لوكربي تعود من بوابة القضاء

تقارير وملفات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

لم تعد قضية لوكربي مجرد ملف جنائي يعود إلى حادثة وقعت قبل نحو أربعة عقود، ولا مجرد محاولة قضائية أمريكية لإثبات مسؤولية أبو عجيلة مسعود المريمي عن دوره المزعوم في تفجير طائرة "بان آم 103" عام 1988. فعودة القضية إلى الواجهة، بالتزامن مع اقتراب محاكمة المريمي أمام القضاء الأمريكي، تفتح سؤالاً سياسياً واستراتيجياً أوسع بكثير من حدود الاتهام الجنائي لشخص واحد. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن تتحول محاكمة مسؤول أمني ليبي سابق إلى مدخل لإعادة إنتاج قضية لوكربي باعتبارها قضية دولة، بعد أن جرى إغلاق جانبها السياسي والمالي عبر تسوية أمريكية–ليبية عام 2008؟

هذه هي الزاوية التي تجعل القضية الحالية مختلفة. فالمحاكمة بصرف النظر عن نتيجتها النهائية لا تجري في فراغ سياسي. إنها تأتي في سياق دولة ليبية منقسمة ومؤسسات ضعيفة، وعلاقات أمريكية–ليبية لم تستقر على صيغة استراتيجية واضحة، وذاكرة قانونية وسياسية لم تُمحَ بالكامل رغم التسويات التي أغلقت جانباً مهماً من المطالبات السابقة.

الملاحظ هنا أن الاتهام الموجه إلى المريمي ذات صفة شخصي من الناحية القانونية، فهو متهم بالمشاركة في تصنيع القنبلة التي دمرت الطائرة وقتلت 270 شخصاً، بينما ينفي الاتهام. ويعتمد الادعاء، من بين عناصر أخرى، على إفادة خطية منسوبة إليه تعود إلى عام 2012، ويقول إنها تتضمن إقراراً بدوره في تصنيع العبوة الناسفة وتسليمها إلى عبد الباسط المقرحي ولمين فحيمة في مالطا.

لكن المريمي ليس متهماً عادياً؛ فهو ضابط سابق في جهاز الأمن الخارجي الليبي. ولذلك فإن إثبات مسؤوليته الفردية قد تكون له دلالة تتجاوز شخصه، لأنه يمكن أن يعيد إحياء السؤال القديم حول طبيعة العلاقة بين العملية وأجهزة الدولة الليبية في عهد معمر القذافي. وهنا تحديداً تكمن القيمة السياسية للمحاكمة، فالولايات المتحدة ليست مضطرة بالضرورة إلى إعادة محاكمة الدولة الليبية كي تنتج المحاكمة آثاراً سياسية. يكفي أن تؤدي إدانة مسؤول استخباراتي سابق إلى تعزيز رواية تقول إن لوكربي لم تكن فعلاً منفرداً قام به أفراد، وإنما عملية ارتبطت بمؤسسات الدولة الليبية في ذلك الوقت.

وهنا يكمن الفرق الجوهري، فالإدانة الجنائية للفرد شيء، وإثبات المسؤولية الدولية أو المدنية للدولة شيء آخر. ولا ينبغي الخلط بينهما، لكن السياسة الدولية لا تتعامل دائماً مع هذه المستويات باعتبارها منفصلة تماماً؛ إذ يمكن لنتيجة قضائية تخص فرداً أن تصبح لاحقاً أساساً لحجج سياسية وقانونية تتعلق بالدولة التي كان يعمل لحسابها. ومن هنا يمكن فهم حساسية القضية بالنسبة إلى ليبيا، حيث تكتسب الإفادة المنسوبة إلى المريمي أهمية خاصة لأن المحكمة سمحت باستخدامها أمام هيئة المحلفين. غير أن قبول الوثيقة كدليل لا يعني أن المحكمة أقرت بصحة مضمونها، كما أن عرضها على هيئة المحلفين لا يعني ثبوت الاتهام.

هذه التفرقة القانونية مهمة، لكنها سياسياً أكثر أهمية، فالمعركة لا تدور فقط حول ما إذا كانت الوثيقة ستُقبل، وإنما حول ما إذا كانت ستنجح في إعادة بناء رواية متماسكة تربط المريمي بعملية لوكربي وبأجهزة الدولة الليبية السابقة. وبحسب النص، يقول الادعاء إن الإفادة تتضمن إقراراً بالدور في تصنيع القنبلة، بينما يدفع الدفاع بأنها انتُزعت تحت الضغط والتهديد. كما أن مسار الوثيقة نفسه غير معتاد، إذ انتقلت من حيازة ضابط شرطة ليبي إلى السلطات الاسكتلندية ثم الأمريكية. وهنا تصبح مصداقية الوثيقة وظروف الحصول عليها ومدى توافقها مع الأدلة الأخرى عناصر حاسمة في القضية. لكن من المنظور السياسي، ثمة سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا سيحدث للرواية السياسية التي ستنتج عن المحاكمة إذا صدر حكم بالإدانة؟

إذا نجح الادعاء في إقناع هيئة المحلفين، فلن يكون الأمر مجرد إدانة شخص شارك في جريمة إرهابية تاريخية؛ فقد يُستخدم الحكم لتدعيم سردية أوسع حول مسؤولية مؤسسات الدولة الليبية السابقة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تستعد لها طرابلس، وليس فقط لنتيجة المحاكمة الجنائية.

في عام 2008، قطعت ليبيا والولايات المتحدة شوطاً مهماً نحو إنهاء المطالبات الأمريكية المرتبطة بأعمال إرهابية سابقة. فقد نصت التسوية على دفع 1.5 مليار دولار لتسوية المطالبات الداخلة في نطاقها، كما أكد الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 13477 تسوية المطالبات المشمولة بالاتفاق.ومن ثم، سيكون من الخطأ التعامل مع محاكمة المريمي وكأنها تؤدي تلقائياً إلى إعادة فتح باب التعويضات التي أغلقتها تسوية 2008.

يلاحظ أيضا أنه لا توجد، وفق المعطيات الواردة في المقال، علاقة آلية بين إدانة فرد وبين سقوط الحماية القانونية التي وفرتها التسوية للدولة الليبية أو فتح جميع المطالبات السابقة من جديد. لكن هذا لا يعني أن المخاطر غير موجودة. فالخطر الحقيقي قد يظهر في المنطقة الواقعة بين النص القانوني والتوظيف السياسي للنص. فقد تظهر محاولات للقول إن بعض المطالبات أو الأفعال لا تدخل في نطاق التسوية، أو إن نتائج المحاكمة الجديدة توفر أساساً لمسارات قانونية مختلفة، أو أن الحكم الجنائي يمكن استخدامه في سياقات قضائية أو سياسية أخرى.

وهنا لا تكفي عبارة "ملف لوكربي أُغلق"، فالإغلاق القانوني لا يعني بالضرورة انتهاء القدرة السياسية على إعادة تفسير الملف. لكن المشكلة الأعمق ليست لوكربي وإنما ضعف الدولة الليبية، فربما تكون أخطر نقطة في القضية كلها خارج قاعة المحكمة. فليبيا التي تواجه تداعيات لوكربي اليوم ليست ليبيا التي تفاوضت على تسوية عام 2008. الدولة الليبية تعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً، وتعدد مراكز القرار والنفوذ، وضعفاً في القدرة على إنتاج سياسة خارجية موحدة تجاه الملفات الاستراتيجية.

ولعل ذلك ما يغير معادلة القوة، فالدولة التي تمتلك مؤسسات قانونية ودبلوماسية قوية تستطيع الدفاع عن اتفاقاتها السابقة، وتفسيرها، ومواجهة أي محاولة لإعادة فتحها أو الالتفاف عليها. أما الدولة المنقسمة، فإن ضعفها المؤسسي قد يجعل حتى الاتفاقات التي تمتلك أساساً قانونياً قوياً عرضة لضغوط سياسية جديدة. ومن هنا فإن الخطر الذي تمثله عودة لوكربي بالنسبة إلى ليبيا لا يتمثل فقط في احتمال خسارة دعوى قضائية، هنا يكمن الخطر في غياب القدرة على إدارة تداعيات الدعوى قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية، وهذا فارق استراتيجي بالغ الأهمية.

لكن لماذا قد تكون واشنطن مهتمة بإعادة تثبيت الرواية؟ حيث لا يحتاج تحليل عودة القضية إلى افتراض وجود مؤامرة أمريكية لإعادة فرض العقوبات على ليبيا أو الاستيلاء على أصولها. مثل هذه الاستنتاجات تتجاوز ما تسمح به المعطيات. لكن في المقابل، سيكون من السذاجة النظر إلى القضية باعتبارها ملفاً جنائياً منفصلاً تماماً عن السياسة الخارجية.

