لماذا تحتاج منطقة القرن الإفريقي لمزيد من المحاسبين والمصرفيين الأكفاء؟
"المصرفي الذي لا يمتلك معلومات موثوقة يشبه طياراً يحلق وسط الضباب، أما المحاسب فهو الذي يشغّل جهاز الرادار."
بهذه العبارة يفتتح كثير من المحاسبين المحترفين كلماتهم ومحاضراتهم عند الحديث عن أهمية مهنة المحاسبة، وهي عبارة تلخص حقيقة جوهرية مفادها أن التمويل لا يقوم على الأموال وحدها، بل على المعلومات التي تمنح الثقة لمن يتخذ القرار.
ولا تعاني منطقة القرن الأفريقي من نقص في رواد الأعمال أو التجار أو أصحاب المبادرات الاقتصادية الطموحة. فقد نجحت الشركات العائلية في مختلف أنحاء المنطقة في بناء شبكات تجارية واسعة، ونقل السلع عبر الحدود، وتوفير فرص العمل، والاستمرار في العمل رغم أنها تعمل في واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية صعوبة في العالم. لكن عندما تتوجه هذه الشركات إلى البنوك طلباً للتمويل، تواجه سؤالاً يتكرر باستمرار:
أين قوائمكم المالية؟
وبالنسبة لكثير من أصحاب الأعمال، يكون الجواب محرجاً. فقد تكون الشركة تحقق أرباحاً جيدة، لكن أرقامها موجودة في ذاكرة صاحبها، أو في دفاتر يدوية، أو في سجلات غير رسمية لا يفهمها سوى أفراد الأسرة. بالنسبة لصاحب المشروع تبدو صورة النشاط واضحة تماماً، أما بالنسبة للمصرفي فإنها تظل غامضة.
وهنا تبدأ إحدى أبرز معضلات التنمية المالية في القرن الأفريقي.
فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من البنوك فحسب، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى معلومات مالية أكثر جودة وموثوقية، وهو ما يعني حاجتها إلى مزيد من المحاسبين المؤهلين. فالمحاسب يمثل الحلقة المفقودة التي تربط بين أصحاب الأعمال والمؤسسات المصرفية.
كثيراً ما توصف البنوك بأنها محركات النمو الاقتصادي؛ فهي تجمع المدخرات وتحولها إلى قروض تمول الشركات والبنية التحتية والاستثمارات. لكن حتى أفضل البنوك إدارةً لا تستطيع منح القروض بثقة ما لم تعرف من هو المقترض، وما حجم دخله، وما إذا كان قادراً على السداد.
فالائتمان يقوم على الثقة، لكن التمويل الحديث يحتاج إلى ما هو أكثر من الثقة؛ يحتاج إلى الأدلة.
ولا يستطيع أي مصرفي الموافقة على قرض كبير اعتماداً على السمعة الشخصية للمقترض، مهما كانت مكانته الاجتماعية. فعبارة "الجميع يعرفه" قد تكون كافية في سوق قرية صغيرة، لكنها لا تقنع لجنة ائتمان في مصرف حديث.
ومن هنا تبرز أهمية المحاسبة.
فالقوائم المالية ليست مجرد مستندات تُعد لإرضاء مصلحة الضرائب أو المدققين، بل هي الجسر الذي يصل بين الشركات الباحثة عن رأس المال والمؤسسات المالية القادرة على توفيره.
وعندما تكون أنظمة المحاسبة ضعيفة، تصبح البنوك أكثر تحفظاً؛ فتطلب ضمانات أكبر، وتقلص الإقراض، أو تركز على الشركات الكبيرة الراسخة، بينما تبقى المؤسسات الصغيرة، رغم امتلاكها فرصاً واعدة للنمو، محرومة من التمويل اللازم للتوسع. وهذه هي معضلة كثير من الشركات العائلية في المنطقة.
ويضم القطاع الخاص في القرن الأفريقي عدداً كبيراً من الشركات المملوكة للعائلات، التي تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية في المنطقة. فهي تمتلك معرفة عميقة بالأسواق المحلية، وتحظى بولاء العملاء، وتتمتع بقدرة استثنائية على الصمود في مواجهة الأزمات. غير أن كثيراً منها لا يزال يدار بعقلية غير رسمية، حتى وإن أصبحت أنشطته التجارية ذات حجم كبير.
فقد تستورد إحدى الشركات بضائع بملايين الدولارات، لكنها لا تمتلك قوائم مالية مدققة. وقد توظف مئات العاملين، لكنها تفتقر إلى نظام منظم للتقارير المالية. وربما تحقق أرباحاً مرتفعة، لكنها تعجز عن إثبات ذلك أمام مستثمر أو جهة تمويل خارجية.
والمفارقة أن بعض أقوى الشركات في المنطقة تظل غير مرئية بالنسبة للمؤسسات المالية القادرة على مساعدتها في التوسع.
ولا تستطيع الحكومات بناء اقتصادات حديثة دون شفافية مالية. فهي مطالبة بأداء دور أساسي في هذا المجال، لأن الاقتصاد الحديث لا يحتاج فقط إلى رواد أعمال وبنوك، بل يحتاج أيضاً إلى قواعد وتشريعات تشجع على الإفصاح والشفافية.
ورغم أن العديد من دول المنطقة تمتلك قوانين تُلزم الشركات بالاحتفاظ بسجلات مالية وتقديم تقارير دورية، فإن المشكلة تكمن في ضعف تطبيق هذه القوانين.
