بث تجريبي

العلاقات الهندية-الأمريكية: شراكة تحت الضغط

تقارير وملفات - سانديب بهاردواج
سانديب بهاردواج
باحث زميل في معهد دراسات جنوب آسيا (ISAS).

تتحرك نيودلهي وواشنطن لإصلاح علاقاتهما بعد أشهر من أزمة دبلوماسية حادة أثارتها الرسوم الجمركية. فقد توصل الجانبان في فبراير/شباط 2026 إلى إطار تجاري مؤقت، وأعلنا أن الاتفاق التجاري النهائي بات قريبًا من الإنجاز. كما زار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الهند في مايو/أيار 2026، فيما التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة مجموعة السبع في باريس خلال يونيو/حزيران 2026. ورغم استمرار بعض مظاهر التوتر الثنائي، فقد أكد البلدان مجددًا التزامهما بتعزيز شراكتهما الاستراتيجية المهمة.

ولم يكن هذا التقارب مفاجئًا؛ فمنذ اندلاع الأزمة، افترض معظم المراقبين أن العلاقات ستستعيد توازنها عاجلًا أم آجلًا. فقد أثبتت الشراكة الهندية-الأمريكية قدرتها على الصمود أمام الأزمات في السابق. فعلى سبيل المثال، تجاوز الطرفان الأزمة الدبلوماسية التي شهدتها العلاقات خلال عامي 2013 و2014 دون أن تترك آثارًا طويلة الأمد. بل إن الهند اقتربت من الولايات المتحدة أكثر، على الأقل في المدى القصير، رغم الأزمة. فقد اتفق الجانبان في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على إطار جديد للتعاون الدفاعي، ويعملان حاليًا على توطيد علاقاتهما الاقتصادية. كما زادت الهند من وارداتها من الطاقة الأمريكية، وأصبحت أول شريك غير أمريكي ينضم إلى تحالف «باكس سيليكا» (Pax Silica) الذي تقوده واشنطن لتأمين سلاسل الإمداد. كذلك تعاون البلدان مع اليابان وأستراليا لإحياء الحوار الأمني الرباعي (Quad) عبر إطلاق مبادرة جديدة للمراقبة البحرية وأخرى للتعاون في مجال المعادن الحيوية.

وعلاوة على ذلك، اختارت نيودلهي اتباع نهج غير تصادمي نسبيًا في إدارة الأزمة، معتمدةً على الدبلوماسية الهادئة والاتصالات خلف الكواليس للتفاوض مع واشنطن. وخلال الأزمة، تجنب كبار المسؤولين الهنود توجيه انتقادات علنية للولايات المتحدة. كما عكس قرار مودي عدم المشاركة في قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في كوالالمبور خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025 – ويُعتقد أنه جاء لتجنب لقاء محرج مع ترامب – هذا النهج الحذر.

وفي الحرب الجارية مع إيران، مالت الهند إلى الاصطفاف مع المحور الأمريكي-الإسرائيلي. فقد التزمت الصمت عندما أغرقت الولايات المتحدة سفينة حربية إيرانية كانت عائدة من الهند، كما اكتفت باحتجاجات خجولة على رفض واشنطن الاعتذار عن مقتل ثلاثة مواطنين هنود في مضيق هرمز. وفي وقت سابق من العام، بدا أن الهند استجابت للمطلب الأمريكي بخفض وارداتها النفطية من روسيا، إلا أنها أعلنت لاحقًا، في ظل أزمة الطاقة الحالية، أنها ستواصل شراء النفط الروسي.

ورغم ذلك، ترى نيودلهي أن واشنطن هي المسؤولة بالكامل عن اندلاع الأزمة. وتشعر بأنها تعرضت للضغط والخيانة في آن واحد، وهو ما أدى إلى تآكل ملحوظ في مستوى الثقة بين الجانبين. كما عززت الأزمة موقف الأصوات داخل المؤسسة الهندية التي تبدي تشككًا تجاه الشراكة مع الولايات المتحدة، وهي أصوات كانت قد تراجعت إلى حد كبير خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، أثبتت الروابط التي تجمع الهند بالولايات المتحدة أنها لا تزال قوية. فعلى الرغم من مشاعر الغضب وخيبة الأمل، بذلت نيودلهي جهودًا كبيرة لإنهاء الأزمة سريعًا، وأرسلت إشارات واضحة تؤكد استعدادها الكامل لإعادة ترميم الشراكة الاستراتيجية.

