بث تجريبي

هدنة بلا استقرار: لماذا يعود التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان رغم اتفاقات وقف إطلاق النار؟

تقارير وملفات - مارتن رينولدز
مارتن رينولدز
سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا

تكشف الاشتباكات الأخيرة بين الجيش الإسرائيلي وأحد المسلحين في جنوب لبنان، والتي أسفرت عن إصابة أربعة جنود إسرائيليين، بالتزامن مع الغارات الجوية التي استهدفت محيط النبطية الفوقا، أن المشهد الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية لا يزال بعيدًا عن الاستقرار، رغم سلسلة اتفاقات وقف إطلاق النار التي أُعلنت خلال الأشهر الماضية. فالهدنة الحالية تبدو أقرب إلى "إدارة للصراع" منها إلى إنهائه، إذ تتكرر حوادث الاشتباك والضربات الجوية بصورة تؤكد أن البيئة الأمنية لم تشهد تحولًا استراتيجيًا، وإنما انتقلت من حرب واسعة النطاق إلى مواجهة منخفضة الحدة، قابلة للتصعيد في أي لحظة.

الاشتباكات البرية... مؤشر على هشاشة الوضع الميداني

تحمل إصابة أربعة جنود إسرائيليين، بينهم ضابطان، دلالات تتجاوز الخسائر البشرية المحدودة، إذ تشير إلى أن القوات الإسرائيلية التي تنتشر داخل أجزاء من جنوب لبنان لا تزال تواجه تهديدات مباشرة من عناصر مسلحة قادرة على تنفيذ عمليات اشتباك قريبة، رغم التفوق العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي.

ويعكس هذا التطور أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة الأمنية الكاملة، خاصة في بيئة معقدة مثل جنوب لبنان، حيث تمتلك الجماعات المسلحة خبرة طويلة في حرب العصابات، والاستفادة من الطبيعة الجغرافية، وشبكات الدعم المحلية. ومن ثم، فإن أي انتشار بري إسرائيلي يظل معرضًا لعمليات استنزاف متقطعة، حتى في ظل غياب معارك واسعة النطاق.

كما تكشف هذه الحوادث أن إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحقيق أحد أهدافها الأساسية، وهو منع أي نشاط مسلح بالقرب من الحدود الشمالية، الأمر الذي يبقي قواتها في حالة استنفار دائم ويزيد من كلفة استمرار الانتشار العسكري.

الضربات الجوية... استراتيجية الردع المستمر

في المقابل، جاءت الغارات الجوية على أطراف بلدة النبطية الفوقا لتؤكد أن إسرائيل لا تزال تعتمد سياسة "الردع بالنار"، والتي تقوم على تنفيذ ضربات استباقية أو ردعية فور وقوع أي تهديد ميداني، بهدف منع الجماعات المسلحة من إعادة تنظيم قدراتها أو تثبيت مواقع جديدة.

غير أن استمرار هذه الضربات، حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار أكثر من مرة، يعكس تحولًا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية من الالتزام الصارم بالهدنة إلى تبني مفهوم "الهدوء المشروط". فتل أبيب تعتبر أن وقف إطلاق النار لا يلغي حقها في تنفيذ عمليات عسكرية متى رأت أن هناك تهديدًا مباشرًا أو محتملًا لأمنها، وهو ما يجعل الهدنة بطبيعتها هشة وقابلة للاهتزاز مع أي حادث أمني.

وتحاول إسرائيل من خلال هذه السياسة فرض معادلة جديدة، تقوم على حرية الحركة الجوية والاستخباراتية داخل العمق اللبناني، بما يمنع خصومها من استعادة قدراتهم العسكرية، حتى وإن كان ذلك يعني استمرار التوتر بصورة شبه دائمة.

لماذا تنهار اتفاقات وقف إطلاق النار؟

تكشف التطورات الأخيرة أن اتفاقات وقف إطلاق النار لم تعالج جذور الصراع، بل اكتفت بتجميد العمليات العسكرية الواسعة. ولذلك فإن أي حادث ميداني محدود سرعان ما يتحول إلى مبرر لاستئناف الضربات أو العمليات العسكرية.

