النزوح الأفريقي عبر الحدود وحشد 30 يونيو في جنوب أفريقيا
أثارت الاحتجاجات المناهضة للهجرة التي شهدتها جنوب أفريقيا في يونيو 2026 موجة واسعة من التعليقات والتحليلات بشأن العدالة الأهلية، والنظام الدستوري، والانتهازية السياسية. غير أن جانبًا كبيرًا من هذه التحليلات ظل محصورًا في الإطار الداخلي لجنوب أفريقيا. فالذين فروا أو لجأوا إلى مراكز الإيواء أو اصطفوا في طوابير للعودة إلى بلدانهم خلال الأسابيع التي سبقت الموعد النهائي في 30 يونيو، لم يكونوا مجرد أطراف سلبية في المشهد السياسي الجنوب أفريقي، بل كانوا جزءًا من منظومة أوسع للحركة السكانية الإقليمية، تشكلت بفعل التفاوت في مستويات التنمية، والاختناقات الإدارية، وضعف المؤسسات القارية. ومن ثم، فإن تحليل الأزمة من زاوية النظام العام في جنوب أفريقيا وحده يعني إغفال دلالاتها الهيكلية الأوسع.
ضغوط سوق العمل وسوء إسناد الأسباب
لا شك أن الضغوط التي يعانيها سوق العمل في جنوب أفريقيا حقيقية وقابلة للاشتعال سياسيًا. فقد بلغ معدل البطالة الموسع 43.7% في الربع الأول من عام 2026، مع وجود أكثر من 8.1 ملايين شخص بلا عمل. ومن الطبيعي أن يولد ذلك حالة من الإحباط المجتمعي. لكن ارتفاع معدلات البطالة بهذا الشكل لا يعني أن المهاجرين هم السبب الرئيس وراءها.
فقد توصل باحثون في جامعة ويتواترسراند إلى أنه حتى في حال مغادرة جميع الرعايا الأجانب للبلاد، فإن معدل البطالة لن ينخفض سوى ست نقاط مئوية، من 43.6% إلى 37.6%. كما أظهرت بيانات هيئة الإحصاء في جنوب أفريقيا، التي عُرضت أمام البرلمان، أن الأشخاص المولودين خارج البلاد تزيد احتمالات توظيفهم بمقدار الضعف مقارنة بالمواطنين المولودين داخلها، إذ بلغ معدل استيعابهم في سوق العمل 64% مقابل 37.7% للمواطنين المحليين. وبدلًا من البحث في الأسباب التي تدفع أصحاب العمل إلى تفضيل العمال الأجانب، جاء رد الحكومة في صورة تشديد لإجراءات إنفاذ القانون.
ويزيد توقيت موجة التصعيد في عام 2026 من تعقيد هذه الصورة. فوفقًا لبيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، شهد يوم 30 يونيو وحده قرابة 100 مظاهرة، ليرتفع إجمالي مظاهرات يونيو إلى ما لا يقل عن 150 مظاهرة، متجاوزًا بذلك العدد الإجمالي للمظاهرات المناهضة للمهاجرين خلال الاثني عشر شهرًا السابقة مجتمعة. ومنذ عام 2022، ارتبط ما لا يقل عن 148 حالة وفاة بهجمات استهدفت المهاجرين.
ولم يكن ذلك مجرد انفجار عفوي للغضب الشعبي؛ إذ ربطت تحليلات عدة هذه الموجة مباشرة بانتخابات الحكومات المحلية المقرر إجراؤها في نوفمبر. وهكذا، بدت التعبئة المناهضة للمهاجرين أقل باعتبارها رد فعل اجتماعيًا، وأكثر باعتبارها استراتيجية سياسية لإعادة توجيه الغضب الانتخابي، ساعدت على تغذيتها، جزئيًا، حملات تضليل عبر تطبيق «واتساب»، تضمنت توزيع منشورات صُممت لتبدو وكأنها إخطارات ترحيل رسمية صادرة عن الحكومة.
ويتطلب تقييم حجم الهجرة ذاته قدرًا من الانضباط المفاهيمي. فقد كان يعيش في جنوب أفريقيا عام 2022 نحو 2.4 مليون شخص مولودين خارج البلاد، يمثلون قرابة 3.9% من إجمالي السكان، مقارنة بنحو 958 ألفًا عام 1996. صحيح أن الهجرة قد ازدادت، لكن البلاد لم تشهد «استحواذًا ديموغرافيًا». ومن ثم، ينبغي رفض أي حجة تستند إلى تقديرات سكانية غير رسمية ومبالغ فيها إلى حد كبير، باعتبارها تفتقر إلى الأساس المنهجي السليم.
الإعادة الطارئة إلى الوطن بوصفها مؤشرًا على هشاشة المؤسسات الإقليمية
ما جرى قبيل 30 يونيو لم يكن إدارة منظمة للهجرة، بل استجابة طارئة لأزمة متفاقمة. فقد بدأت غانا عمليات العودة الطوعية لمواطنيها في أواخر مايو، وسجل أكثر من 800 مواطن أسماءهم للإجلاء. كما أعادت نيجيريا دفعة أولى تضم 262 شخصًا، في حين سجل أكثر من ألف نيجيري أسماءهم للعودة.
