بث تجريبي

السودان والصين: هل تصبح بكين بوابة إعادة بناء الدولة أم مجرد ممول لأزمة مؤجلة؟

تقارير وملفات - Foresight

في خضم الحرب التي تعصف بالسودان منذ أكثر من عامين، لم تعد معركة الدولة السودانية تقتصر على الجبهات العسكرية أو التنافس على السلطة، بل امتدت إلى ساحة أكثر حساسية تتعلق بمستقبل الاقتصاد الوطني وقدرة الدولة على البقاء وإعادة إنتاج وظائفها الأساسية. وفي هذا السياق، تكتسب المباحثات الجارية بين البنك الزراعي السوداني وصندوق التنمية الصيني–الإفريقي أهمية تتجاوز حدود التمويل الزراعي أو دعم المشاريع الإنتاجية، لتطرح سؤالاً استراتيجياً أعمق يتعلق بموقع الصين في معادلة إعادة بناء الاقتصاد السوداني ومستقبل التوازنات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب.

فالسودان لا يبحث اليوم عن استثمارات إضافية فحسب، بل عن شريك قادر على توفير رأس المال والتكنولوجيا والأسواق في وقت تتآكل فيه القدرات المالية للدولة وتتراجع فيه فرص الحصول على التمويل من المؤسسات الدولية التقليدية. ومن هنا تبدو بكين مرشحة للعب دور يتجاوز التمويل إلى المشاركة في صياغة النموذج الاقتصادي الذي قد يحكم السودان خلال العقود المقبلة.

اقتصاد الحرب والبحث عن شريان إنقاذ

أدت الحرب إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية السودانية بصورة غير مسبوقة. فقد تعرضت قطاعات الإنتاج والخدمات والبنية التحتية لخسائر كبيرة، بينما تراجعت الإيرادات العامة واحتياطات النقد الأجنبي، واتسعت الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي. وفي ظل هذه الظروف، أصبحت قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية أو الحفاظ على استقرار سعر الصرف أكثر محدودية من أي وقت مضى.

وتكمن المشكلة الأساسية في هذا الصدد أن السودان لا يواجه أزمة سيولة أو تمويل فقط، بل أزمة إنتاج حقيقية. فمصدر قوة العملات الوطنية لا يرتبط بالإجراءات النقدية وحدها، وإنما بقدرة الاقتصاد على توليد قيمة مضافة وصادرات مستدامة. ومن هنا يبرز القطاع الزراعي باعتباره أحد الأصول الاستراتيجية القليلة التي ما زالت تمتلك القدرة على إنتاج تدفقات نقد أجنبي خلال فترة زمنية معقولة.

ولهذا لا تبدو المباحثات مع الصين مجرد محاولة للحصول على قروض أو تسهيلات مالية، بل تعكس سعياً لإعادة توظيف الميزة النسبية التاريخية للسودان المتمثلة في موارده الزراعية الواسعة، باعتبارها نقطة الانطلاق الممكنة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني.

العودة إلى الشرق: إعادة تموضع اقتصادي أم تحول جيوسياسي؟

يعيد الانفتاح الحالي على الصين إحياء سياسة "التوجه شرقاً" التي شكلت أحد مرتكزات السياسة الاقتصادية السودانية خلال العقود الماضية. إلا أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي أحاطت بالشراكة النفطية السودانية–الصينية في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة.

ففي تلك المرحلة، كانت الصين تبحث عن مصادر جديدة للطاقة، بينما كان السودان يسعى إلى استثمار موارده النفطية في ظل العقوبات الغربية. أما اليوم، فإن العلاقة تتطور في سياق مختلف يتمثل في سعي السودان إلى إعادة بناء اقتصاده بعد الحرب، وفي الوقت ذاته سعي الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في القارة الإفريقية عبر مبادرات التمويل والتنمية وسلاسل الإمداد الغذائية.

ومن هذا المنظور، فإن التقارب الاقتصادي مع بكين لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في النظام الدولي، حيث تتزايد أهمية الأدوات الاقتصادية والاستثمارية بوصفها أدوات نفوذ سياسي واستراتيجي. فالصين لا تنظر إلى السودان باعتباره مجرد سوق استثمارية، بل باعتباره موقعاً استراتيجياً يربط بين البحر الأحمر والقرن الإفريقي وعمق القارة الإفريقية، فضلاً عن امتلاكه واحداً من أكبر الاحتياطيات الزراعية غير المستغلة في العالم.

من تصدير المواد الخام إلى بناء القوة الاقتصادية

تكشف الأزمة السودانية الحالية عن مفارقة هيكلية عميقة؛ فالدولة تمتلك موارد زراعية ومائية وحيوانية ضخمة، لكنها ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام منخفضة القيمة.

