بث تجريبي

مفاوضات غزة تتحرك مجددًا: هل تنجح القاهرة في كسر الجمود؟

تحليلات - Foresight

يشهد مسار مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة حراكًا جديدًا تقوده الأطراف الوسيطة، في محاولة لإحياء الاتفاق المتعثر منذ أشهر. ويأتي هذا التحرك في وقت يتزايد فيه الجمود السياسي والعسكري على خلفية التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب بين إيران وإسرائيل، ما ألقى بظلاله على الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة في القطاع.

وخلال الأيام الماضية استضافت القاهرة جولة جديدة من الاجتماعات ضمت وسطاء إقليميين ودوليين، إلى جانب الممثل الأعلى لمجلس السلام الدولي نيكولاي ملادينوف، في إطار مساعٍ لإعادة تحريك المسار التفاوضي وتنفيذ بنود الاتفاق التي تعثرت منذ بدء تطبيقه.

القاهرة تحاول كسر الجمود

بحسب مصادر إعلامية، سادت أجواء إيجابية في المباحثات الأخيرة، مع تأكيد مختلف الأطراف التزامها بمواصلة العمل لتنفيذ بنود خطة وقف إطلاق النار المطروحة. كما تم الاتفاق على استئناف الاجتماعات في القاهرة خلال الأسبوع المقبل بهدف بحث القضايا العالقة ودفع الاتفاق نحو مراحل أكثر تقدمًا.

ويرى مراقبون أن مصر تسعى من خلال هذه الاجتماعات إلى منع تجميد ملف غزة في ظل التحولات الإقليمية الجارية، خصوصًا مع انشغال المجتمع الدولي بالحرب الإيرانية. فاستمرار الجمود قد يمنح إسرائيل فرصة لترسيخ واقع سياسي وأمني جديد في القطاع.

في هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية والمحلل في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي الدكتور طارق فهمي إن القاهرة حريصة على إبقاء ملف اتفاق غزة حاضرًا على طاولة النقاش الدولي، حتى لا تستغل إسرائيل الظرف الإقليمي لتكريس سيطرة طويلة الأمد على القطاع. ويضيف أن الوسطاء يحاولون حاليًا إعادة تحريك الاتفاق عبر معالجة القضايا العالقة، وعلى رأسها بدء عمل «لجنة التكنوقراط» التي يفترض أن تتولى إدارة الشؤون المدنية في غزة خلال المرحلة الانتقالية.

حماس بين الالتزام والضغط السياسي

من جانبها، تؤكد حركة «حماس» التزامها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيرة إلى استعدادها لاستكمال المحادثات خلال الأيام المقبلة في القاهرة. وقد التقى وفد الحركة، الذي ضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، مسؤولين مصريين إلى جانب نيكولاي ملادينوف ووسطاء من قطر وتركيا.

لكن الحركة تتمسك في الوقت نفسه بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بكامل بنودها قبل الانتقال إلى أي ترتيبات جديدة، وهو ما يعكس محاولة لإبقاء الضغط السياسي على إسرائيل.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن «حماس» تدرك أن إسرائيل قد لا تكون مستعدة لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بسبب التزاماتها الأمنية والسياسية المرتبطة بملف السلاح. لذلك تحاول الحركة نقل الكرة إلى الملعب الإسرائيلي، عبر إعلان استعدادها لتنفيذ الاتفاق بالكامل، بما يضع تل أبيب في موقع محرج أمام المجتمع الدولي.

عقدة السلاح… جوهر الخلاف

لا يزال ملف سلاح «حماس» يمثل العقدة الأساسية في المفاوضات. فوفق المقترحات المطروحة، تتضمن الخطة التي عرضها ملادينوف نزع سلاح الحركة تدريجيًا خلال عدة أشهر، إضافة إلى تفكيك شبكة الأنفاق العسكرية في القطاع.

في المقابل، تشترط الحركة انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة ووصول «قوات استقرار» دولية أو عربية، إلى جانب تشكيل جهاز شرطة محلي، قبل الدخول في أي ترتيبات تتعلق بملف السلاح. وترى الحركة أن أي خطوة معاكسة قد تؤدي إلى فراغ أمني خطير داخل القطاع.

وتؤكد إسرائيل بدورها أنها لن توافق على الانسحاب الكامل من غزة ما لم يتم نزع سلاح «حماس» أولًا، ما يجعل هذا الملف نقطة الخلاف الأكثر تعقيدًا في مسار المفاوضات.

مرحلة مؤجلة بانتظار التطورات الإقليمية

ويرى محللون أن المفاوضات الحالية قد لا تفضي إلى اختراق كبير في الوقت الراهن، لكنها تركز على إبقاء القنوات مفتوحة وتجهيز الملفات المتعلقة بالمرحلة الثانية من الاتفاق.

ويعتقد نزار نزال أن دور ملادينوف يقتصر في هذه المرحلة على نقل الرسائل بين الأطراف المختلفة أكثر من كونه وسيطًا مباشرًا في التفاوض. ويضيف أن الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق قد يبقى مؤجلًا إلى حين اتضاح مآلات الحرب الإقليمية الدائرة، خصوصًا الحرب بين إيران وإسرائيل.

اختبار جديد للوساطة المصرية

مع ذلك، يرى مراقبون أن الاجتماعات المقبلة في القاهرة قد تشهد خطوات عملية، لا سيما فيما يتعلق بتفعيل عمل «لجنة التكنوقراط»، التي يُنظر إليها باعتبارها مدخلًا مهمًا لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي حال نجحت القاهرة في تحقيق تقدم في هذا الملف، فقد يمثل ذلك خطوة أولى نحو إعادة إحياء الاتفاق وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية في غزة. أما إذا استمر الجمود، فقد يبقى الاتفاق حبيس المفاوضات، بانتظار تغيرات أكبر في المشهد الإقليمي والدولي.