وتثير عودة المواطنين النيجيريين من جنوب أفريقيا سؤالًا يستحق أكثر من مجرد إشارة عابرة. فنيجيريا هي، من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، أكبر اقتصاد في أفريقيا، ومع ذلك بلغ معدل بطالة الشباب فيها 53% عام 2025، وفقًا لتقرير «حالة الشباب النيجيري».
أما حالة مالاوي، فقد كشفت حجم الضغوط بأوضح صورة؛ إذ اصطف ما يُقدَّر بنحو عشرة آلاف مالاوي في موقع مؤقت بالقرب من ديربان، حيث أدت التأخيرات في إجراءات المعالجة إلى اندلاع احتجاجات منفصلة بينهم.
وأعادت جنوب أفريقيا 2,745 أجنبيًا إلى بلدانهم خلال أسبوع واحد فقط في منتصف يونيو، كما أنهت إجراءات 15,162 مواطنًا مالاويًا بحلول 25 يونيو. وبحلول 30 يونيو، تجاوز عدد الذين أُعيدوا إلى بلدانهم 25 ألف شخص. وانضمت كينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى قائمة الدول التي طلبت تنظيم عودة طوعية لمواطنيها.
هذه المؤشرات الإدارية تعكس ملامح عملية إجلاء طارئة، لا منظومة حوكمة إقليمية فعالة. فبروتوكول الاتحاد الأفريقي بشأن حرية تنقل الأشخاص، الذي صُمم لتوفير أساس قانوني لإدارة أفضل لحركة السكان على مستوى القارة، لم تصدق عليه، حتى عام 2025، سوى أربع دول، وهو عدد يقل كثيرًا عن الحد المطلوب لدخوله حيز التنفيذ.
وقد كشفت أزمة يونيو 2026 مجددًا عن تناقض مألوف: فأسواق العمل الأفريقية مترابطة إقليميًا، في حين تظل حوكمة التنقل والهجرة في القارة ضعيفة من الناحية القانونية ومحدودة التنفيذ سياسيًا. وهكذا، يستمر المهاجرون في التحرك داخل منظومات تتأرجح بين الإهمال والتجريم والاستجابة الطارئة للأزمات.
الأضرار الإنسانية بعيدًا عن مشهد الاحتجاجات
أدى التركيز العام على أعداد الاحتجاجات وانتشار قوات الشرطة إلى خطر حجب الأضرار التراكمية التي سبقت تلك المظاهرات. فقد أفادت موزمبيق بمقتل خمسة من مواطنيها قبل نهاية مايو. وبحلول 30 يونيو، كان أربعة أشخاص على الأقل قد لقوا حتفهم خلال الفترة التي سبقت الاحتجاجات.
وكان من بينهم بشيرو إسحاق، وهو خياط غاني يبلغ من العمر 40 عامًا وأب لثلاثة أطفال، قُتل بالرصاص داخل متجره في خايليتشا يوم 30 يونيو، وفق ما أكدته وزارة الخارجية الغانية. ولم يكن إسحاق مهاجرًا غير نظامي. كما أفادت وكالة «رويترز» بأن كثيرًا من الأشخاص الذين تعرضوا للاستهداف «يحملون وثائق قانونية وأقاموا حياة مستقرة في البلاد».
وأُلقي القبض على أكثر من 900 شخص في 30 يونيو، لم يكن من بينهم سوى نحو 300 مهاجر غير نظامي، في حين اعتُقل الباقون على خلفية أعمال نهب وعنف وتحريض. ومنذ بداية عام 2026، أُلقي القبض على أكثر من 40 ألف مواطن أجنبي.
وتوثق سجلات «Xenowatch»، منذ عام 1994، قرابة 700 حالة وفاة، وتشريد 128 ألف شخص، ونهب أكثر من 5,600 منشأة تجارية في هجمات معادية للأجانب، وسط معدل ملاحقات قضائية متدنٍ إلى حد يمكن اعتباره إفلاتًا فعليًا من العقاب.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى أحداث يونيو 2026 باعتبارها انفجارًا منعزلًا للغضب، بل بوصفها أحدث حلقات دورة متكررة يتحول فيها المهاجرون إلى كبش فداء متاح سياسيًا خلال فترات الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
ضغوط دول المنشأ وصناعة الهجرة
الهجرة إلى جنوب أفريقيا ليست ظاهرة عشوائية، بل هي نتاج تفاوتات مستمرة في الفرص والأمن وقدرات الحوكمة بين دول المنطقة. فقد بلغ صافي معدل الهجرة في زيمبابوي سالب 60,528 شخصًا عام 2024، في حين حصل 35,938 عاملًا في القطاع الصحي على تأشيرات دخول إلى المملكة المتحدة خلال عام واحد. أما أولئك الذين لا تتاح لهم فرصة الحصول على تأشيرة بريطانية، فتبقى جنوب أفريقيا وجهتهم الافتراضية.