لقد ظلت بنية الاقتصاد السوداني لعقود قائمة على تصدير القطن الخام والسمسم والصمغ العربي والماشية الحية، وهو نموذج اقتصادي يحد من القدرة على تعظيم العائدات التصديرية ويجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في زيادة الإنتاج الزراعي فحسب، وإنما في بناء سلاسل قيمة متكاملة تشمل التصنيع الغذائي والتخزين والتعبئة والتسويق والخدمات اللوجستية. وهنا تبرز أهمية الشراكة المحتملة مع الصين، ليس فقط كمصدر للتمويل، بل باعتبارها أحد أكبر النماذج العالمية في تحويل الزراعة من قطاع أولي إلى قاعدة صناعية وتصديرية متقدمة.

فإذا نجح السودان في الانتقال من تصدير المحاصيل الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة العائدات التصديرية وتحسين الميزان التجاري وتعزيز احتياطات النقد الأجنبي، وهي العوامل التي تشكل الأساس الحقيقي لاستقرار العملة الوطنية.

معضلة التمويل في بيئة عالية المخاطر

ورغم جاذبية الفرص الاستثمارية، فإن العقبة الرئيسية تظل مرتبطة بالمخاطر السياسية والأمنية. فالحرب لا تزال تلقي بظلالها على البيئة الاستثمارية، كما أن ضعف المؤسسات وتراجع البنية التحتية يحدان من قدرة الدولة على تقديم الضمانات التقليدية المطلوبة لجذب رؤوس الأموال.

وهنا تبرز أهمية البحث عن نماذج تمويل جديدة تقوم على تقاسم المخاطر والعوائد بدلاً من الاعتماد على القروض السيادية التقليدية. فالصيغ القائمة على الشراكات الاستثمارية وربط التمويل بعوائد الصادرات أو بالمشروعات الإنتاجية قد تمنح السودان فرصة للحصول على التمويل دون الوقوع في دوامة مديونية جديدة.

لكن نجاح هذه الصيغ سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي والقانوني، لأن رأس المال، مهما كانت درجة مخاطره، يحتاج في النهاية إلى بيئة يمكن التنبؤ بها.

هل يتحول السودان إلى منصة غذائية إقليمية؟

وراء المباحثات الاقتصادية الحالية يبرز تصور أكثر طموحاً يتعلق بإعادة تعريف موقع السودان داخل الاقتصاد الإقليمي. فبدلاً من النظر إليه باعتباره دولة تعاني أزمات مزمنة، يمكن التعامل معه باعتباره أحد أهم المرشحين للعب دور إقليمي في الأمن الغذائي العربي والإفريقي.

ويمتلك السودان بالفعل المقومات الأساسية لهذا الدور؛ من الأراضي الزراعية الواسعة والموارد المائية المتنوعة إلى الموقع الجغرافي القريب من أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا. كما أن الطلب العالمي المتزايد على الغذاء يمنح المنتجات الزراعية السودانية فرصة استراتيجية قد لا تتكرر بسهولة.

إلا أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب أكثر من مجرد الاستثمارات الزراعية. فهو يحتاج إلى تطوير شبكات النقل والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية، إضافة إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة الإنتاج والتصدير وفق معايير تنافسية عالمية.

الصين بين فرصة الإنقاذ ومخاطر الاعتماد

ورغم الجاذبية الكبيرة للشراكة مع بكين، فإن التجارب الدولية تشير إلى ضرورة تجنب تحويل الصين إلى الممول الأوحد أو الشريك الاقتصادي المهيمن. فنجاح السودان لن يقاس بحجم التمويل الذي يحصل عليه، بل بقدرته على توظيف هذا التمويل في بناء اقتصاد إنتاجي متنوع ومستدام.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في التعاون مع الصين، وإنما في إعادة إنتاج نمط اقتصادي يعتمد على التمويل الخارجي دون معالجة الاختلالات الهيكلية الداخلية. وعندها قد تتحول الاستثمارات الجديدة إلى مجرد وسيلة لتأجيل الأزمة بدلاً من حلها.

خاتمة

تكشف المباحثات الجارية في بكين عن تحول مهم في مسار الاقتصاد السوداني، لكنها تكشف أيضاً عن معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية بعد الحرب. فالسودان لا يفتقر إلى الموارد، ولا إلى الشركاء المحتملين، بقدر ما يفتقر إلى بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على تحويل الإمكانات إلى قوة اقتصادية حقيقية.

ومن ثم فإن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق فقط بما يمكن أن تقدمه الصين للسودان، بل بما يستطيع السودان أن يفعله بهذه الفرصة. فإذا نجحت الخرطوم في ربط التمويل بالإنتاج والتصنيع والإصلاح المؤسسي، فقد تمثل الشراكة مع بكين بداية لمرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي. أما إذا بقيت المشكلات البنيوية على حالها، فإن الاتفاقيات الجديدة قد تنضم إلى قائمة طويلة من الفرص التي أضاعتها الدولة السودانية على مدار عقود.

وبهذا المعنى، فإن بكين قد تكون بداية الحل، لكنها بالتأكيد ليست الحل كله.