وتعود هشاشة هذه الاتفاقات إلى عدة عوامل رئيسية. أولها غياب آليات رقابة وتنفيذ فعالة تضمن التزام جميع الأطراف ببنود الهدنة. وثانيها استمرار التداخل بين الاعتبارات العسكرية والسياسية، حيث يستخدم كل طرف العمليات المحدودة لتعزيز موقفه التفاوضي أو لإرسال رسائل ردع للطرف الآخر. أما العامل الثالث فيتمثل في تعدد الفاعلين على الساحة اللبنانية، ما يجعل السيطرة الكاملة على جميع التحركات المسلحة أمرًا بالغ الصعوبة.

لذلك، فإن وقف إطلاق النار الحالي يبدو أقرب إلى "تجميد مؤقت للقتال" منه إلى تسوية أمنية مستدامة، وهو ما يفسر سرعة انهياره بعد أيام قليلة من الإعلان عنه.

إسرائيل بين الاستنزاف والحسم

رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، فإن استمرار الاشتباكات البرية يطرح تساؤلات حول جدوى الاحتفاظ بقوات داخل مناطق جنوب لبنان لفترات طويلة. فالتجارب السابقة، سواء خلال الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان قبل عام 2000 أو خلال المواجهات اللاحقة، أظهرت أن الانتشار البري طويل الأمد يتحول تدريجيًا إلى عامل استنزاف، يمنح الجماعات المسلحة فرصًا متكررة لتنفيذ عمليات محدودة ذات تأثير نفسي وسياسي يفوق حجمها العسكري.

وفي المقابل، تدرك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن الانسحاب الكامل قد يُفسر باعتباره تراجعًا عن أهداف الحرب، بما يمنح خصومها فرصة لتقديم ذلك بوصفه انتصارًا سياسيًا. ومن ثم، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تسعى للحفاظ على الضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.

لبنان بين الضغوط الأمنية والواقع السياسي

على الجانب اللبناني، تضع هذه التطورات الدولة أمام تحديات متزايدة، إذ يؤدي استمرار الغارات الإسرائيلية إلى تعميق الأضرار الاقتصادية والإنسانية في الجنوب، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة.

كما أن استمرار العمليات العسكرية يحد من قدرة السلطات اللبنانية على بسط سيادتها الكاملة على المناطق الحدودية، ويُبقي الملف الأمني مرتبطًا بالتوازنات الإقليمية أكثر من ارتباطه بالقرار الداخلي اللبناني.

وفي الوقت نفسه، فإن أي تصعيد جديد يهدد بإضعاف فرص إعادة الإعمار وعودة السكان إلى المناطق المتضررة، ويجعل الجنوب اللبناني يعيش حالة من اللاسلم واللاحرب، وهي بيئة تزيد من احتمالات تجدد المواجهات.

البعد الإقليمي... جبهة لم تُغلق بعد

لا يمكن فصل التصعيد في جنوب لبنان عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالجبهة اللبنانية ما تزال تمثل إحدى أهم ساحات الضغط المتبادل بين إسرائيل ومحور المقاومة، كما أن وتيرة العمليات تتأثر بمسار التوترات في ملفات أخرى، سواء في قطاع غزة أو في العلاقات الإيرانية الإسرائيلية أو في التحركات الأمريكية بالمنطقة.

ومن ثم، فإن أي تصعيد في إحدى هذه الساحات قد ينعكس سريعًا على الحدود اللبنانية، بما يجعل استقرارها رهينًا بمعادلات إقليمية تتجاوز الحسابات المحلية.

مستقبل الهدنة... إدارة للصراع لا تسوية له

تشير المعطيات الحالية إلى أن جنوب لبنان يدخل مرحلة جديدة عنوانها "الصراع منخفض الحدة"، حيث تستمر الاشتباكات المحدودة والضربات الجوية والعمليات الموضعية دون الوصول إلى حرب شاملة أو سلام مستدام.

وتبدو إسرائيل حريصة على إبقاء الضغط العسكري لمنع إعادة بناء القدرات القتالية لخصومها، بينما تسعى الجماعات المسلحة إلى إثبات قدرتها على استنزاف القوات الإسرائيلية وإبقاء الجبهة الشمالية مصدر قلق دائم.

وفي ضوء هذه المعادلة، فإن اتفاقات وقف إطلاق النار لن تكون كافية لإنتاج استقرار حقيقي ما لم تُترجم إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر شمولًا، تتضمن آليات رقابة فعالة، وضمانات دولية، ومعالجة للأسباب البنيوية التي تجعل الحدود اللبنانية الإسرائيلية إحدى أكثر بؤر التوتر قابلية للاشتعال في الشرق الأوسط. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الهدنة مجرد أداة لإدارة الصراع، لا لإنهائه.