المشروعات الصينية العملاقة تعيد تقييم البنية التحتية في بنما

تقارير وملفات - ماريا زوبيلو
ماريا زوبيلو
كاتبة وباحثة سياسية

أعاد الانفجار والحريق اللذان اندلعا أسفل جسر الأمريكتين في أبريل الماضي، وأسفرا عن مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين، وأجبرا على الإغلاق المؤقت لأحد شرايين النقل الحيوية في بنما، التأكيد على أهمية امتلاك بنية تحتية استراتيجية قادرة على الصمود، إلى جانب توفير طرق بديلة تضمن استمرار حركة النقل والعمليات اللوجستية في حالات الطوارئ.

كما أعاد الحادث إشعال الجدل بشأن التأخر في إنشاء الجسر الرابع فوق قناة بنما. وكان من المفترض أن يسهم المشروع، الذي صُمم لتخفيف الازدحام على جسري الأمريكتين والمئوية، في تعزيز الاتصال بين ضفتي القناة. إلا أن استمرار عدم اكتماله يفرض ضغوطًا إضافية على المعابر القائمة، ويزيد من حجم التداعيات المحتملة للحوادث والاضطرابات.

وقال عضو البرلمان البنمي جوناثان فيغا: «أُعلن عن الجسر الرابع قبل تسع سنوات، وكان من المفترض تسليمه عام 2023. واليوم تجاوزت الزيادة في تكلفته 1.84 مليار دولار»، واصفًا انفجار أبريل بأنه «دليل إضافي على هشاشة النظام بأكمله، في الوقت الذي لا يزال فيه هذا المشروع غير مكتمل».

وأُسند المشروع عام 2018 إلى ائتلاف يضم شركة تشاينا كوميونيكيشنز كونستركشن كومباني (CCCC) وشركة تشاينا هاربور للهندسة (CHEC)، ليصبح واحدًا من أبرز الأمثلة على تنامي التدقيق الذي تفرضه حكومات أمريكا اللاتينية على الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الاستراتيجية، في وقت تتأخر فيه مشروعات كبرى تنفذها شركات صينية مملوكة للدولة عن جداولها الزمنية، وتتجاوز تقديراتها الأولية للتكلفة، وتواجه تساؤلات بشأن جودة التنفيذ.

واستجابة لذلك، بدأت حكومات في أنحاء المنطقة مراجعة العديد من المشروعات الاستراتيجية المرتبطة ببكين، وأخذت في إعادة التفاوض بشأن بعضها، أو تجميدها، بل وإلغاء بعضها الآخر بصورة نهائية.

وفي بنما، يتجاوز الجدل الاعتبارات الفنية بكثير؛ إذ أصبح الجسر الرابع اختبارًا لإعادة التقييم الأوسع التي تجريها البلاد بشأن الاستثمارات الصينية في القطاعات الاستراتيجية.

وقال غييرمو هولتسمان، المحلل السياسي في جامعة فالبارايسو في تشيلي، لمجلة Diálogo: «ترتبط مصالح الصين في بنما بالحفاظ على قدر من السيطرة على سلاسل الإمداد العالمية، وتمثل قناة بنما بوضوح عنصرًا بالغ الأهمية ضمن هذه السلاسل».

وعقب قرار بنما عام 2017 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان وإقامة علاقات مع بكين، شهدت الاستثمارات الصينية في البلاد نموًا سريعًا. إلا أن التأخيرات، وتجاوزات التكلفة، والمخاوف بشأن شفافية بعض المشروعات، أسهمت في تنامي حالة من الشكوك.

وحذر خبراء من المخاطر التي يفرضها ما يُعرف بـ**«رأس المال التآكلي»**، أي الاستثمارات التي لا تقتصر مخاطرها على الجوانب الاقتصادية، وإنما يمكنها أيضًا توسيع النفوذ السياسي لبكين وسيطرتها على أصول استراتيجية، مثل الموانئ وشبكات الطاقة والبنية التحتية اللوجستية.

