بث تجريبي

إسرائيل بين أزمة القضاء وتآكل العقد الاجتماعي

تقارير وملفات - Foresight

لم تكن إسرائيل، منذ قيامها عام 1948، غريبة عن الأزمات السياسية أو الحكومات قصيرة العمر. فطبيعة النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي جعلت الائتلافات الحاكمة عرضة للتفكك بصورة متكررة، إلا أن تلك الأزمات ظلت، في معظمها، تدور داخل إطار سياسي مستقر يحافظ على قواعد اللعبة الديمقراطية ومكانة المؤسسات الرئيسية للدولة. أما اليوم، فيبدو أن إسرائيل تواجه أزمة مختلفة جذريًا، لأنها لم تعد تتعلق بمن يحكم، وإنما بطبيعة الدولة نفسها، وبالأسس التي تستند إليها شرعيتها السياسية.

فالأزمة التي اندلعت مع مشروع الإصلاح القضائي الذي طرحته حكومة بنيامين نتنياهو منذ مطلع عام 2023 لم تكن مجرد خلاف حول صلاحيات المحكمة العليا أو آلية تعيين القضاة، بل تحولت إلى صراع مفتوح حول مصدر السلطة داخل الدولة. وبينما يرى اليمين القومي والديني أن الأغلبية البرلمانية المنتخبة تمتلك الحق في إعادة صياغة مؤسسات الدولة بما يعكس التحولات الديموغرافية والسياسية، تنظر المعارضة إلى المشروع باعتباره محاولة لتقويض آخر القيود المؤسسية التي تحد من هيمنة السلطة التنفيذية.

ولذلك، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في القضاء بحد ذاته، وإنما في إعادة تعريف العلاقة بين القانون والسياسة، وبين الأغلبية والمؤسسات، وبين الدولة ومواطنيها.

أزمة تتجاوز الانقسام التقليدي

الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة المشهد الإسرائيلي يتمثل في اختزاله في صراع بين اليمين واليسار، أو بين حكومة ومعارضة. فالاستقطاب الراهن يعكس انقسامًا أعمق بكثير، يتمثل في وجود تصورين متنافسين لمستقبل إسرائيل.

التصور الأول يتمسك بالنموذج الذي تشكل منذ تسعينيات القرن الماضي، والقائم على اقتصاد ليبرالي منفتح، وقضاء مستقل، ومؤسسات قادرة على تقييد السلطة السياسية، بما يحافظ على صورة إسرائيل كدولة مؤسسات. أما التصور الثاني، الذي تزايد نفوذه مع صعود الأحزاب الدينية والقومية، فينطلق من أن المحكمة العليا أصبحت تمثل امتدادًا لنخب تاريخية فقدت وزنها الانتخابي، وأن الوقت قد حان لاستعادة ما يصفه بـ"السيادة الشعبية" عبر منح الحكومة المنتخبة سلطة أوسع في إدارة الدولة.

وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تشهد تنافسًا بين برامج سياسية، وإنما صراعًا بين نموذجين مختلفين للدولة، لكل منهما تصوره الخاص للشرعية، ولدور القضاء، ولموقع الدين والقومية في المجال العام.

ثلاثية الشرعية التي تهتز

تكشف الأزمة الحالية أن إسرائيل دخلت مرحلة بدأت فيها ركائز العقد الاجتماعي التقليدي بالتآكل تدريجيًا. ويمكن اختزال هذا التحول في ثلاثة أسئلة مترابطة: من يمول الدولة؟ ومن يدافع عنها؟ ومن يمتلك القرار النهائي داخلها؟

فعلى المستوى الاقتصادي، تتمركز القوة الإنتاجية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية، وهي القطاعات التي قادت الاحتجاجات ضد الإصلاح القضائي. ولا يعود ذلك إلى اهتمامها بالقضاء من زاوية قانونية فحسب، وإنما لأن استقلال المؤسسات القضائية يمثل أحد أهم عناصر الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد الإسرائيلي وجاذبيته الاستثمارية. لذلك لم يكن مستغربًا أن تصدر التحذيرات من شركات التكنولوجيا، وصناديق الاستثمار، ووكالات التصنيف الائتماني، مع بدء الأزمة، خشية أن يؤدي تسييس القضاء إلى إضعاف البيئة الاستثمارية ودفع رؤوس الأموال إلى الخارج.