القضايا المرتبطة بالإرهاب الدولي تمتلك دائماً قدرة على إنتاج آثار سياسية تتجاوز الحكم القضائي. فإذا أثبت القضاء الأمريكي، على سبيل المثال، مسؤولية ضابط استخبارات ليبي سابق عن المشاركة في العملية، فإن ذلك سيمنح واشنطن سنداً إضافياً لتثبيت رواية تاريخية وقانونية حول مسؤولية النظام الليبي السابق عن لوكربي. وهذا بحد ذاته يمكن أن يكون ذا قيمة سياسية. فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى أموال جديدة كي تستفيد من القضية. يمكن أن تكون القيمة في إعادة تثبيت سردية المسؤولية، واستخدامها في سياق أوسع من العلاقات الثنائية.

وليبيا، في المقابل، تحتاج إلى الولايات المتحدة في ملفات متعددة، من التعاون الأمني إلى الاستثمار والعلاقات الاقتصادية وإعادة بناء الثقة الدولية.

ومن ثم، فإن أي عودة قوية لقضية لوكربي إلى المجال السياسي يمكن أن تضيف ورقة ضغط إلى العلاقة الأمريكية–الليبية. فبين الماضي والحاضر: من يتحمل مسؤولية نظام لم يعد موجوداً؟ هنا تظهر واحدة من أكثر المعضلات السياسية تعقيداً، فليبيا الحالية ليست نظام القذافي، والدولة الليبية الراهنة ليست بالضرورة صاحبة القرار في الجرائم والأفعال المنسوبة إلى مؤسسات النظام السابق.

ومن ثم، فإن الخلط بين مسؤولية النظام السابق ومسؤولية الدولة الحالية يمكن أن ينتج نتائج خطيرة، فمن الممكن لليبيا أن تتعامل مع الماضي من خلال الاعتراف التاريخي بما يثبت قضائياً، دون أن تقبل تلقائياً بإعادة تحميل الدولة الحالية التزامات قانونية جرى تسويتها. بل إن الفصل بين المستويات الثلاثة يجب أن يكون حجر الأساس في أي استراتيجية ليبية:

  1. المسؤولية الجنائية الفردية للمريمي إذا ثبتت أمام القضاء.

  2. المسؤولية السياسية والتاريخية للنظام السابق عن أفعاله.

  3. المسؤولية القانونية الحالية للدولة الليبية في ضوء الاتفاقات والتسويات الدولية القائمة.

ذلك أن هذا الفصل ليس مناورة قانونية، بل ضرورة استراتيجية لحماية مصالح الدولة الليبية. فليبيا تحتاج إلى استراتيجية "ما بعد الحكم"، حيث تكمن المشكلة في التعامل الليبي مع القضية ستكون إذا جرى اختزالها في سؤال واحد: هل سيُدان المريمي أم لا؟ وهو السؤال الذي يخص المحكمة. أما السؤال الذي يخص الدولة الليبية فهو: ماذا ستفعل طرابلس في اليوم التالي للحكم؟ فإذا صدرت الإدانة، ينبغي أن تكون لدى ليبيا منذ الآن استراتيجية قانونية تحدد بدقة ما الذي يمكن أن يترتب عليها وما الذي لا يمكن أن يترتب.

ويجب أن تتضمن هذه الاستراتيجية مراجعة شاملة لتسوية 2008، والتشريعات الأمريكية المرتبطة بها، والأمر التنفيذي، وحدود الحماية القانونية التي توفرها، وأي مسارات يمكن أن تستخدم لمحاولة تجاوزها. وفي الوقت نفسه، ينبغي بناء تحرك دبلوماسي هادئ مع واشنطن ولندن وإدنبرة، ليس للتدخل في القضاء أو التأثير في المحاكمة، وإنما لتثبيت التمييز بين المسار الجنائي الخاص بفرد وبين الالتزامات القانونية التي سبق أن جرى تسويتها على مستوى الدولة.

