الدين الأميركي عند عتبة الأربعين تريليون دولار: حين تتحول القوة المالية إلى قيد استراتيجي
لم يعد تجاوز الدين الوطني الأميركي حاجز الأربعين تريليون دولار مجرد رقم قياسي جديد في دفاتر الخزانة الأميركية، بل أصبح مؤشراً على تحول تدريجي في طبيعة المشكلة المالية التي تواجه الولايات المتحدة. فالدولة التي اعتادت لعقود استخدام قدرتها الهائلة على الاقتراض لتمويل الحروب والأزمات والبرامج الاجتماعية وتحفيز الاقتصاد، تجد نفسها الآن أمام مفارقة أكثر تعقيداً: الاقتراض الذي ساعد الولايات المتحدة على تجاوز الأزمات أصبح نفسه أحد مصادر القيود التي ستحدد قدرتها على التعامل مع أزمات المستقبل.
وتكتسب هذه اللحظة أهمية أكبر لأنها تأتي في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، وفي وقت تحاول فيه إدارة دونالد ترامب الجمع بين تخفيض الضرائب، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتمويل التزامات اجتماعية واسعة، وتحفيز النمو، وخفض تكاليف الاقتراض في الوقت نفسه. وهذه المعادلة تبدو جذابة سياسياً، لكنها تواجه اختباراً قاسياً أمام حسابات أسواق السندات. فقد تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى في أغسطس 2026، بعدما كان أقل بقليل من 20 تريليون دولار عندما تولى ترامب الرئاسة للمرة الأولى في 2017. وبذلك تضاعف تقريباً خلال أقل من عقد.
لكن الرقم الإجمالي، رغم ضخامته، لا يفسر وحده طبيعة المشكلة. فالدين الأميركي لا يشبه ديون الدول النامية أو الاقتصادات الصغيرة؛ إذ تقترض الولايات المتحدة بعملتها الخاصة، والدولار هو العملة الاحتياطية الأساسية في النظام المالي العالمي، كما أن سندات الخزانة الأميركية تمثل أحد أهم الأصول الآمنة التي تستخدمها البنوك المركزية والمؤسسات المالية والمستثمرون حول العالم. هذه المكانة تمنح واشنطن هامشاً من الحركة لا يتوفر لمعظم الحكومات الأخرى.
ولهذا السبب لا يمكن التعامل مع الأربعين تريليون دولار باعتبارها نقطة انهيار تلقائية. فالمشكلة ليست أن الولايات المتحدة وصلت إلى رقم سحري تصبح بعده عاجزة عن السداد، وإنما أن تكلفة المحافظة على هذا النموذج من الاقتراض بدأت ترتفع بصورة تجعل استمرار المسار المالي الحالي أكثر صعوبة.
وهنا تكمن النقلة الأساسية في طبيعة الأزمة. ففي السابق كان السؤال الرئيسي هو: هل تستطيع الولايات المتحدة تمويل عجزها؟ أما السؤال الآن فأصبح: بأي تكلفة تستطيع تمويل هذا العجز، وإلى أي مدى يمكن أن ترتفع تلك التكلفة قبل أن تبدأ في تغيير سلوك الاقتصاد والأسواق والسياسة؟
المشكلة الحقيقية ليست الدين وحده، وإنما تكلفة الدين
توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس تكشف حجم التحول. فالعجز الفيدرالي المتوقع في 2026 يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار، أو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 3.1 تريليون دولار، أو 6.7% من الناتج، بحلول 2036. وفي الوقت نفسه، يرتفع الدين المحتفظ به لدى الجمهور من 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 120% في 2036، وهو مستوى يتجاوز أعلى نسبة تاريخية سجلتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن الأكثر إثارة للقلق هو مسار الفائدة. فمكتب الميزانية يتوقع أن ترتفع مدفوعات الفائدة الصافية من نحو تريليون دولار في 2026 إلى 2.1 تريليون دولار في 2036، وأن ترتفع نسبتها من 3.3% إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يعني أن جزءاً متزايداً من موارد الحكومة لن يذهب إلى الاستثمار أو البنية التحتية أو الدفاع أو التعليم أو الخدمات الاجتماعية، وإنما إلى خدمة الدين الذي تراكم خلال العقود السابقة.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته «أثر كرة الثلج». فارتفاع الدين يؤدي إلى ارتفاع مدفوعات الفائدة، وارتفاع الفائدة يزيد العجز، وزيادة العجز تتطلب مزيداً من الاقتراض، والمزيد من الاقتراض يضيف ديناً جديداً، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مدفوعات الفائدة.
