بث تجريبي

ما الذي تكشفه عملية أستانا بشأن حوكمة الصراعات؟

تحليلات - تايلان أُتكو دوزغون
تايلان أُتكو دوزغون
أكاديمي حاصل على الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة لايدن متخصص في التاريخ والنظام العالمي والاقتصاد السياسي الدولي

طلقت تركيا وروسيا وإيران عملية أستانا عام 2017، لتتحدى بذلك افتراضًا راسخًا في الدبلوماسية الخاصة بإدارة الصراعات، مفاده أن المؤسسات تُنشأ أساسًا لإنهاء الحروب. غير أن أستانا تطورت إلى آلية لحوكمة التنافس في إطار صراع مستمر، إذ أوجدت إجراءات سمحت للقوى الخارجية بإدارة التصعيد دون معالجة النزاع السياسي الكامن أو التوصل إلى تسوية بشأنه.

ومن ثم، فإن أهمية أستانا لا تكمن بقدر كبير في مدى نجاحها في إنتاج تسوية سياسية، وإنما في الطريقة التي نظّمت بها التفاعل بين أطراف تتبنى أهدافًا متعارضة بصورة جوهرية. فمن خلال إضفاء طابع مؤسسي على التنسيق الدبلوماسي والعسكري من دون اشتراط التوافق الاستراتيجي، أوجدت العملية إطارًا لإدارة حالة عدم الاستقرار، في الوقت الذي ظل فيه الصراع نفسه دون حل. وهكذا تقدم أستانا نموذجًا مفيدًا لتحول أوسع في إدارة الصراعات المعاصرة، حيث تسعى الأطراف الخارجية بصورة متزايدة إلى تنظيم الصراع وضبطه بدلًا من حله.

منذ البداية، دخلت تركيا وروسيا وإيران إطار أستانا بأهداف استراتيجية متباينة، بل ومتعارضة في كثير من الأحيان. فقد سعت روسيا إلى ترسيخ بقاء حكومة بشار الأسد وتثبيت مكاسبها الميدانية. بينما هدفت إيران إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي وضمان وصولها الاستراتيجي عبر سوريا. أما تركيا، فعلى النقيض من ذلك، فقد سعت إلى منع ترسيخ هياكل حكم ذاتي تقودها قوى كردية على طول حدودها الجنوبية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نفوذها في مسار سوريا السياسي.

وعلى الرغم من تضارب أجندات هذه الأطراف، فإنها اشتركت في مصلحة محدودة، لكنها مهمة، تتمثل في منع الصراع السوري من التصعيد إلى مواجهة خارجة عن السيطرة ومكلفة لجميع الأطراف. وقد وفرت أستانا إطارًا يمكن من خلاله تحويل هذا التقارب المحدود إلى ترتيبات عملية، من دون الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق سياسي أوسع أو تحقيق توافق استراتيجي.

وهذا التمييز مهم. فلم تنشأ العملية لأن تركيا وروسيا وإيران اتفقت على شكل المستقبل السياسي الذي ينبغي أن تكون عليه سوريا، وإنما نشأت لأن هذه الأطراف كانت بحاجة إلى آلية يمكن من خلالها إدارة مصالحها المتنافسة، من دون السماح لتنافسها بأن يقود إلى تصعيد أوسع.

وكان من أبرز سمات عملية أستانا إنشاء ترتيبات لخفض التصعيد. فلم تكن هذه الترتيبات تهدف إلى حل الصراع، وإنما إلى احتواء العنف مكانيًا وزمنيًا، من خلال تحديد مناطق تُخفض فيها مستويات القتال، وإنشاء آليات لمراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم النشاط العسكري.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من هذه الترتيبات كان هشًا، أو جرى تطبيقه بصورة انتقائية، أو تم التراجع عنه في نهاية المطاف، فإنها أظهرت قدرة العملية على إضفاء طابع مؤسسي على أشكال محدودة من إدارة الصراع، من دون حل النزاعات السياسية التي شكلت أساس الحرب. وبالتوازي مع هذه الترتيبات، أنشأت أستانا تنسيقًا دبلوماسيًا وعسكريًا منتظمًا بين الدول الثلاث الضامنة، شمل جولات تفاوضية، واتصالات مباشرة بين المؤسسات العسكرية، ومفاوضات مرتبطة بقضايا محددة، مثل السيطرة على الأراضي، وإنفاذ اتفاقات وقف إطلاق النار، ومنع الاحتكاك والتصادم بين العمليات العسكرية.