الجسر الرابع

أصبح الجسر الرابع فوق قناة بنما واحدًا من أبرز الملفات في الجدل الإقليمي بشأن الاستثمارات الصينية. فقد أُسند المشروع إلى ائتلاف الجسر الرابع في بنما، الذي تشكله شركات صينية مملوكة للدولة، ويقع بجوار واحد من أهم طرق التجارة في العالم.

ويواجه المشروع حاليًا تأخيرات، ومراجعات فنية، وتعديلات تعاقدية، وارتفاعًا في التكاليف. وفي أبريل، أعلنت وزيرة العمل البنمية جاكلين مونيوث فرض عقوبات، بعدما رصدت السلطات أيضًا مخالفات تتعلق بظروف العمل ومتطلبات الهجرة.

غير أن التحديات الرئيسية لا تزال تتمثل في الجدول الزمني والتكلفة. ووفقًا لوزارة الأشغال العامة البنمية، فإن المشروع متأخر عن موعده بنحو خمس سنوات، ولم تتجاوز نسبة الإنجاز فيه 37% هذا العام.

وكانت الحكومة قد فرضت بالفعل عقوبات على الائتلاف عام 2020 بسبب التأخر خلال مرحلة التصميم، بينما اضطرت الإدارات اللاحقة إلى مراجعة أجزاء مهمة من العقد.

كما شهدت تكلفة المشروع ارتفاعًا حادًا؛ فبعدما قدرت في البداية بنحو 1.42 مليار دولار، تجاوزت قيمته الإجمالية 2.6 مليار دولار. ووفقًا للسلطات البنمية، يرجع جزء من هذه الزيادة إلى الحاجة إلى معالجة أوجه قصور جرى اكتشافها في التصميم الأصلي.

وقال وزير الأشغال العامة خوسيه لويس أندرادي إن دراسات حركة المرور التي أجرتها الإدارة الحالية أظهرت أن المشروع بصورته الأولية كان سيتسبب في حدوث اختناقات مرورية بمجرد دخوله الخدمة.

وأضاف أندرادي: «لا يمكن تنفيذ استثمار بهذا الحجم ليؤدي في النهاية إلى ازدحام مروري».

وبالنسبة إلى كثير من المحللين، فإن هذه الديناميكيات لا تمثل مجرد مشكلة اقتصادية، بل يمكنها أيضًا أن تزيد اعتماد الحكومات على مشروعات يصعب إعادة التفاوض بشأنها أو وقفها، لا سيما في ظل الضغوط الدبلوماسية الصينية.

وقال هولتسمان: «يمكن لهذا الضغط أن يؤدي إلى إبطاء المشروعات أو تعليقها أو تغيير شروطها بهدف التأثير في قرارات الحكومات».

وزادت طبيعة الشركات المشاركة في المشروع من حدة المخاوف. ففي عام 2020، أدرجت وزارة الحرب الأمريكية شركة تشاينا كوميونيكيشنز كونستركشن كومباني على قائمة الشركات التي اعتُبرت مرتبطة بجيش التحرير الشعبي الصيني. وأثار هذا التصنيف مخاوف من إمكانية استخدام مشروعات البنية التحتية الكبرى لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز المصالح التجارية البحتة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في بنما، نظرًا إلى أن الجسر الرابع يشكل جزءًا من منظومة البنية التحتية اللوجستية المحيطة بالقناة، التي يمر عبرها نحو 5% من إجمالي التجارة البحرية العالمية.

اتجاه إقليمي متنامٍ

راجعت الحكومة البنمية عددًا من مشروعات البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك مشروعات مرتبطة بشركات صينية، في مؤشر على تشديد التدقيق في الاستثمارات داخل القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية.

وتأتي هذه المراجعة في الوقت الذي تسعى فيه بنما إلى تعزيز الرقابة على بنيتها التحتية الحيوية، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للموانئ وشبكات الخدمات اللوجستية وقناة بنما.

وفي يناير، ألغت السلطات امتياز تشغيل ميناء حاويات كولون الممنوح لشركتي شنغهاي غورجيوس للاستثمار والتنمية ولاندبريدج غروب الصينيتين، مستندة إلى مخالفات تعاقدية.