وبذلك يتحول الدين من نتيجة للعجز إلى أحد محركات العجز نفسه.
وهذا هو الجانب الذي يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن فترات سابقة كان فيها الاقتصاد الأميركي قادراً على امتصاص الدين بسهولة أكبر بفضل أسعار الفائدة المنخفضة والنمو القوي والطلب العالمي الهائل على سندات الخزانة.
من يمول الولايات المتحدة بدأ يصبح أكثر أهمية من حجم ما تقترضه
على مدى عقود، استفادت واشنطن من امتياز استثنائي: العالم كان مستعداً لشراء ديونها.
وكان ذلك يعني أن الولايات المتحدة تستطيع تمويل عجز كبير من دون أن تضطر إلى دفع تكلفة مرتفعة للغاية. لكن سوق السندات بدأ يبعث بإشارات أكثر تعقيداً.
فارتفاع العوائد طويلة الأجل في 2026 إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات يعكس جزئياً قلق المستثمرين من التضخم، لكنه يعكس أيضاً إعادة تقييم لمخاطر الدين الأميركي واستدامة السياسة المالية. وقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستويات تجاوزت 5.2% خلال أغسطس، فيما عادت العوائد طويلة الأجل إلى الارتفاع رغم تدخل وزارة الخزانة عبر برنامج إعادة شراء السندات.
وهذه إشارة مهمة؛ لأن السوق لا يعترض على حجم الدين فقط، بل على المسار الذي يسلكه الدين.
فالمستثمر يستطيع قبول دين مرتفع إذا كان يعتقد أن الحكومة قادرة على السيطرة على العجز، وأن الاقتصاد سينمو بما يكفي لاحتواء الدين، وأن التضخم سيظل تحت السيطرة. لكن إذا تزامن الدين المرتفع مع عجز مزمن، وفائدة مرتفعة، وضغوط تضخمية، وحاجة متزايدة إلى إصدار سندات جديدة، فإن المستثمرين يبدأون في طلب عائد أكبر.
ومن هنا تبدأ الحلقة الأخطر: كلما ازداد القلق من الدين، ارتفعت تكلفة الاقتراض؛ وكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، أصبح القلق من الدين أكثر مبرراً.
الذكاء الاصطناعي يضيف منافساً جديداً للحكومة على رأس المال
ثمة عامل جديد يختلف عن أزمات الدين السابقة، ويتمثل في الطفرة الاستثمارية الهائلة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
فالحكومة الأميركية ليست المقترض الوحيد الذي يحتاج إلى كميات ضخمة من رأس المال. شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات وشركات الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تحتاج بدورها إلى تمويل هائل، وبعض هذا التمويل يأتي من أسواق الدين نفسها.
وهذا يخلق نوعاً من المنافسة على رأس المال بين الحكومة والقطاع الخاص.
فإذا كانت الحكومة تعرض عائداً مرتفعاً لجذب المستثمرين إلى سنداتها، يتعين على الشركات الخاصة أن تقدم عوائد تنافسية حتى تتمكن من جذب التمويل. وإذا ارتفعت تكلفة رأس المال بالنسبة للشركات، فقد يتراجع الاستثمار الخاص أو يصبح أكثر تكلفة.
ومن ثم فإن الدين الحكومي لا يبقى داخل الميزانية الفيدرالية؛ وإنما يمكن أن يؤثر في سعر رأس المال للاقتصاد بأكمله.
