات ستحدد ما إذا كان العراق سيخرج فعلاً من مرحلة الدولة المتأثرة بصراعات الآخرين إلى مرحلة الدولة القادرة على صياغة مصالحها بنفسها.

وفي المقابل، فإن أي انهيار للتفاهم الأمريكي–الإيراني، أو عودة المواجهة العسكرية المباشرة في الخليج، سيضع بغداد أمام اختبار بالغ الصعوبة، لأن العراق سيكون أول المتأثرين أمنياً واقتصادياً وسياسياً.

معادلة جديدة

تكشف زيارتا الزيدي إلى واشنطن وطهران أن العراق يحاول للمرة الأولى منذ سنوات طويلة إعادة تموضعه الإقليمي بعيداً عن سياسة المحاور الصلبة. فالهدف لا يبدو الانحياز إلى الولايات المتحدة ضد إيران، ولا البقاء في دائرة النفوذ الإيراني على حساب واشنطن، وإنما بناء معادلة أكثر استقلالية تمنح بغداد هامشاً أوسع للمناورة.

لكن نجاح هذه المعادلة سيظل مرهوناً بعاملين حاسمين: قدرة الحكومة على فرض سيادة الدولة في الداخل، وقدرتها على منع الصراع الأمريكي–الإيراني من العودة إلى الأراضي العراقية. فإذا نجحت في ذلك، فقد يكون العراق بصدد استعادة دوره لاعباً إقليمياً مؤثراً. أما إذا فشلت، فسيظل ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى، كما كان طوال العقدين الماضيين.