والأهم أن تتحول ليبيا من سياسة رد الفعل إلى سياسة الاستباق، فالدولة التي تنتظر حتى تتحول القضية إلى أزمة مالية أو دبلوماسية تكون قد خسرت جزءاً مهماً من قدرتها على المناورة.ذلك أن الخطر لا يكمن في التعويضات وحدها فمن الخطأ اختزال المخاطر المحتملة في رقم مالي جديد، فحتى إذا لم تُفتح المطالبات التي شملتها تسوية 2008، يمكن أن تكون لإعادة إنتاج ملف لوكربي آثار أخرى. فقد تؤثر القضية في صورة ليبيا لدى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. وقد تستخدم سياسياً في النقاشات المتعلقة بالأصول الليبية أو العلاقات الأمنية أو التعاون الدولي.

كما يمكن أن تؤثر في طبيعة العلاقة بين المؤسسات الليبية والدول الغربية، خصوصاً إذا أصبحت القضية جزءاً من خطاب سياسي أوسع حول إرث النظام السابق. وهكذا، فإن القيمة الاستراتيجية للقضية لا تكمن فقط في الأموال التي يمكن أن تُطالب بها ليبيا أو تُطالب بدفعها، وإنما في قدرتها على التأثير في هامش الحركة السياسية والاقتصادية للدولة الليبية.

هل تعود لوكربي كقضية دولة؟ هذا هو السؤال المركزي. فمحاكمة المريمي قد تنتهي إلى إدانة أو براءة، وقد تنجح الإفادة الخطية في إقناع هيئة المحلفين أو تفشل في ذلك. وكل هذه نتائج قضائية لا يمكن حسمها مسبقاً.

لكن أياً كانت النتيجة، فإن القضية أعادت فتح نافذة على ملف كان يُعتقد أنه انتقل إلى التاريخ. والأهم أنها كشفت أن "إغلاق" الملفات الدولية لا يعني بالضرورة اختفاء قدرتها على العودة. فقد تعود القضية من باب مختلف: متهم جديد، وثيقة جديدة، حكم جديد، أو تفسير قانوني جديد. فبالنسبة إلى ليبيا، لا ينبغي أن يكون الهدف هو الدفاع عن نظام القذافي أو محاولة تبرئة الماضي سياسياً.

هنا يجب أن يكون الهدف أكثر تحديداً مثل  حماية المركز القانوني للدولة الليبية الحالية، والدفاع عن التسويات التي أبرمتها، ومنع تحويل المسؤولية الجنائية الفردية إلى التزام جديد على الدولة من دون أساس قانوني واضح. لكن الاختبار الحقيقي لطرابلس، إذ أنه في النهاية، تكشف عودة لوكربي عن مشكلة تتجاوز قضية المريمي نفسها، إنها تكشف مدى هشاشة الدولة التي لا تمتلك استراتيجية متكاملة لإدارة إرثها الدولي.

فالقضايا التاريخية لا تختفي لمجرد مرور الزمن. وهي لا تُغلق نهائياً بمجرد توقيع اتفاق إذا لم تكن هناك دولة قادرة على حماية الاتفاق والدفاع عن تفسيره عندما تتغير الظروف السياسية. ولهذا فإن القضية تمثل اختباراً مزدوجاً: اختباراً للقضاء الأمريكي في تعامله مع أدلة تعود إلى عقود مضت، واختباراً للدولة الليبية في قدرتها على حماية مصالحها القانونية والسياسية.

وإذا تمكنت طرابلس من الفصل بين محاكمة المريمي وبين مسؤوليات الدولة الحالية، وتمسكت بالاتفاقات والتسويات التي أغلقت المطالبات السابقة، وبنت تحركاً قانونياً ودبلوماسياً مبكراً، فقد تظل لوكربي قضية جنائية وتاريخية. أما إذا اكتفت بانتظار الحكم، فقد تجد نفسها أمام مسار مختلف تماماً؛ مسار يبدأ بمحاكمة رجل، ثم ينتقل إلى إعادة تعريف مسؤولية نظام سابق، ثم ينتهي بمحاولات لإعادة صياغة التزامات الدولة الليبية الحالية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فقد تكون محاكمة أبو عجيلة مسعود المريمي محاكمة لرجل واحد، لكن الرهان الحقيقي فيها قد يكون على مستقبل المسؤولية القانونية والسياسية للدولة الليبية. وبعد أربعة عقود من لوكربي، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: من صنع قنبلة الطائرة؟ بل أصبح السؤال الاستراتيجي هو: هل تستطيع ليبيا أن تمنع عودة لوكربي من التحول من قضية جنائية تخص الماضي إلى أداة لإعادة تعريف التزامات الدولة في الحاضر؟