وهذه نقطة جوهرية لأن الولايات المتحدة تعتمد تاريخياً على الاستثمار الخاص والابتكار التكنولوجي باعتبارهما محركين أساسيين للنمو. فإذا أصبح الاقتراض الحكومي الضخم منافساً مستمراً للقطاع الخاص على الأموال المتاحة، فقد يبدأ الدين في التأثير بصورة غير مباشرة في الإنتاجية والاستثمار والنمو المستقبلي.
لماذا لا تزال الولايات المتحدة قادرة على تحمل الوضع؟
رغم كل هذه المؤشرات، سيكون من الخطأ تصوير الاقتصاد الأميركي باعتباره على حافة الانهيار.
فالولايات المتحدة تتمتع بمجموعة استثنائية من المزايا. اقتصادها هو الأكبر عالمياً، والدولار هو العملة الاحتياطية الرئيسية، وسوق سندات الخزانة هو أحد أعمق وأكثر الأسواق سيولة في العالم، كما أن الحكومة الأميركية تقترض بالدولار الذي تملك الدولة نفسها قدرة كبيرة على إدارته نقدياً.
وهذا يمنح واشنطن ما يمكن وصفه بـ «امتياز الوقت».
فالدول الأخرى قد تواجه أزمة ثقة بمجرد ارتفاع ديونها إلى مستويات مرتفعة، بينما تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار فترة أطول بسبب الطلب العالمي على الدولار والأصول الأميركية.
لكن امتلاك هذا الامتياز لا يعني أنه غير محدود.
فالعملة الاحتياطية لا تلغي قوانين الاقتصاد. وإذا استمر الدين في الارتفاع بسرعة تفوق قدرة الاقتصاد على النمو، وإذا أصبحت الفائدة تمتص جزءاً متزايداً من الإيرادات، وإذا بدأ المستثمرون يطالبون بعوائد أعلى باستمرار، فإن امتياز الدولار يتحول تدريجياً من وسادة أمان إلى آلية تمنح الولايات المتحدة وقتاً أطول لمعالجة المشكلة، لا وقتاً غير محدود لتجاهلها.
الخط الأحمر ليس رقماً محدداً
من أكثر المفاهيم خطورة في النقاش العام التعامل مع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وكأن هناك رقماً سحرياً يؤدي تجاوزه إلى الانهيار.
لا توجد عتبة عالمية تقول إن اقتصاداً ما سيكون مستقراً عند 120% من الناتج ثم ينهار عند 121%.
فالقدرة على تحمل الدين تعتمد على أسعار الفائدة، ومعدل النمو، وتركيبة الدين، وثقة المستثمرين، ومكانة العملة، وقدرة الحكومة على زيادة الإيرادات أو خفض الإنفاق.
ولهذا يمكن لليابان أن تتحمل نسبة دين أعلى بكثير من دول أخرى، بينما قد تواجه دولة أقل مديونية أزمة ثقة أسرع.
لكن الخطر الأميركي يكمن في تزامن عدة عوامل في الاتجاه نفسه: دين مرتفع، وعجز كبير، وأسعار فائدة أعلى، وضغوط تضخمية، ونمو لا يكفي وحده لإعادة الدين إلى مسار تنازلي.
وقد أشار مكتب الميزانية إلى أن العجز الأميركي سيظل كبيراً تاريخياً خلال العقد المقبل، وأن الدين سيواصل الارتفاع كنسبة من الناتج. كما أن الفائدة الصافية ستصل إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ الحديث للولايات المتحدة.
عندما تصبح الفائدة منافساً للإنفاق الحكومي
ربما يكون أهم مؤشر سياسي في هذه الأزمة هو تغير طبيعة الإنفاق الفيدرالي.
فمدفوعات الفائدة ليست برنامجاً يمكن إلغاؤه بسهولة بقرار سياسي. الحكومة مطالبة بدفعها لحملة السندات وفق شروط الإصدار. وكلما ارتفع حجم الدين وأسعار الفائدة، زادت هذه المدفوعات تلقائياً.
وهذا يعني أن الفائدة تبدأ في مزاحمة الإنفاق الآخر.
وبحسب تقديرات مكتب الميزانية، ستصل مدفوعات الفائدة الصافية إلى نحو 2.1 تريليون دولار في 2036، لتقترب من حجم الإنفاق الفيدرالي التقديري بأكمله آنذاك.
ومن هنا تتحول قضية الدين من مسألة مالية إلى مسألة سياسية.
فكل دولار يذهب إلى خدمة الدين هو دولار لا تستطيع الإدارة أو الكونغرس استخدامه بسهولة لتمويل أولوية أخرى.
وبالتالي، فإن استمرار المسار الحالي قد يقلل تدريجياً من قدرة واشنطن على استخدام الميزانية كأداة سياسية واقتصادية.
المعادلة السياسية أصبحت أكثر صعوبة
المشكلة أن الحلول النظرية معروفة، لكن تنفيذها سياسياً بالغ الصعوبة.
يمكن للحكومة زيادة الضرائب، أو خفض الإنفاق، أو إصلاح برامج الاستحقاقات، أو الجمع بين هذه الأدوات. ويمكنها أيضاً محاولة تسريع النمو الاقتصادي لزيادة الإيرادات من دون رفع معدلات الضرائب.
لكن كل خيار من هذه الخيارات يخلق تكلفة سياسية.
خفض الإنفاق الاجتماعي يصطدم بقاعدة انتخابية واسعة. ورفع الضرائب يصطدم بالقاعدة السياسية المحافظة وبوعد ترامب بخفض الضرائب. وخفض الإنفاق الدفاعي يتعارض مع التوجه الأميركي نحو زيادة القدرات العسكرية في ظل تصاعد المنافسة الدولية والحروب الإقليمية.
وهكذا أصبحت واشنطن أمام معادلة صعبة: الإنفاق له مؤيدون، وخفض الإنفاق له خصوم، والضرائب لها خصوم، بينما الفائدة لا تنتظر التوافق السياسي.
وهذا يفسر لماذا تستمر مشكلة العجز حتى في أوقات لا تعاني فيها الولايات المتحدة من ركود اقتصادي عميق.
فالمشكلة لم تعد مجرد استجابة مؤقتة لأزمة؛ بل أصبحت مرتبطة ببنية الإنفاق والإيرادات نفسها.
النمو هو المخرج الأسهل... لكنه ليس مضموناً
في المقابل، يظل النمو الاقتصادي أفضل وسيلة للخروج من المأزق من دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية قاسية.
إذا نما الاقتصاد بسرعة أكبر من نمو الدين، تنخفض نسبة الدين إلى الناتج حتى لو ظل الدين الاسمي مرتفعاً.
لكن المشكلة أن النمو المطلوب يجب أن يكون قوياً ومستداماً، وليس مجرد طفرة قصيرة.
كما أن النمو نفسه قد يكون مصحوباً بالتضخم، الأمر الذي يدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع ويقلل جزءاً من المكاسب التي يحققها الاقتصاد.
ولهذا لا يمكن اختزال الاستراتيجية في عبارة «النمو سيحل المشكلة». فالنمو يساعد، لكنه يحتاج إلى أن يترافق مع ضبط للعجز حتى يصبح قادراً على تغيير المسار المالي فعلياً.
إعادة شراء السندات: إدارة الأعراض لا علاج المرض
تقدم تحركات وزارة الخزانة الأميركية الأخيرة مثالاً واضحاً على الفرق بين إدارة الأزمة ومعالجة أسبابها.
فقد لجأت الوزارة إلى توسيع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة بهدف دعم الطلب على السندات والمساعدة في تهدئة العوائد طويلة الأجل. وقد أعطت هذه الخطوة أثراً أولياً، لكن العوائد عادت إلى الارتفاع سريعاً، ما أظهر حدود الأدوات المالية عندما تكون المشكلة الأساسية مرتبطة بالعرض الكبير للسندات والقلق من المسار المالي طويل الأجل.