وهناك مشروع آخر يرتبط بالاستثمارات الصينية، وهو مشروع Gas to Power Panamá للطاقة، البالغة قيمته 900 مليون دولار، والذي طورته شركة Sinolam Smarter Energy LNG Power. وكانت الشركة البنمية قد عُرّفت عند إطلاق المشروع باعتبارها شركة تابعة لشركة شنغهاي غورجيوس للاستثمار والتنمية.

لكن المشروع واجه لاحقًا سنوات من التأخير ونزاعات تنظيمية. وقد استقطب ذلك اهتمامًا دوليًا، لأن الموانئ والبنية التحتية اللوجستية في بنما، إلى جانب قناة بنما، تمثل عناصر حيوية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الإقليمية ومصالح الأمن القومي الأمريكي.

وتعكس إعادة تقييم الاستثمارات الصينية اتجاهًا أصبح أكثر وضوحًا في أنحاء أمريكا اللاتينية، حيث تعيد الحكومات النظر في مشروعات البنية التحتية في ضوء تزايد المخاوف المتعلقة بالشفافية، والاعتماد الاستراتيجي، والأمن الاقتصادي، وقدرة البنية التحتية الحيوية على الصمود.

وفي بوليفيا، شملت الانتقادات المثارة حول مشروع طريق إل سيلار، الذي نفذته شركة سينوهيدرو الصينية المملوكة للدولة، اتهامات بوجود عيوب في أعمال الإنشاء، وإخلالات تعاقدية، ونزاعات بين السلطات والشركة المنفذة.

وفي الإكوادور، ألغت شركة الكهرباء الحكومية Corporación Eléctrica del Ecuador (CELEC) في يوليو مناقصة بقيمة 47 مليون دولار لإنشاء بنية تحتية لنقل الكهرباء، وذلك قبل فترة وجيزة من الموعد المتوقع لإسنادها إلى ائتلاف يضم شركتي China Railway First وXian Electric Engineering.

وأرجعت الشركة قرارها إلى اعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة والشفافية وحماية الموارد العامة.

وقال هولتسمان: «تتعلم دول أمريكا اللاتينية كيفية الاستجابة من خلال السعي إلى الحفاظ على سيادتها وحماية مصالحها الوطنية».

لكنه أضاف أن «الكثير من دول المنطقة لا تزال تفتقر إلى تعريف واضح وراسخ لمصالحها الوطنية، التي غالبًا ما تختلط بالاحتياجات قصيرة الأجل المرتبطة بالرفاه الاجتماعي أو النمو الاقتصادي».

وتظهر الحالات الأخيرة في بنما وبوليفيا والإكوادور أن الجدل لم يعد مقتصرًا على مسألة جذب الاستثمارات الأجنبية. فالحكومات أصبحت تنظر بصورة متزايدة في تأثير استثمارات البنية التحتية على الأمن الاقتصادي، والأمن القومي، ومرونة سلاسل الإمداد، وقدرتها على حماية الأصول الحيوية خلال فترات التنافس الجيوسياسي.

ومع تنامي الدور الذي تؤديه البنية التحتية الحيوية في الأمن الاقتصادي والأمن القومي ومرونة سلاسل الإمداد، وكذلك في قدرة الدولة على أداء وظائفها، تعمل حكومات المنطقة أيضًا على تقييم مدى تأثير هذه المشروعات على صمود الأصول الاستراتيجية، والشفافية المؤسسية، وقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.

حماية البنية التحتية الحيوية

إن حماية البنية التحتية الحيوية تتجاوز مجرد إنشاء مشروعات جديدة؛ فهي تتطلب أيضًا تقييم الجهات التي تتولى تطوير هذه المشروعات، والشروط التي يجري تنفيذها في ظلها، وحجم الرقابة التي تحتفظ بها الدولة، وكيف يمكن أن تؤثر هذه المشروعات في استمرارية الخدمات والممرات الاستراتيجية خلال الأزمات أو حالات الطوارئ.

وتسعى حكومات أمريكا اللاتينية إلى تحقيق توازن بين الحاجة إلى رأس المال الأجنبي وبين إيلاء اهتمام أكبر بالشفافية والمرونة والحماية طويلة الأجل للأصول الاستراتيجية.

المصدر: نُشر هذا المقال بواسطة Diálogo Américas.