الأزمة الدستورية في الصومال: تهديد متصاعد لاستقرار القرن الأفريقي
يقف الصومال اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث يتعين عليه الاختيار بين مسارين بالغَي الصعوبة: إما المضي في إصلاحات تدريجية تقود إلى انتخابات مباشرة، ولكن على حساب تعزيز سلطة الحكومة المركزية في مقديشو، أو التوجه نحو مزيد من اللامركزية، وهو خيار قد يفضي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإضعاف السلطة المركزية بصورة أكبر. ورغم أن سيناريو التفكك الكامل على غرار البلقان لا يبدو وشيكاً، فإن المخاطر التي تواجه البلاد مرتفعة إلى حد يدعو للقلق.
ومنذ الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران)، يشهد الصومال حالة من الاضطراب السياسي والأمني، بعدما اندلعت مواجهات بين قوات الحكومة الفيدرالية وميليشيات موالية لقوى المعارضة. وقد بدأت الاحتجاجات اعتراضاً على تمديد الفترة الرئاسية والتعديلات الدستورية المقترحة، قبل أن تتطور لاحقاً إلى أعمال عنف. وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه الصومال مواجهة تهديدات الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيما «القاعدة» و«حركة الشباب». كما تشهد عدة مناطق، وعلى رأسها أرض الصومال (صوماليلاند)، مطالب متزايدة بالانفصال عن الدولة الصومالية. وفي ظل هشاشة الأوضاع القائمة أصلاً، تعكس هذه المواجهات مؤشرات مقلقة بشأن مستقبل البلاد.
ولا تختلف الأزمة السياسية الحالية كثيراً عن أزمات سابقة شهدها الصومال، سواء من حيث طبيعتها أو أسبابها. فقد شهدت البلاد توترات مماثلة عام 2021 عندما حاول الرئيس السابق محمد عبد الله محمد، المعروف بـ«فرماجو»، تمديد ولايته. وكأن المشهد يتكرر بصورة دورية؛ إذ تسعى الحكومات القائمة قبيل الانتخابات إلى إدخال تعديلات دستورية تحت شعار الإصلاح السياسي، بينما ترفضها المعارضة وتتهم السلطة باتباع نهج استبدادي. إلا أن الأزمة الراهنة تبدو أكثر خطورة من سابقاتها، لأنها تمس مستقبل النظام السياسي الصومالي، ووحدة الدولة، واستقرار منطقة القرن الأفريقي المضطربة أصلاً.
جذور الأزمة الدستورية
تعود جذور الاضطرابات الأخيرة إلى شهر مارس (آذار)، عندما سعى الرئيس حسن شيخ محمود إلى إجراء تعديلات دستورية مثيرة للجدل تضمنت تمديد ولاية الرئيس والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات، ما يتيح له البقاء في السلطة عاماً إضافياً.
غير أن التعديل الأكثر أهمية تمثل في محاولة استبدال نظام الانتخابات غير المباشرة القائم على المحاصصة العشائرية بنظام «شخص واحد، صوت واحد».
ولم يشهد الصومال انتخابات عامة مباشرة على مستوى البلاد منذ عام 1969. وعندما تأسست الحكومة الفيدرالية الصومالية عام 2012، تم اعتماد نظام انتخابي غير مباشر، يقوم على اختيار شيوخ العشائر لأعضاء البرلمان، الذين يتولون بدورهم انتخاب رئيس الجمهورية. وقد أسهم هذا النظام خلال مرحلة ما بعد الحرب الأهلية في الحفاظ على قدر من التوازن السياسي والاستقرار النسبي.
إلا أن هذا النموذج كان يفترض أن يكون انتقالياً ومؤقتاً. ومع مرور الوقت، تحول إلى نظام معقد من الصفقات السياسية والمساومات بين النخب، حيث أصبحت بعض المقاعد البرلمانية تُباع فعلياً بمبالغ تتراوح بين مئات الآلاف وأكثر من مليون دولار للمقعد الواحد، بحسب تقديرات متداولة.
ويُنظر إلى الانتقال نحو الاقتراع العام المباشر باعتباره خطوة ضرورية نحو بناء نظام ديمقراطي أكثر تمثيلاً وعدالة. ومع ذلك، فإن اعتراضات المعارضة لا تتعلق بمبدأ الإصلاح نفسه، بل بالكيفية التي يجري بها تطبيقه. فقد تم تمرير التعديلات الدستورية في البرلمان دون توافق وطني واسع أو تشاور مع القوى المعارضة، ما دفع الأخيرة إلى مقاطعة العملية السياسية.
كما تثير المعارضة مخاوف بشأن استقلالية اللجنة الانتخابية وقدرتها على إدارة انتخابات نزيهة، فضلاً عن التحديات الأمنية واللوجستية الهائلة التي تواجه إجراء انتخابات وطنية مباشرة في ظل استمرار سيطرة حركة الشباب على أجزاء واسعة من البلاد.