وقد أسهمت هذه الآليات مجتمعة في خلق بيئة أكثر قابلية للتنبؤ، يمكن فيها إدارة التنافس من دون القضاء عليه. وهذه هي النقطة التي تجعل أستانا ذات أهمية تتجاوز الحالة السورية: فإضفاء الطابع المؤسسي على التفاعل لم يكن مشروطًا بالتقارب السياسي. فقد تمكنت الأطراف من تطوير إجراءات لإدارة تفاعلها تحديدًا لأنها لم تكن متفقة بشأن النتيجة النهائية التي ينبغي أن يفضي إليها الصراع.

ولا ينبغي الخلط بين مستوى التنسيق الذي تحقق عبر أستانا وبين التوافق أو الثقة. فلم تتمكن العملية من حل التباينات الاستراتيجية الأساسية بين تركيا وروسيا وإيران، وإنما وفرت إطارًا يمكن من خلاله احتواء هذه التباينات وإدارتها في الوقت الذي استمرت فيه الحرب.

وظل التعاون مشروطًا وحساسًا للتطورات الميدانية. فقد كشفت الأولويات المتنافسة بشأن شمال سوريا، ودور القوى الكردية، والمستقبل السياسي لحكومة بشار الأسد، مرارًا عن حدود ترتيبات خفض التصعيد التي جرى التفاوض بشأنها. كما أدت العمليات العسكرية وتغير خطوط التماس إلى تعطيل الترتيبات المتفق عليها، بما أظهر أن التنسيق المؤسسي ظل عرضة للتأثر بالتغيرات في موازين القوى.

لكن هذه القيود لا تنتقص من أهمية أستانا. فقد تكمن قيمتها تحديدًا في قدرتها على إبقاء التعاون قائمًا رغم استمرار الخلاف. فلم تُغيّر العملية مصالح المشاركين فيها، وإنما ساعدت على تنظيم تفاعلهم في ضوء هذه الاختلافات.

ومن ثم، عملت أستانا بدرجة أقل باعتبارها مسارًا نحو السلام، وبدرجة أكبر باعتبارها آلية لحوكمة حرب لم تُحسم بعد. فقد أتاحت للأطراف الخارجية تنظيم تفاعلها بطريقة تقلل مخاطر التصعيد الخارج عن السيطرة، مع الإبقاء على أهداف استراتيجية متعارضة بصورة جوهرية. لم يتغير الصراع نفسه، وإنما تغيرت الشروط التي تفاعلت في ظلها المصالح المتنافسة.

ويعكس ذلك تطورًا أوسع في إدارة الصراعات المعاصرة. ففي الصراعات التي تنخرط فيها أطراف خارجية متعددة، قد يكون من الصعب تحقيق تسويات سياسية شاملة، حتى عندما تدرك الأطراف تكلفة السماح بالتصعيد غير المنضبط. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تنشأ مؤسسات تهدف إلى تنظيم شدة الصراع ونطاقه الجغرافي وامتداداته الخارجية، من دون معالجة أسبابه الكامنة أو التوصل إلى حل لها.

وتوضح عملية أستانا هذه الديناميكية بصورة جلية. فلا تكمن أهميتها في أنها نجحت في تجاوز الاختلافات الاستراتيجية بين تركيا وروسيا وإيران، وإنما في أنها أثبتت إمكانية إضفاء الطابع المؤسسي على التفاعل حتى في غياب هذا التوافق. فقد أنشأت العملية آلية منظمة لإدارة التنافس بين أطراف ظلت أهدافها متعارضة بصورة جوهرية.

ويشير ذلك إلى أن نجاح مؤسسات إدارة الصراعات لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى قدرتها على إنتاج تسويات سياسية. ففي بعض الحالات، قد تتمثل وظيفتها الأكثر إلحاحًا في منع التنافس من التصعيد إلى ما يتجاوز الحدود القابلة للإدارة. فلم تُفضِ أستانا إلى تحقيق السلام في سوريا، لكنها أظهرت كيف يمكن لقوى خارجية متنافسة أن تنظم تنافسها وتحتويه من دون أن تنجح بالضرورة في إنهائه.

وقد أدى سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى تغيير السياق السياسي الذي عملت فيه عملية أستانا، لكنه لا يلغي هذا الدرس الأوسع. فقد أنهى انهيار حكومة الأسد الإطار السياسي الذي نُظّم جزء كبير من العملية حوله، في الوقت الذي واصلت فيه تركيا وروسيا وإيران مواجهة مصالح متداخلة، وإن كانت متباينة، في سوريا. ولذلك، فمن الأفضل فهم أستانا ليس باعتبارها نموذجًا أنتج تسوية دائمة، وإنما باعتبارها مثالًا على قدرة القوى الخارجية على إضفاء الطابع المؤسسي على آليات لإدارة التنافس، حتى عندما تتغير في نهاية المطاف الظروف السياسية التي قامت عليها تلك الآليات.