بث تجريبي

قمة شي وبوتين 2026: هل يدخل العالم مرحلة “الأوراسيا الكبرى”؟

تحليلات - Foresight

لم تكن القمة التي جمعت الرئيس الصيني Xi Jinping والرئيس الروسي Vladimir Putin في بكين خلال مايو 2026 مجرد لقاء ثنائي بين قوتين كبريين، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن مرحلة جديدة في إعادة تشكيل النظام الدولي. فالتوقيت وحده يحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ إذ جاءت القمة بعد أيام فقط من زيارة الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى بكين، بما جعل الصين تبدو وكأنها المركز الذي تدور حوله التفاعلات الكبرى في النظام العالمي الجديد.

وفي الواقع، فإن ما جرى في بكين يتجاوز كثيراً حدود العلاقات الصينية الروسية التقليدية، لأنه يكشف عن تسارع عملية إعادة تشكيل التوازنات الدولية في اتجاه عالم متعدد الأقطاب، تتراجع فيه الهيمنة الغربية التقليدية تدريجياً لصالح كتل جيوسياسية واقتصادية جديدة، أبرزها الكتلة الأوراسية الصاعدة.

من "الشراكة بلا حدود" إلى هندسة نظام عالمي بديل

منذ إعلان الصين وروسيا عام 2022 عن “شراكة بلا حدود”، كانت العلاقة بين البلدين تتطور بصورة متسارعة، لكن قمة 2026 كشفت أن الأمر لم يعد مجرد تعاون سياسي أو اقتصادي، بل محاولة لبناء بنية استراتيجية موازية للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

فالقمة لم تركز فقط على الملفات الثنائية، بل حملت خطاباً واضحاً ضد "الهيمنة الأحادية" الأمريكية، وانتقدت بصورة مباشرة السياسات العسكرية الغربية ومنظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية، كما أكدت ضرورة بناء "عالم متعدد الأقطاب".

والأهم من ذلك أن هذا التقارب لم يعد قائماً فقط على المصالح السياسية، بل على إدراك مشترك لدى بكين وموسكو بأن الغرب دخل مرحلة "الاحتواء الشامل" لكلا الطرفين؛ فالصين تواجه ضغوطاً متصاعدة في بحر الصين الجنوبي وتايوان، بينما تخوض روسيا حرب استنزاف مفتوحة مع الغرب في أوكرانيا. ومن هنا، بدأ الطرفان ينظران إلى تعاونهما باعتباره ضرورة استراتيجية للبقاء، وليس مجرد خيار دبلوماسي.

إيران: القلب الجغرافي للمشروع الأوراسي

إذا كانت الصين تمثل القوة الاقتصادية للمحور، وروسيا تمثل ثقله العسكري، فإن إيران تمثل عقدته الجيوسياسية الأهم. فطهران تقع في نقطة تقاطع حيوية تربط الخليج العربي وآسيا الوسطى والقوقاز والبحر الأحمر والمحيط الهندي، ما يجعلها محوراً رئيسياً في أي مشروع لإعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة العالمية.

ومن هنا، لم تعد إيران بالنسبة للصين وروسيا مجرد حليف إقليمي، بل أصبحت جزءاً من “البنية التحتية الجيوسياسية” للمشروع الأوراسي بأكمله. وتشير العديد من الدراسات الاستراتيجية إلى أن إيران تمثل الحلقة التي تربط بين مبادرة “الحزام والطريق” الصينية ومشروع “الممر الدولي شمال–جنوب” الذي تسعى روسيا إلى تطويره لربط موسكو بالمحيط الهندي بعيداً عن الممرات الخاضعة للنفوذ الغربي.

ويبلغ طول ممر "شمال–جنوب" نحو 7200 كيلومتر، ويمتد من روسيا عبر إيران وصولاً إلى الهند والخليج العربي، مع توقعات بأن يستوعب ما بين 14 و24 مليون طن من البضائع سنوياً عند اكتماله.

وهذا يفسر لماذا أصبحت إيران هدفاً مركزياً في التنافس الدولي الحالي؛ فإضعافها أو عزلها لا يعني فقط ضرب قوة إقليمية، بل يعني أيضاً تعطيل جزء كبير من مشروع الربط الأوراسي الذي تعمل عليه بكين وموسكو منذ سنوات.

الصين: القوة الاقتصادية التي تعيد رسم الخرائط

الصين تدخل هذا المشروع بعقلية مختلفة تماماً عن المنطق الروسي التقليدي. فهي لا تبحث عن مواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي من الداخل عبر التجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

فمبادرة “الحزام والطريق” لم تعد مجرد مشروع اقتصادي، بل تحولت إلى أداة لإعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية العالمية. والصين تدرك أن السيطرة على الممرات التجارية وسلاسل الإمداد قد تكون أكثر أهمية من السيطرة العسكرية المباشرة.