صراع المركز والأقاليم
وفق دستور عام 2012، يتألف الصومال من سبع ولايات اتحادية. إلا أن العلاقة بين الحكومة المركزية في مقديشو والولايات الفيدرالية شهدت توترات متزايدة خلال السنوات الأخيرة.
فقد أعلنت ولاية بونتلاند تعليق اعترافها بالحكومة الفيدرالية، بينما تواصل ولاية جوبالاند إدارة شؤونها بقدر كبير من الاستقلالية. أما صوماليلاند فتعمل عملياً كدولة مستقلة منذ عام 1991، بعدما أنشأت مؤسساتها السياسية والأمنية والإدارية الخاصة على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
وخلال الفترة الأخيرة، دخلت ولايات جنوب غرب الصومال وغلمدغ وهيرشبيلي أيضاً في خلافات مع الحكومة المركزية، متهمة مقديشو بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة فرض شخصيات موالية لها على رأس المؤسسات المحلية.
حركة الشباب: المستفيد الأكبر من الانقسام
إذا كانت الخلافات السياسية تهدد استقرار الدولة، فإن المستفيد الأكبر منها يبقى حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.
فخلال السنوات الأخيرة، نجحت الحركة في ترسيخ نفوذها كواحدة من أكثر حركات التمرد صموداً في أفريقيا، حيث تسيطر على مناطق واسعة، وتفرض الضرائب، وتنفذ هجمات إرهابية معقدة، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة والانقسامات السياسية.
وفي هذا السياق، فإن أي انشغال للحكومة بالصراعات الداخلية من شأنه أن يوفر للحركة فرصة لتعزيز مواقعها وتوسيع نفوذها. وقد شهدت دول أخرى، مثل مالي بعد انقلاب عام 2021، سيناريوهات مشابهة استغلت فيها الجماعات المسلحة والانفصالية حالة الاضطراب السياسي للتوسع على حساب الدولة.
تداعيات إقليمية على القرن الأفريقي
لا تقتصر آثار الأزمة الصومالية على حدود البلاد، بل تمتد إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها، وهي واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة من الناحية الجيوسياسية.
فالموقع الاستراتيجي للصومال على البحر الأحمر وخليج عدن يمنحه أهمية استثنائية بالنسبة للتجارة الدولية وأمن الملاحة البحرية. وأي تدهور إضافي في الاستقرار الداخلي قد ينعكس سلباً على حركة التجارة العالمية التي تواجه أصلاً تحديات متزايدة في عدد من الممرات البحرية الحيوية.
كما أن تفاقم الأزمة قد يؤدي إلى موجات جديدة من النزوح واللجوء، ويزيد من مخاطر القرصنة البحرية، ويمنح الجماعات المتطرفة مساحة أكبر للتحرك عبر الحدود.
ولهذا تتابع كل من إثيوبيا وكينيا التطورات عن كثب، نظراً لما تمتلكانه من مصالح أمنية مباشرة في الصومال، وخشية من أن يؤدي ضعف الحكومة الفيدرالية إلى خلق بيئة أكثر ملاءمة لنشاط الجماعات المتشددة في شرق أفريقيا.
إلى أين يتجه الصومال؟
رغم أن جهود الوساطة التي قادها شيوخ العشائر والضغوط الدولية نجحت مؤقتاً في منع توسع المواجهات، فإن جوهر الأزمة لا يزال قائماً.
فالخلاف حول آليات الانتخابات لا يتعلق فقط بالإجراءات الدستورية، بل بمستقبل توزيع السلطة داخل النظام الفيدرالي الصومالي. وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التآكل في سلطة الدولة المركزية وإلى واقع أقرب إلى التفكك التدريجي.
وتقدم تجارب يوغوسلافيا السابقة وأفغانستان دروساً تحذيرية للصومال. ففي حين تواجه البلاد جدلاً مشابهاً للنقاش الذي دار في يوغوسلافيا حول الفيدرالية واستقلال الأقاليم، فإنها تواجه أيضاً تمرداً مسلحاً قادراً على استغلال الانقسامات السياسية، كما حدث في أفغانستان.
ويقف الصومال اليوم أمام خيارين صعبين: إصلاح سياسي تدريجي يقود إلى انتخابات مباشرة لكنه يعزز سلطة المركز، أو توسيع اللامركزية بما قد يضعف الدولة أكثر. وربما لا يكون خطر «بلقنة» الصومال وشيكاً، لكن البلاد قد تتحول إلى ساحة صراع مفتوحة تتنافس فيها الحكومة الفيدرالية والولايات والأطراف العشائرية والجماعات المسلحة على النفوذ والسلطة.
ويبقى الطريق نحو الاستقرار رهناً بحوار سياسي طويل، وتسويات مؤلمة، وقدرة مختلف الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة تضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الفئوية والجهوية.