وبعبارة أخرى، تستطيع وزارة الخزانة تحسين إدارة سوق الدين، وتستطيع تغيير توقيت الإصدارات وإعادة شراء بعض السندات، لكنها لا تستطيع من خلال الهندسة المالية وحدها إزالة السبب الجوهري: الحكومة تنفق أكثر مما تحصل عليه من الإيرادات على نحو مستمر.
ولهذا فإن أي تدخل في سوق السندات يمكن أن يكون مفيداً في إدارة السيولة والتقلب، لكنه لا يمثل بديلاً عن الإصلاح المالي.
الخطر الأكبر قد لا يبدأ من واشنطن وإنما من السوق
المفارقة أن الحكومة الأميركية هي التي تملك القرار السياسي بشأن الضرائب والإنفاق، لكن السوق هو الذي يستطيع فرض حدود هذا القرار.
قد يرفض الكونغرس رفع الضرائب أو خفض الإنفاق، لكن المستثمرين يستطيعون ببساطة المطالبة بعائد أعلى لشراء السندات.
وعندما ترتفع العوائد، لا تتأثر الحكومة وحدها. ترتفع معها تكاليف الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، وتمويل الشركات، والاستثمار العقاري.
وقد أكدت التطورات الأخيرة أن ارتفاع عوائد الخزانة بدأ بالفعل في الانتقال إلى الاقتصاد الحقيقي، في وقت تجاوز فيه عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً 5%، بينما ارتفعت تكلفة الرهن العقاري إلى مستويات مرتفعة.
وهنا تتحول أزمة الدين إلى قضية معيشية.
فالناخب الذي لا يهتم كثيراً بحجم الدين الفيدرالي قد يهتم كثيراً بارتفاع قسط منزله أو تكلفة قرض سيارته أو أسعار السلع.
وهذا هو السبب في أن الدين، حتى لو بدا مسألة مالية مجردة، يمكن أن يتحول في النهاية إلى مشكلة انتخابية مباشرة.
انتخابات التجديد النصفي قد تجعل الإصلاح أكثر صعوبة
تقترب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وهي مرحلة لا تكون فيها الإدارة عادةً راغبة في اتخاذ قرارات مؤلمة مالياً.
فالإصلاحات المالية الكبرى تتطلب غالباً تحميل الناخبين تكلفة قصيرة الأجل مقابل مكاسب طويلة الأجل، بينما تعمل السياسة الانتخابية في الاتجاه المعاكس: المكاسب يجب أن تكون فورية، والتكاليف ينبغي تأجيلها.
ومن ثم فإن احتمال اتخاذ إجراءات واسعة لخفض العجز في المدى القريب يبدو محدوداً.
وهذا يتسق مع التحدي الذي تعكسه توقعات مكتب الميزانية: العجز سيظل مرتفعاً على مدى العقد، حتى مع افتراض استمرار نمو الاقتصاد.
لكن المشكلة لم تعد أميركية فقط
الأخطر من ذلك أن الدين الأميركي ليس قضية داخلية خالصة.
فالخزانة الأميركية هي العمود الفقري لسوق المال العالمي، والدولار هو العملة التي يتم بها تسعير وتداول جزء كبير من التجارة العالمية، كما أن سندات الخزانة تستخدم كضمان في النظام المالي الدولي.
ولهذا فإن ارتفاع العوائد الأميركية ينتقل إلى بقية العالم.
فعندما يصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية أكثر جاذبية بسبب ارتفاع العائد، قد تتغير حركة رؤوس الأموال العالمية. وعندما ترتفع تكلفة الاقتراض الأميركي، ترتفع أيضاً تكاليف التمويل في دول أخرى، خصوصاً الاقتصادات الناشئة التي تقترض بالدولار أو ترتبط أسواقها المالية ارتباطاً وثيقاً بالعوائد الأميركية.
ومن ثم فإن المشكلة المالية الأميركية قد تصبح مشكلة مالية عالمية إذا تحولت مخاوف المستثمرين إلى إعادة تسعير واسعة للأصول.