ولهذا تعمل بكين على تطوير شبكات مالية وتقنية بديلة للنظام الغربي، تشمل التوسع في استخدام اليوان الرقمي، وإنشاء أنظمة دفع بديلة عن “سويفت”، والاستثمار الضخم في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية الرقمية العابرة للقارات.

كما أن الصين باتت أكبر مستورد للطاقة في العالم، ويأتي جزء أساسي من وارداتها النفطية من الخليج العربي، ما يجعل استقرار الشرق الأوسط وممرات البحر الأحمر والخليج قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي الصيني. ولهذا، تنظر بكين إلى المنطقة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مستقبلها الاقتصادي العالمي.

روسيا: استراتيجية استنزاف الغرب

في المقابل، تتحرك روسيا بمنطق أكثر صدامية. فموسكو ترى أن الحرب في أوكرانيا ليست مجرد نزاع إقليمي، بل معركة على شكل النظام الدولي القادم. ولذلك، تحاول روسيا توسيع ساحات الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، بما يؤدي إلى تشتيت القوة الغربية واستنزافها على أكثر من جبهة.

ومن هنا، تنظر موسكو إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحة استراتيجية قادرة على استنزاف النفوذ الأمريكي. فكل تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر يعني إعادة توزيع الموارد العسكرية الأمريكية بعيداً عن أوروبا الشرقية. كما أن روسيا تدرك أن بقاء إيران قوية نسبياً يخلق ضغطاً دائماً على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

لكن المفارقة هنا أن روسيا نفسها أصبحت أكثر اعتماداً على الصين. فحجم التجارة الثنائية بين البلدين وصل إلى نحو 228 مليار دولار خلال 2025، بينما ارتفعت صادرات النفط الروسية إلى الصين بنسبة تقارب 35% خلال الأشهر الأولى من 2026.

ومع ذلك، تكشف أزمة مشروع “قوة سيبيريا 2” عن حدود هذا التحالف؛ فالصين ما تزال تتردد في تقديم تنازلات اقتصادية كبرى لروسيا، وهو ما يعكس اختلالاً متزايداً في ميزان القوة داخل العلاقة الثنائية لصالح بكين.

تحالف الضرورة لا تحالف الثقة

ورغم كل مظاهر التقارب، فإن المحور الصيني–الروسي–الإيراني لا يشبه الأحلاف التقليدية مثل الناتو أو حلف وارسو. فهو لا يقوم على معاهدات دفاع مشترك أو قيادة موحدة، بل على شبكة مصالح متداخلة وخوف مشترك من الهيمنة الغربية.

فالصين لا تريد التورط في صراعات عسكرية مفتوحة، وروسيا تخشى التحول التدريجي إلى “شريك تابع” للصين، بينما تخشى إيران أن تتحول إلى ورقة تفاوض في أي صفقة مستقبلية بين واشنطن وكل من بكين أو موسكو.

وهذا ما يجعل هذا المحور أقرب إلى “تحالف مرن” يقوم على الضرورة الجيوسياسية أكثر من كونه تحالفاً عقائدياً متماسكاً.

الشرق الأوسط والبحر الأحمر: مركز الصراع العالمي الجديد

أحد أخطر التحولات التي تكشفها هذه القمة هو انتقال الشرق الأوسط والبحر الأحمر إلى قلب الصراع العالمي الجديد. فالتنافس لم يعد يدور فقط حول الجيوش والقواعد العسكرية، بل حول الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة والاتصالات.

ولهذا أصبحت مشاريع الربط بين “الحزام والطريق” والممرات الروسية–الإيرانية جزءاً من صراع عالمي على مستقبل التجارة الدولية. كما أن التنافس على القرن الأفريقي والبحر الأحمر وقناة السويس يعكس إدراك القوى الكبرى أن السيطرة على “شرايين الاقتصاد العالمي” ستكون عاملاً حاسماً في توازنات القرن الحادي والعشرين.

هل ينجح المحور الأوراسي؟

الإجابة ليست بسيطة. فمن الواضح أن الضغوط الغربية المتزايدة تدفع الصين وروسيا وإيران نحو مزيد من التنسيق. لكن في المقابل، يحمل هذا المحور داخله تناقضات عميقة تتعلق بتفاوت القوة الاقتصادية، واختلاف الرؤى الاستراتيجية، وتضارب الأولويات الوطنية.

ومع ذلك، فإن الحقيقة الأهم التي كشفتها قمة بكين 2026 هي أن العالم دخل بالفعل مرحلة انتقالية كبرى، لم تعد فيها الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على صياغة النظام الدولي منفردة.

فما يتشكل اليوم ليس مجرد تحالف سياسي عابر، بل محاولة لبناء “أوراسيا كبرى” تمتد من بكين إلى موسكو وطهران، وتسعى إلى إعادة توزيع القوة العالمية، وإعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والتكنولوجيا بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية.