فى خضم الصراع المشتعل فى الشرق الأوسط، لم تعد المعارك تُخاض بالمدافع والطائرات والصواريخ والقنابل وحدها، بل امتدت إلى ميادين السياسة والإعلام والاقتصاد، حيث تدور معركة أخرى أكثر تعقيدًا، عنوانها استدراج قوى إقليمية جديدة إلى دائرة المواجهة، وفى مقدمة تلك القوى تقف مصر، الدولة التى يستحيل تجاوزها فى أى معادلة تخص أمن المنطقة أو مستقبلها.
فمصر ليست مجرد دولة كبيرة من حيث عدد السكان، بل هى قوة إقليمية تمتلك جيشًا يعد من أقوى جيوش المنطقة، وتشرف على أهم ممر ملاحى عالمى، قناة السويس، التى تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة الدولية، فضلًا عن دورها التاريخى فى القضايا العربية، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية. لذلك، فإن أى تغيير فى الموقف المصرى كفيل بإعادة رسم موازين القوى، وترجيح كفة طرف على حساب آخر.
لهذا، لم يكن مستغربًا أن تتعرض القاهرة، خاصة منذ اندلاع الحرب فى غزة، لضغوط واستفزازات متلاحقة، كان أخطرها محاولات فرض واقع جديد عبر الترويج لخطط تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء، وتحميل مصر مسؤولية الأزمة الإنسانية الناجمة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم أن جذور الأزمة تكمن فى استمرار الحرب وما خلفته من دمار واسع طال المدنيين والبنية التحتية،
وزادت حدة التوتر مع سيطرة القوات الإسرائيلية على محور فيلاديلفيا، فضلًا عن حوادث أمنية مؤسفة، وكانت هذه الوقائع كفيلة بإشعال مواجهة عسكرية واسعة لو أن القاهرة اختارت الانفعال بدلًا من الحكمة.
لكن مصر سلكت طريقًا مختلفًا، فقد فضلت ضبط النفس، وتعاملت مع التطورات بمنطق الدولة التى تدرك أن الحفاظ على الأمن القومى لا يكون بالاندفاع، وإنما بحسابات دقيقة توازن بين الردع والمسؤولية، وفى الوقت نفسه، واصلت جهودها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، ودفعت نحو التهدئة، وسعت إلى تقريب وجهات النظر، انطلاقًا من قناعتها بأن استمرار الحرب لن يحقق أمنًا حقيقيًا لأى طرف، بل سيزيد المنطقة اشتعالًا.
ورغم هذا النهج، لاتزال المنطقة حبلى بالمفاجآت، فهناك أطراف ترى أن توسيع نطاق الصراع قد يخدم مصالحها السياسية أو العسكرية، وتسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ فى الشرق الأوسط، ولو كان الثمن إدخال دول جديدة فى أتون الحرب. من هنا، تبقى مصر هدفًا لمحاولات الاستدراج، سواء عبر الضغوط المباشرة أو من خلال أحداث أمنية قد تثير كثيرًا من علامات الاستفهام، ولعل ما أثير أخيرًا بشأن تعرض سفينة أمريكية وأخرى أجنبية لأضرار أثناء وجودهما فى ميناء دمياط يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة: هل كان الهدف توجيه رسالة إلى قوى دولية بعينها؟ أم أن المقصود هو نقل دائرة التوتر إلى البحر المتوسط، بما يهدد الملاحة الدولية ويزيد الضغوط على مصر؟ لا أحد يستطيع الجزم بالإجابة، فالمشهد الإقليمى شديد التعقيد، والحقائق لاتزال قيد القراءة والتحقق، لكن المؤكد أن مثل هذه الأحداث تستوجب أعلى درجات الحذر، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع فى إصدار الأحكام.
وقد تتعدد الجهات التى قد يُشار إليها بأصابع الاتهام، إلا أن الحكمة تقتضى انتظار نتائج التحقيقات، وعدم الانسياق وراء ما تروجه بعض منصات التواصل الاجتماعى، التى تحولت فى كثير من الأحيان، إلى ساحات لنشر الشائعات، وصناعة الاستقطاب، وتوجيه الرأى العام قبل ظهور النتائج.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث فى أوقات الأزمات هو أن تتحول العاطفة إلى بديل عن العقل، وأن تصبح ردود الفعل هى التى ترسم سياسات الدول، فالحروب يسهل إشعالها، لكن إخمادها قد يحتاج إلى سنوات طويلة، وتكلفتها لا تُقاس فقط بما يُنفق على السلاح، بل بما تهدره من أرواح، وما تدمره من اقتصاد، وما تتركه من آثار اجتماعية وسياسية قد تمتد لأجيال.
ولهذا، فإن حماية الأمن القومى المصرى لا تعنى فقط امتلاك القوة العسكرية، وإنما تعنى أيضًا امتلاك الحكمة فى توقيت استخدامها، والقدرة على التمييز بين المعركة التى تُفرض دفاعًا عن الوطن، والمعركة التى يُراد جرّ الوطن إليها لخدمة حسابات الآخرين.
فليس كل ما يطفو على السطح يعكس الحقيقة كاملة، وليس كل حدث منفصل عن سياقه، وفى عالم تتشابك فيه المصالح وتختلط فيه الأوراق، تبقى الدولة الرشيدة هى التى تحسن قراءة المشهد، وتُدرك أن أعظم الانتصارات ليس دائمًا فى خوض الحروب، وإنما فى تجنبها عندما يكون تجنبها هو الطريق الأقصر لحماية الوطن وصون مقدراته.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم
