بث تجريبي

ترامب: السلطة السياسية منصة رقمية

تحليلات - سمير مرقص
سمير مرقص
كاتب مصري

تأسست الدولة تاريخيا على مؤسسات صلبة مادية دستورية، وتشريعية، وقضائية، وتنفيذية وإعلامية ومدنية لتولى إدارة العمليات الأساسية لتوجيه وإدارة الدولة وتنظيم حياة مواطنيها. وحتى تؤتى هذه العمليات النتائج المرجوة منها: تعظيم قوة الدولة على جميع الأصعدة، ورفاه المواطنين فى شتى الأبعاد.. لذا وضعت القوانين واللوائح والإجراءات التى تيسر تحقيق هذه النتائج. فى هذا الإطار، مورست السلطة السياسية وفق تقاليد محكمة ودقيقة حيث تتم صناعة التوجهات والخطط والسياسات والقرارات فى مطبخ السياسة بمؤسساته المختلفة ذات المستويات المتدرجة، ومن ثم الإعلان عنها وتنفيذها عبر المؤسسات المنوط بها تنفيذها، إلا أن الزمن الرقمى بتقنياته التواصلية والذكية قد فرض نمطا جديدا لممارسة السلطة السياسية يتجاوز المؤسسات المتعارف عليها، يتمثل هذا النمط الجديد فى «المنصات الرقمية Digital Platform»؛ حيث حلت محل مؤسسات الدولة التقليدية ــ بدرجة أو أخرى ــ فأصبحت فضاء تمارس من خلاله السلطة السياسية. وتُجمع كثير من الأدبيات السياسية الصادرة أخيرا على أن ترامب هو الرائد فى تكريس «المنصة الرقمية كسلطة سياسية»؛ وحول هذا التحول يعلق أحد الباحثين بقوله: «لم تعد المنصة الرقمية ــ بالنسبة لترامب ــ مجرد أداة تقنية لإعلان قراراته أو مخاطبة مؤيديه، وإنما جعلها مساحة لممارسة السلطة السياسية بالقفز على مساراتها الطبيعية التشريعية والتنفيذية والقضائية والحزبية، حتى بدا وكأن الرئاسة الأمريكية انتقلت، فى كثير من الأحيان، من المكتب البيضاوى إلى المنصة الرقمية». ولا أكون مبالغا إذا قلت إن ترامب بما دأب على ممارسته قد أسس ما يمكن أن نطلق عليه: «الدولة المنصاتية Platform State».

«من فضاء المؤسسات إلى فضاء الخوارزميات»

يُعد استخدام المنصة الرقمية لممارسة السلطة السياسية ــ حسب كثير من المحللين ــ تحولا جوهريا بكل المقاييس. إذ تتماهى السلطة السياسية مع المنصة الرقمية من حيث الأفكار والأقوال السياسية المطروحة وليدة اللحظة، وتسارع انتشارها، وقدرتها على إثارة الانتباه العابر للطبقات والأجيال والفئات داخل الحدود الوطنية وخارجها. ويشير كتاب «نداء الحورية: كيف أصبح الانتباه أكثر موارد العالم قيمة وأكثرها تعرضا للاستنزاف The Siren›s Call: How Attention Became the World›s Most Endangered Resource»؛ إلى كيف بات أن ما يتم اطلاقه عبر وسائل التواصل الاجتماعى ومن ضمنها المنصات الرقمية يتحول إلى مادة لا متناهية من البيانات والمعلومات تعمل الخوارزميات (ليست، فقط، مجرد تقنيات وإنما آليات ذكية تعيد قراءة وتحليل عدد لا متناه من البيانات والمعلومات والحقائق والاستخلاصات فى لحظة خاطفة، وتنظمها تنظيما منهجيا وتقدم النتائج: المعارف والأفكار والاتجاهات للمستخدم: السائل، الباحث، المواطن، فى شتى المجالات) على معالجتها وتجعلها مصدرا للانتباه الدائم.