أما على المستوى العسكري، فقد كشفت احتجاجات جنود الاحتياط، ولا سيما الطيارين وعناصر الوحدات الاستخباراتية، عن تصدع غير مسبوق في نموذج "جيش الشعب" الذي شكل أحد أهم مصادر قوة إسرائيل لعقود. فالجيش الإسرائيلي يعتمد بصورة كبيرة على قوات الاحتياط، واستمرار هذا النموذج يفترض وجود إجماع وطني حول شرعية الدولة ومؤسساتها. وعندما يبدأ جزء من هذه النخبة العسكرية في ربط استمراره بالخدمة بطبيعة النظام السياسي، فإن الأزمة تصبح أقرب إلى أزمة ثقة بين الدولة وأهم أدواتها الأمنية.

أما الركيزة الثالثة فتتمثل في القضاء، الذي تحول في ظل غياب دستور مكتوب إلى الضامن الأساسي للتوازن بين السلطات. ولذلك، فإن الصراع على المحكمة العليا لا يتعلق بالمحكمة وحدها، بل يتعلق بمن يمتلك الكلمة الأخيرة في تحديد حدود السلطة السياسية.

العامل الديموغرافي... المتغير الأكثر تأثيرًا

ورغم التركيز الإعلامي على شخصية بنيامين نتنياهو، فإن جذور الأزمة أعمق من أي حكومة. فإسرائيل تشهد منذ ثلاثة عقود تحولات ديموغرافية متسارعة أدت إلى ارتفاع الوزن السياسي للتيارات الحريدية والقومية الدينية، مقابل تراجع الهيمنة التقليدية للنخب العلمانية التي قادت الدولة منذ تأسيسها.

هذه التحولات لا تعني فقط تغير نتائج الانتخابات، بل تعني أيضًا إعادة توزيع القوة بين مجتمعين مختلفين داخل الدولة؛ الأول مندمج في الاقتصاد العالمي ويقود قطاعات التكنولوجيا والابتكار، والثاني يمنح الأولوية للهوية الدينية والقومية، ويرى أن التحولات السكانية تمنحه حق إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يتوافق مع أغلبيته المتنامية.

ومن هنا، فإن الصدام الحالي لا يعكس خلافًا سياسيًا عابرًا، وإنما يعبر عن انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة العلاقة بين القوة الاقتصادية، والثقل الديموغرافي، والتمثيل السياسي.

هل تستطيع الحرب إعادة إنتاج الإجماع؟

اعتادت إسرائيل تاريخيًا أن تؤدي الحروب الخارجية إلى تجميد الانقسامات الداخلية وإعادة إنتاج التوافق الوطني. إلا أن ما حدث بعد حرب غزة أظهر حدود هذه الفرضية. فرغم التعبئة العسكرية الواسعة، عادت الخلافات المتعلقة بالإصلاح القضائي، وإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، ومسؤولية الإخفاق الأمني، إلى الواجهة بصورة أكثر حدة.

ويعكس ذلك أن الانقسام لم يعد مرتبطًا بحدث سياسي مؤقت، بل أصبح يعبر عن أزمة بنيوية يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الضغوط الاقتصادية، وتعمقت الخلافات حول توزيع الأعباء بين مكونات المجتمع، وتراجعت قدرة الحكومة على إعادة بناء الإجماع الوطني.

إلى أين تتجه إسرائيل؟

من المبكر الحديث عن انهيار الدولة الإسرائيلية، فمؤسساتها الأمنية والاقتصادية لا تزال تمتلك قدرًا كبيرًا من التماسك والقدرة على إدارة الأزمات. إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن إسرائيل دخلت مرحلة انتقالية ستحدد ملامح نظامها السياسي لعقود مقبلة.

فالخلاف لم يعد يتعلق بمستقبل حكومة بنيامين نتنياهو، بل بمستقبل النموذج الذي قامت عليه الدولة منذ نهاية القرن العشرين. وإذا لم ينجح النظام السياسي في إنتاج صيغة جديدة توازن بين التحولات الديموغرافية، ومتطلبات الاقتصاد الحديث، واستقلال المؤسسات، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام حالة من الاستقطاب المزمن، تصبح فيها كل انتخابات استفتاءً على طبيعة الدولة نفسها، وليس مجرد تنافس على تشكيل الحكومة.

وعند هذه النقطة، يتحول السؤال المركزي من "من يحكم إسرائيل؟" إلى سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا: أي إسرائيل ستخرج من هذه الأزمة؟ وهو سؤال لن تحدد إجابته نتائج الانتخابات المقبلة، بقدر ما ستحددها قدرة الدولة على إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يحافظ على توازن العلاقة بين الأغلبية السياسية، والمؤسسات الدستورية، ومراكز القوة الاقتصادية والأمنية.