لماذا قد تعترف واشنطن أخيرًا بأرض الصومال؟
يشير اللقاء الذي جمع رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله واللواء كلود ك. تيودور الابن، قائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في أفريقيا (SOCAFRICA)، لبحث التعاون الأمني والمصالح الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي، إلى أن احتمال اعتراف الولايات المتحدة بأرض الصومال قد أصبح أكبر من أي وقت مضى. ومع استمرار الأزمة في إيران وما ترتب عليها من حالة عدم يقين بشأن مضيق هرمز، بما يواصل إرباك التجارة والأمن العالميين، لم تعد الشراكة الأمريكية مع أرض الصومال مجرد احتمال دبلوماسي، بل باتت ضرورة جيوسياسية.
ومنذ إعلان استقلالها عن الصومال عام 1991، عملت أرض الصومال كدولة مستقلة بحكم الأمر الواقع، من دون أن تحظى باعتراف دولي. وعلى الرغم من احتفاظها بمؤسسات ديمقراطية، وضمانها قدرًا من الاستقرار الداخلي، وممارستها سيطرة فعلية على أراضيها، فإن أي دولة لم تكن قد اعترفت بها رسميًا. وبدأ هذا الوضع في التغير عندما أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا بأرض الصومال في ديسمبر/كانون الأول 2025. ورغم أن أرض الصومال أقامت في السابق علاقات دبلوماسية مع تايوان وإثيوبيا، فإن أيًا منهما لم يصل إلى مستوى الاعتراف الرسمي. إلا أن التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تخلق ظروفًا يمكن أن تزيد بصورة جوهرية من أهمية أرض الصومال، وقد تدفع واشنطن أيضًا إلى الاعتراف بها.
الأهمية الجغرافية لأرض الصومال بالنسبة إلى الولايات المتحدة
تحولت الأزمة في إيران، التي بدأت على خلفية البرنامج النووي الإيراني، تدريجيًا إلى مواجهة أوسع حول الهيمنة البحرية في منطقة الشرق الأوسط. وبينما لا يزال مضيق هرمز يمثل مركز الثقل، فإن الصراع يتحرك بصورة متزايدة باتجاه مضيق باب المندب.
ويُعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط خليج عدن بالبحر الأحمر. ويمر عبره ما يقرب من 12% من التجارة العالمية، بما في ذلك ملايين براميل النفط. وبالتالي، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق سيؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن وأقساط التأمين واستهلاك الوقود وتكاليف سلاسل الإمداد، كما حدث خلال أزمة الملاحة في البحر الأحمر عامي 2024 و2025.
ويتمثل المصدر الرئيسي لهذا التهديد في الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. فعلى مدى العامين الماضيين، نجح الحوثيون في تحويل الإكراه البحري إلى أداة فعالة للتأثير الجيوسياسي. وبفضل امتلاكهم صواريخ باليستية مضادة للسفن، وطائرات مسيرة، وألغام بحرية، وقدرات متقدمة على المراقبة والاستطلاع، مدعومة من إيران، استهدف التنظيم مرارًا سفن الشحن التجارية في البحر الأحمر.
والآن، يبدو احتمال أن يتمكن الحوثيون في نهاية المطاف من التحكم في حركة الملاحة البحرية أو فرض رسوم عبور عبر باب المندب أكثر واقعية من أي وقت مضى. ومن ثم، لدى واشنطن مصلحة استراتيجية في الحفاظ على حرية الملاحة عبر باب المندب. غير أن ضمان الوصول الآمن إلى البحر الأحمر سيتطلب شركاء إقليميين موثوقين، قادرين على دعم عمليات عسكرية ولوجستية مستدامة. وفي هذا السياق تحديدًا، تبرز أرض الصومال باعتبارها شريكًا استراتيجيًا تزداد جاذبيته.
وتتمتع أرض الصومال بواحد من أكثر المواقع الجغرافية ملاءمة استراتيجيًا في المنطقة. فهي تمتد لأكثر من 850 كيلومترًا على طول خليج عدن، وتشرف على واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا، والذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط. ويتمثل أهم أصولها الاستراتيجية في ميناء بربرة.
وخلال العقد الماضي، شهد ميناء بربرة عمليات تحديث واسعة، حولته إلى واحد من أكثر الموانئ العميقة قدرة على استيعاب السفن في الساحل الشرقي لأفريقيا. كما جرى تحديث المطار المجاور، الذي أُنشئ في الأصل خلال الحرب الباردة، وأصبح قادرًا على استيعاب طائرات عسكرية كبيرة. وتوفر هذه المنشآت مجتمعة مركزًا لوجستيًا مثاليًا للانتشار البحري وعمليات الاستخبارات والمراقبة البحرية.