أما نيجيريا، أكبر اقتصادات أفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، فتواجه معدل بطالة بين الشباب يبلغ 53%، ويعيش فيها 82.9 مليون شخص تحت وطأة الفقر. فكبر حجم الناتج المحلي الإجمالي لا يؤدي بالضرورة إلى توزيع الفرص على نطاق واسع عندما تكون قدرة الدولة على تقديم الخدمات والاستجابة للاحتياجات بهذا القدر من المحدودية.
ورغم أوجه الخلل التي تعانيها جنوب أفريقيا، فإنها توفر عوائد وفرصًا للعمالة الماهرة وشبه الماهرة لا تتوافر داخل نيجيريا بمعدلات مماثلة. ومن ثم، فإن هجرة النيجيريين جنوبًا ليست مفارقة جغرافية، بل نتيجة متوقعة لفشل توزيع ثمار النمو الاقتصادي الكلي.
ويؤكد سجل جنوب أفريقيا في الترحيل استمرار هذه الحلقة. فقد رحّلت وزارة الشؤون الداخلية 57,784 شخصًا خلال السنة المالية 2025-2026، بزيادة قدرها 46% خلال عامين. ومع ذلك، لم تنخفض أعداد الوافدين بطرق غير نظامية بالقدر نفسه.
الطريق إلى الأمام
يصعب تجاهل التوقيت السياسي للأزمة. فقد ربطت تقارير عدة صدرت في يونيو 2026 بين صعود حركة «March & March» وغيرها من التشكيلات ذات الصلة وبين اقتراب الانتخابات البلدية في جنوب أفريقيا في وقت لاحق من العام.
ولا يعني ذلك أن كل من شارك في التحركات المناهضة للمهاجرين كان مدفوعًا باعتبارات انتخابية. لكنه يعني أن الفاعلين السياسيين الانتهازيين كانت لديهم حوافز لتحويل حالة الإحباط الاجتماعي والاقتصادي المنتشرة إلى عدو واضح ومحدد يمكن توجيه الغضب نحوه.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الأدلة المتاحة تدعم صياغة أكثر حدة مما طُرح في البداية: فالتعبئة المناهضة للمهاجرين لم تكن مجرد رد فعل اجتماعي عفوي، بل كانت أيضًا أداة سياسية لإعادة توجيه الغضب.
وإذا كان هذا التشخيص صحيحًا، فلا يمكن أن تقتصر الاستجابة الإقليمية على موجات الترحيل وعمليات الإجلاء المؤقتة. بل تتطلب، على الأقل، ثلاثة مسارات رئيسة:
أولًا، تحتاج جنوب أفريقيا إلى مسارات أكثر مصداقية لتسوية أوضاع المهاجرين وتوثيق إقامتهم، بحيث لا يؤدي الهشاش الإداري والقانوني إلى تغذية ممارسات إنفاذ القانون خارج إطار الدولة.
ثانيًا، يتعين على المؤسسات الإقليمية تجاوز الالتزامات الخطابية والعمل على بناء أطر قانونية فعالة لتنظيم حركة السكان، بما يحد من المساحات التي تنشط فيها شبكات تهريب البشر ويستغلها الانتهازيون السياسيون.
ثالثًا، ينبغي التعامل مع أزمات دول المنشأ باعتبارها جزءًا من منظومة حوكمة الهجرة، لا باعتبارها قضية منفصلة عنها. فقد أظهرت أزمة يونيو 2026 أنه عندما تغيب الحوكمة الإقليمية، لا تختفي حركة الهجرة، بل تعود لتظهر في صور أخرى تتمثل في الإكراه والذعر والتوترات الدبلوماسية.
تمثل جنوب أفريقيا، في هذه اللحظة، حالة اختبار حاسمة. فهي تمتلك واحدًا من أكثر الأطر الدستورية تقدمًا في القارة، وشبكة كثيفة من المؤسسات البحثية القادرة على تصميم سياسات تستند إلى الأدلة، كما تتمتع، إذا اختارت توظيفها، بنفوذ حقيقي في صياغة المعايير الإقليمية من خلال مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (SADC) والاتحاد الأفريقي.
وسيتوقف على ما إذا كانت جنوب أفريقيا ستوظف هذه الإمكانات لبناء إطار إقليمي حقيقي لحوكمة الهجرة، أم ستواصل الدوران في حلقة متكررة من إنفاذ القانون والأزمات والإعادة إلى الوطن، ليس فقط مصير الموجة المقبلة من المهاجرين المالاويين الذين قد يجدون أنفسهم مجددًا في قاعات مجتمعية للإيواء في مقاطعة كيب الغربية، بل أيضًا مسار حوكمة التنقل والهجرة داخل القارة الأفريقية لجيل كامل.