وتستند متانة العلاقات الهندية-الأمريكية إلى ثلاثة عوامل رئيسية.

أولًا، تجاوز إدراك الهند للتهديد الصيني مستوىً حرجًا. فقد بدأت المؤسسة الحاكمة في نيودلهي تنظر بقلق متزايد إلى جارتها الشمالية منذ منتصف العقد الماضي، إلا أن هذا القلق تصاعد بشكل كبير عقب الاشتباكات الحدودية في وادي جالوان عام 2020. كما أصبح الرأي العام الهندي أكثر عداءً للصين، الأمر الذي جعل من الصعب على صناع القرار تصور مسار حقيقي لتحسين العلاقات مع بكين. وقد ظهر ذلك بوضوح العام الماضي، حين لم تؤدِ مرحلة "التهدئة" بين الصين والهند إلى خطوات جوهرية تتجاوز الإشارات الرمزية. ورغم أن إصلاح العلاقات مع الصين كان سيمنح الهند ورقة تفاوضية أقوى في تعاملها مع الولايات المتحدة، فإن نيودلهي لم تتمكن من المضي في هذا الاتجاه، بسبب عمق انعدام الثقة تجاه بكين.

ثانيًا، أصبحت العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة تحتل موقعًا محوريًا في التفكير الاقتصادي الهندي. فالولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري للهند، كما تمثل مصدر أكبر فائض تجاري تحققه نيودلهي، فضلًا عن كونها مصدرًا رئيسيًا للاستثمارات ونقل التكنولوجيا. ويتوافق نمط التجارة بين البلدين مع الطموحات الاقتصادية الهندية؛ إذ تصدر الهند السلع المصنعة إلى الولايات المتحدة، بينما تستورد منها المواد الأولية، ولا سيما الطاقة. وخلال السنوات الأخيرة، اندمجت الهند بصورة متزايدة في سلاسل الإمداد التي تقودها الولايات المتحدة، خصوصًا في قطاع الصناعات الدفاعية. كما تعمل نيودلهي على الاستفادة من استراتيجية «الصين +1»، التي تدفع الشركات العالمية إلى تنويع مواقع الإنتاج خارج الصين، وهو ما سيؤدي إلى تعزيز ارتباطها بالاقتصاد الأمريكي.

ولا تقتصر أهمية العلاقات الاقتصادية الهندية-الأمريكية على حجمها الكبير فحسب، بل تمتد أيضًا إلى طبيعتها التي تنسجم مع أولويات نيودلهي التنموية. وعلى النقيض من ذلك، لا يزال العجز التجاري المزمن مع الصين، والمخاوف من تغلغل الشركات الصينية في الاقتصاد الهندي، والاعتماد الكبير على السلع الصناعية الصينية، تمثل جميعها مصادر قلق مستمرة. ولذلك، ورغم ضخامة حجم العلاقات الاقتصادية بين الهند والصين، فإن نيودلهي لا تزال تنظر إليها بحذر.

أما العامل الثالث، فيتمثل في عدم رغبة الهند في مواجهة النظام الدولي بمفردها. فالتوجه السائد داخل المؤسسة الحاكمة يرى أن سياسة عدم الانحياز التي اتبعتها الهند خلال الحرب الباردة كانت خطأً استراتيجيًا، لأنها كثيرًا ما تركت البلاد معزولة على الساحة الدولية. ومن هذا المنطلق، تعتقد القيادة الحالية أن بناء الشراكات الدولية أصبح ضرورة لتحقيق الازدهار الاقتصادي والطموحات الجيوسياسية للهند. كما ترى أن نيودلهي لن تتمكن من التحول إلى قوة كبرى كما تطمح، من دون دعم القوى الدولية الأخرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ولهذا، لا تبدو الهند مستعدة للمخاطرة بالمزايا التي وفرتها لها الشراكة الأمريكية على مدى ما يقرب من عقدين، ولا سيما الدعم الأمريكي لطموحها في الحصول على مكانة قوة دولية كبرى.

وخلال الأزمة بأكملها، أظهرت نيودلهي حرصًا واضحًا على الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، أرسلت واشنطن أيضًا إشارات تؤكد رغبتها في إصلاح العلاقات. ومع ذلك، فقد أثارت هذه الأزمة تساؤلات متزايدة داخل الهند بشأن مدى عمق الالتزام الأمريكي طويل الأمد بهذه الشراكة الاستراتيجية.