الدولار بين القوة والمخاطرة
حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى انهيار وشيك للدولار أو فقدان الولايات المتحدة مكانتها المالية العالمية.
لكن استمرار تراكم الدين يخلق سؤالاً استراتيجياً مختلفاً: هل يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ إلى الأبد على الامتياز الذي يمنحه لها الدولار إذا استمرت سياستها المالية في الاتجاه نفسه؟
الإجابة ليست محسومة.
فالعالم لا يملك بديلاً مكتملاً عن النظام المالي القائم على الدولار وسندات الخزانة الأميركية، وهذه نقطة قوة هائلة لواشنطن. لكن قوة الدولار تعتمد أيضاً على الثقة في المؤسسات الأميركية، واستقرار السياسة المالية والنقدية، وعمق الأسواق الأميركية.
وبالتالي فإن الخطر الحقيقي ليس أن يستيقظ العالم فجأة ويتخلى عن الدولار، وإنما تآكل تدريجي في الثقة، يظهر أولاً في ارتفاع العوائد المطلوبة على السندات الأميركية ثم ينتقل إلى تكلفة التمويل ويؤثر في قيمة العملة والاستثمار.
المفارقة الاستراتيجية: الولايات المتحدة تحتاج إلى الإنفاق أكثر في الوقت الذي تحتاج فيه إلى خفضه
ربما تكمن أصعب مفارقات المرحلة في أن واشنطن تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة لزيادة الإنفاق.
فالمنافسة مع الصين، والحاجة إلى تحديث البنية العسكرية، والالتزامات الأمنية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، والاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية، كلها تتطلب موارد ضخمة.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الخزانة إلى تقليص العجز حتى تمنع الفائدة من التحول إلى عبء أكبر.
وهذا يعني أن الأزمة المالية ليست منفصلة عن الاستراتيجية الجيوسياسية الأميركية.
كلما اتسعت الالتزامات العالمية للولايات المتحدة، ازدادت حاجتها إلى الإنفاق؛ وكلما ازداد الإنفاق، أصبحت مشكلة الدين أكثر تعقيداً؛ وكلما أصبح الدين أكثر تعقيداً، تقلصت مساحة المناورة المالية اللازمة لتمويل الالتزامات العالمية.
وهنا يبدأ الدين في التحول من مسألة اقتصادية إلى قيد على القوة الجيوسياسية.
ماذا يعني ذلك للسنوات المقبلة؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انهياراً مفاجئاً للاقتصاد الأميركي، وإنما مرحلة طويلة من الضغط المالي المتزايد.
ستظل الولايات المتحدة قادرة على الاقتراض، وسيظل المستثمرون يشترون سنداتها، وسيظل الدولار العملة المركزية في النظام المالي العالمي. لكن تكلفة الحفاظ على هذه المكانة قد ترتفع تدريجياً.
وسيكون السؤال الحاسم هو ما إذا كان النمو الاقتصادي والإنتاجية، خصوصاً مع طفرة الذكاء الاصطناعي، قادرين على توليد إيرادات ونمو يكفيان لمعادلة الزيادة في الدين والفائدة.
إذا تحقق ذلك، فقد تتمكن واشنطن من شراء مزيد من الوقت.
أما إذا تباطأ النمو، واستمرت الفائدة مرتفعة، وتواصل العجز، فإن الضغط سيزداد على سوق السندات، وستصبح خيارات السياسة المالية أكثر قسوة.
وفي ظل التوقعات الحالية، لا تبدو المشكلة مؤقتة. فمكتب الميزانية يتوقع أن يصل الدين الإجمالي إلى نحو 64 تريليون دولار في 2036، بينما يصل الدين المحتفظ به لدى الجمهور إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستمر في الارتفاع بعد ذلك وفق السيناريو الأساسي. وعلى المدى الأطول، يصل الدين المحتفظ به لدى الجمهور إلى 175% من الناتج بحلول 2056 في إسقاطات المكتب.
الخلاصة: أميركا لا تواجه أزمة دين بعد، لكنها تواجه أزمة مسار