فعندما تستطيع الشركات مواصلة نشاطها سنوات طويلة دون إعداد حسابات مالية سليمة، تخسر الحكومات بيانات اقتصادية مهمة، وتضعف كفاءة النظام الضريبي، وتزداد حالة عدم اليقين أمام المؤسسات المالية.
فلا يمكن لأي دولة أن تدير اقتصاداً لا تستطيع قياسه.
ومن ثم، ينبغي النظر إلى تعزيز متطلبات الإفصاح المالي، ورفع معايير المراجعة، ودعم المؤسسات المهنية للمحاسبة، باعتبارها سياسات للتنمية الاقتصادية، لا مجرد إصلاحات إدارية.
غير أن المحاسبين وحدهم لن يحلوا المشكلة.
فتحسين جودة المحاسبة شرط ضروري، لكنه ليس كافياً. فالقطاع المالي في القرن الأفريقي يواجه تحديات هيكلية أوسع نطاقاً.
ولا تزال حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض دول المنطقة تمثل عقبة رئيسية أمام الاستثمار والتمويل. فمن الطبيعي أن تتردد البنوك والمستثمرون عندما تتغير الحكومات بصورة غير متوقعة، أو تندلع الصراعات، أو تتبدل السياسات الاقتصادية بشكل مفاجئ.
كما تشكل هشاشة الأنظمة القانونية والقضائية تحدياً آخر. فالإقراض يعتمد في جوهره على العقود، وإذا كان تحصيل الديون عبر المحاكم بطيئاً أو مكلفاً أو غير مضمون، فمن الطبيعي أن تتراجع شهية البنوك لمنح القروض.
ويضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية للمعلومات الائتمانية في كثير من أسواق المنطقة. فغياب مكاتب ائتمان فعالة وأنظمة لتبادل المعلومات يجعل من الصعب على البنوك التمييز بين المقترضين الملتزمين وأولئك مرتفعي المخاطر.
كما تضيف الضغوط الاقتصادية الكلية طبقة أخرى من التعقيد. فالتضخم، وتقلبات أسعار الصرف، واختلالات المالية العامة، كلها عوامل تضعف ثقة المستثمرين وتجعل الإقراض طويل الأجل أكثر صعوبة.
وفي الصومال، على سبيل المثال، يبدو أن الاقتصاد اختار عملياً الاعتماد على العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي، دون اهتمام يُذكر باستخدام الشلن الصومالي كعملة وطنية في التعاملات اليومية.
ولا يزال اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي يمثل إحدى السمات الأساسية للمنطقة. فهذا القطاع يوفر مصادر رزق لملايين المواطنين، لكنه في الوقت نفسه يحد من قدرة هذه الأنشطة على الوصول إلى التمويل الرسمي بسبب غياب التسجيل القانوني والسجلات المالية.
لكن الحل لا يكمن في مطالبة الشركات وحدها بالتحول إلى الاقتصاد الرسمي، بل إن البنوك نفسها مطالبة بتطوير نماذج عملها.
فالنماذج التقليدية التي تعتمد بصورة مفرطة على الضمانات العينية غالباً ما تستبعد الشركات التي تمتلك أفكاراً واعدة لكنها تفتقر إلى الأصول الكافية.
أما العمل المصرفي الحديث، فيتطلب تطوير أدوات تقييم المخاطر، والاستثمار في التكنولوجيا، وتحسين تحليل العملاء، وتعميق فهم احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ولن تكون أفضل بنوك المستقبل هي التي تكتفي بالسؤال:
"ما الأصول التي تستطيع رهنها؟"
بل تلك التي تسأل:
"ما نموذج أعمالك؟ وما حجم تدفقاتك النقدية؟ وما الأدلة التي تثبت قدرتك على النمو؟"
وهذا بدوره يتطلب مصرفيين أكثر كفاءة يعملون جنباً إلى جنب مع محاسبين أكثر احترافية.
ويمتلك القرن الأفريقي كثيراً من المقومات اللازمة لتحقيق تحول اقتصادي حقيقي؛ فهو يضم سكاناً من فئة الشباب، ويتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، ويزخر بروح المبادرة وريادة الأعمال، ويمتلك موارد طبيعية كبيرة، فضلاً عن تنامي التجارة الإقليمية.
لكن رأس المال لا يستطيع الوصول بكفاءة إلى الفرص الاستثمارية دون وجود معلومات موثوقة.
فالمحاسب يجعل الشركات مرئية، والمصرفي يجعل رأس المال متاحاً، والحكومة تضع القواعد التي تتيح للطرفين أداء دورهما بكفاءة.
ولهذا، فإن المنطقة ليست بحاجة إلى الاختيار بين المحاسبين والمصرفيين، بل تحتاج إلى الاثنين معاً.
وربما لن يصنع الجيل القادم من النمو الاقتصادي رواد الأعمال الذين يؤسسون شركات جديدة أو البنوك التي تفتتح فروعاً إضافية فحسب، بل سيصنعه أيضاً، في هدوء، محاسبون يعدون قوائم مالية دقيقة، ومدققون يعززون الثقة، وهيئات تنظيمية ترسخ بيئة تصبح فيها الشفافية القاعدة الطبيعية لممارسة الأعمال.
وفي الرحلة الطويلة نحو التحول الاقتصادي، يوفر المصرفيون الوقود، بينما يرسم المحاسبون خريطة الطريق... ولا تكتمل أي رحلة ناجحة إلا بهما معاً.