ومن المنظور العسكري الأمريكي، يوفر ميناء بربرة العديد من المزايا العملياتية. إذ يمكن للسفن البحرية المشاركة في تأمين باب المندب إعادة التزود بالإمدادات من دون الاعتماد حصريًا على المنشآت الموجودة في جيبوتي. كما يمكن للطائرات التي تنفذ عمليات مراقبة فوق اليمن أو مهامًا ضد الحوثيين العمل من موقع أقرب بكثير إلى مسرح العمليات. وعلاوة على ذلك، فإن توسيع الوجود الأمريكي في بربرة من شأنه أن ينوع البصمة العسكرية لواشنطن في القرن الأفريقي، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا.
أرض الصومال كقوة موازنة استراتيجية للصين
تزداد أهمية بربرة عندما ننظر إليها في سياق اتساع النفوذ الإقليمي للصين. فقد عززت بكين بصورة مطردة موقعها الاستراتيجي من خلال قاعدتها العسكرية في جيبوتي، واستثماراتها الواسعة في البنية التحتية، وانخراطها السياسي المتزايد مع الصومال.
وقد تستخدم الصين قيود المجال الجوي كأداة لعزل أرض الصومال. فقد حاولت بكين مؤخرًا منع الرئيس التايواني من السفر إلى إسواتيني عبر تقييد استخدام الطائرات التايوانية للمسارات الجوية التي تمر عبر الدول المجاورة. ويمكن أن تمثل واقعة إسواتيني تحذيرًا بشأن الطريقة التي قد تسعى بها بكين إلى استخدام القيود على المجال الجوي للحد من انخراط تايوان مع الدول الأخرى.
وقد تُستخدم إجراءات تشمل تقييد الطائرات التي تقل مسؤولين أمريكيين، وتشديد القيود على منح التأشيرات، ومحاولات الحد من انخراط أرض الصومال دوليًا، كأدوات للضغط الجيوسياسي، بما يقيد قدرة الولايات المتحدة على الوصول إلى أرض الصومال.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمكن أن يؤدي الاعتراف بأرض الصومال إلى مواجهة النفوذ الصيني في المنطقة بطرق متعددة. ففي عام 2020، أقامت أرض الصومال علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، رغم المعارضة الشديدة من جانب بكين. وأفادت تقارير بأن الصين حاولت إقناع أرض الصومال بالتراجع عن قرارها من خلال تقديم حوافز مالية كبيرة، إلا أن هرجيسا تحدت الضغوط الصينية.
ومنذ ذلك الحين، اتجهت أرض الصومال بصورة متزايدة نحو شركاء مثل تايوان والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، في الوقت الذي قاومت فيه الضغوط السياسية الصينية. ومن منظور واشنطن، تمثل أرض الصومال أحد الأطراف القليلة ذات التوجه المؤيد بوضوح للغرب في منطقة لم يترسخ فيها النفوذ الصيني بصورة كاملة بعد.
وتعزز الاعتبارات الاقتصادية الحجة الاستراتيجية أيضًا. إذ تمتلك أرض الصومال احتياطيات كبيرة غير مستغلة من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، وهي موارد تزداد أهميتها مع سعي الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على سلاسل الإمداد التي تسيطر عليها الصين. ويمكن أن يفتح الاعتراف الأمريكي الباب أمام شركات غربية للعمل في مجالات التعدين والخدمات اللوجستية والبنية التحتية. ومع تكثيف واشنطن جهودها لتنويع سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الاستراتيجية، يمكن أن تبرز أرض الصومال باعتبارها شريكًا بديلًا مهمًا.
مبررات الاعتراف الأمريكي بأرض الصومال
يمثل مكافحة الإرهاب عاملًا آخر ذا أهمية كبيرة. فعلى الرغم من أن غالبية سكان أرض الصومال مسلمون، فإنها رفضت باستمرار التطرف الإسلامي. وعلى خلاف الصومال المجاورة، التي لا تزال تكافح ضد حركة الشباب المسلحة، تمتعت أرض الصومال بدرجة نسبية من الاستقرار.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يوفر ذلك فرصة شبيهة بالشراكات التي أقامتها واشنطن سابقًا مع قوى محلية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط. فبدلًا من الاعتماد حصريًا على حكومات مركزية هشة، عملت واشنطن بصورة متزايدة مع أطراف محلية قادرة تتشارك معها أهدافًا أمنية مشتركة. وتجعل المؤسسات الأمنية والاستقرار السياسي في أرض الصومال منها شريكًا محتملًا ذا قيمة في عمليات مكافحة الإرهاب في مختلف أنحاء القرن الأفريقي.
وإذا استمر الصراع المحيط بإيران في التوسع غربًا، وأصبح باب المندب الساحة الرئيسية التالية للمنافسة الجيوسياسية، فستحتاج الولايات المتحدة إلى شركاء موثوقين يتمركزون في قلب هذا المسرح البحري الناشئ.
وتوفر أرض الصومال مزايا جغرافية، واستقرارًا سياسيًا، وقيمة عسكرية، وإمكانات للتعاون في مكافحة الإرهاب، وموارد محتملة من المعادن الحيوية، وتوافقًا مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة كل من إيران والصين.
وبالنظر إلى التطورات الراهنة في المنطقة، يبدو أن احتمال اعتراف الولايات المتحدة بأرض الصومال أصبح متزايدًا بصورة واضحة.