فى هذا السياق، تتغير علاقة المواطن بالسلطة. فلم يعد يتلقى السياسة عبر الصحف أو الخطب الرسمية، وإنما عبر تدفقات لا تنتهى من الرسائل القصيرة، ومقاطع الفيديو، والمنشورات، التى تنتقيها الخوارزميات وفق اهتماماته السابقة. وبذلك لا يتعامل المواطن مع الدولة مباشرة، بل مع نسخة رقمية منها أعادت الخوارزمية ترتيبها وتقديمها. وهنا يبرز ما يمكن تسميته بـ«المواطن الخوارزمى»، الذى يتشكل وعيه السياسى داخل بيئة رقمية تصنعها المنصات، أكثر مما تصنعها المؤسسات التعليمية أو الإعلام التقليدى. وهنا يصبح الخطر الحقيقى هو تراجع التفكير المؤسسى طويل المدى لصالح إدارة آنية للأحداث، تحكمها مؤشرات المشاهدة والتفاعل أكثر مما تحكمها مؤشرات الكفاءة والفعالية.

(٣)

«ديكتاتورية الكليكات Clicktatorship»

وجه هذا التحول النوعى إلى تشكل «الدولة/السلطة المنصاتية» عالم السياسة الأمريكى «دونالد موينيهان» إلى كتابة مقال بدورية The Atlantic الأمريكية الليبرالية التقدمية (تأسست عام ١٨٥٧)، بعنوان: «دونالد ترامب يبنى ديكتاتورية الكليكات/النقرات Donald Trump Has Built a Clictatorship»؛ (جمع الكاتب بين كلمتى Click أو نقرة أو ضغطة الزر وبين Dictatorship أو الديكتاتورية فى كلمة واحدة) رصد فيه كيف أن إدارة ترامب الثانية لم تعد مجرد إدارة تستخدم وسائل التواصل الاجتماعى أداة للتواصل السياسى، وإنما أصبحت تمثل نمطًا جديدًا من الحكم، يصفه بديكتاتورية النقرات، حيث تصبح المنصات الرقمية هى البيئة التى تُصنع فيها القرارات السياسية بمعزل عن المؤسسات، ويُقاس النجاح فيها بعدد المشاهدات والتفاعل أكثر مما يُقاس بفاعلية السياسات أو احترام المؤسسات. وقد فتح المقال أفقا للتأمل حول ظاهرة «الدولة المنصاتية/ الديكتاتورية الكليكية» وتداعياتها. فعلى سبيل المثال وجهت النظر إلى أن مسؤولى الإدارة قد باتوا ينظرون إلى «كل شىء بوصفه محتوى Everything is Content»، قابلا للنشر والتداول. فالأزمات الاقتصادية والدولية، وعمليات الترحيل، وحتى الخلافات القضائية والحزبية،.. إلخ، تُقدَّم بوصفها مواد للضخ فى الفضاء الرقمى والاشتباك حولها. ما ينقل الحوار حولها خارج الفضاءات المعتادة. ويلفت الكاتب النظر إلى أن السلطة السياسية الترامبية قد صارت تمارس جانبا ــ غير قليل ــ من مسؤولياتها عبر صناعة اللقطة البصرية ونشرها على أوسع نطاق بغض النظر عن ضمان ديموقراطية ومؤسسية وجودة التشريع والقرار. المهم هو إبقاء «الانتباه» الجماهيرى قائما، ولو كان ذلك على حساب «تقويض المؤسسات undermining institutions»؛ حسب الكتاب الصادر فى ٢٠٢٥ المعنون: «التغلب على الترامبية: كيف ننقذ الديمقراطية الأمريكيةOvercoming Trumpism: How To Save American Democracy»؛ إذ لم يعد ترامب فى حاجة إلى انتظار تقارير المؤسسات أو نتائج النقاشات البرلمانية أو التوصيات الحزبية كى يعلن رأيه وموقف إدارته. إذ تمنحه المنصة شرعية ممارسة سلطاته مباشرة ومن ضمنها الهيمنة على المجال العام، بمخاطبة ملايين المواطنين دون وسيط، بل وتسمح له بإعادة تشكيل أولويات النقاش العام بصورة يومية. وهكذا أصبحت المنصة ليست وسيلة اتصال، وإنما مؤسسة موازية ومكون بنيوى للسلطة السياسية المعاصرة.

وبعد، يبدو أنه ليست مصادفة أن تحضر الدولة المنصاتية وديكتاتورية الكليكات مع تنامى الأوليجاركية (الإقطاعية ــ الرأسمالية) الرقمية.. إنه تحول يحتاج إلى الكثير من البحث والفهم.

نقلا عن صحيفة المصري اليوم