أوروبا وحركة طالبان: من العزلة إلى الانخراط؟
في يونيو (حزيران) 2026، شهدت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإمارة أفغانستان الإسلامية تطوراً لافتاً. فمنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس (آب) 2021، أغلقت الحكومات الأوروبية سفاراتها في كابول. إلا أن الشهر الماضي شهد استضافة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي وفداً من خمسة أعضاء يمثلون حركة طالبان في بروكسل، برئاسة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأفغانية عبد القهار بلخي، وذلك بعد أن منحتهم بلجيكا تأشيرات دخول ليوم واحد.
وجاء هذا اللقاء استكمالاً لاجتماع أول عُقد في النمسا خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث ركزت المباحثات على ملف الهجرة وإعادة المواطنين الأفغان إلى بلادهم، في ظل تزايد الضغوط داخل الاتحاد الأوروبي لتسريع إعادة طالبي اللجوء المرفوضين، أو أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم يشكلون تهديداً أمنياً بسبب جرائم ارتكبوها في الدول المضيفة.
اختراق دبلوماسي؟
ورغم تأكيد المفوضية الأوروبية أن هذه المحادثات لا تعني الاعتراف الرسمي بحركة طالبان، فإنها مثلت إنجازاً دبلوماسياً مهماً للحركة. فمن خلال استثمارها لملف الهجرة وتحويله إلى فرصة للانخراط الدبلوماسي، نجحت طالبان في فتح قناة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي.
وللمرة الأولى منذ عودتها إلى الحكم عام 2021، أجرى وفد رسمي من إمارة أفغانستان الإسلامية محادثات مع مسؤولين أوروبيين على الأراضي الأوروبية، متجاوزاً بذلك خمس سنوات من العزلة الدبلوماسية. ووصف عبد القهار بلخي الزيارة بأنها "تاريخية"، لأنها تمثل أول تواصل رسمي بين طالبان والاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة لكابول، لم تقتصر أهمية الزيارة على مناقشة قضايا الهجرة. فقد ركز الوفد أيضاً على بناء الثقة، والحفاظ على حضور دبلوماسي داخل الاتحاد الأوروبي، وضمان عودة كريمة للمواطنين الأفغان. كما جدد مطالبته بالسماح للدبلوماسيين الذين عينتهم طالبان بتولي مهامهم في السفارات الأفغانية المنتشرة في أوروبا، والتي لا يزال معظمها – باستثناء ألمانيا – يعمل بطواقم دبلوماسية عُينت قبل أغسطس 2021.
غير أن أبعاد الزيارة تجاوزت هذه الملفات. فمع انخراط الاتحاد الأوروبي في الحوار مع طالبان، باتت كابول تمتلك ورقة ضغط مهمة في ملف الهجرة. واللافت أن المبادرة لم تأتِ من طالبان، بل من الاتحاد الأوروبي الذي بادر إلى التواصل معها. كما بدأت بالفعل مناقشات بشأن الوجود الدبلوماسي لطالبان في أوروبا، بما في ذلك التمثيل القنصلي.
وأكدت كابول أن الهدف من الزيارة يتمثل في تطوير التعاون الدبلوماسي مع الاتحاد الأوروبي بصورة أوسع. ومن ثم، شكلت الزيارة بالنسبة لطالبان فرصة لإظهار أن غياب الاعتراف الرسمي لا يعني انقطاع التواصل الدولي مع أفغانستان، وأن كابول لا تزال طرفاً رئيسياً في القضايا التي تمس مصالح أفغانستان وأوروبا على السواء.
معضلة الهجرة الأوروبية
على مدى أكثر من عقد، ظل ملف الهجرة أحد أكثر القضايا إثارة للجدل داخل أوروبا، حيث استغلت الأحزاب اليمينية المتطرفة المخاوف الشعبية لتحقيق مكاسب سياسية.
وقد برر الاتحاد الأوروبي اجتماعه مع طالبان باعتباره استجابة لمطالب عشرين دولة من أصل سبع وعشرين دولة عضو، دعت إلى تشديد سياسات الهجرة وتوفير آليات قانونية أكثر فعالية لترحيل المهاجرين.
وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن الدول الأعضاء تلقت نحو مليون طلب لجوء من مواطنين أفغان خلال الفترة بين عامي 2013 و2024، تمت الموافقة على نحو نصفها، ما يجعل الأفغان إحدى أكبر مجموعات طالبي اللجوء في أوروبا.
ومع سعي الحكومات الأوروبية إلى تعزيز الرقابة على الهجرة وتسريع إعادة طالبي اللجوء المرفوضين، أصبح من الصعب تجنب التعامل مع السلطات القائمة في كابول، في ظل إدراك متزايد بأن إدارة ملف الهجرة لا يمكن أن تتم دون التعاون مع طالبان.
فالواقع أن طالبان هي السلطة الحاكمة فعلياً في أفغانستان، وأي ترتيبات تتعلق بإعادة المواطنين الأفغان، أو تقديم الخدمات القنصلية، أو تنسيق المساعدات الإنسانية، تستلزم بالضرورة التعاون معها.
وبالنسبة لصناع القرار الأوروبيين، ومن بينهم مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماغنوس برونر، لا يُنظر إلى هذا التعاون باعتباره خياراً سياسياً بقدر ما يُعد ضرورة سياسية.
وفي هذا السياق، كانت ألمانيا والنمسا – اللتان تتصدر فيهما قضية الترحيل أجندة النقاش الداخلي – قد بدأتا بالفعل محادثات مع مسؤولي طالبان، وقامتا بترحيل عدد من المواطنين الأفغان الذين لديهم سجلات جنائية. كما سمحت برلين لمسؤولين من طالبان بالعمل في البعثة الدبلوماسية الأفغانية في ألمانيا لتسهيل إجراءات الترحيل مستقبلاً.
حدود الانخراط
حرص مسؤولو الاتحاد الأوروبي باستمرار على التأكيد أن الاجتماعات ذات طبيعة فنية، ولا ينبغي تفسيرها على أنها خطوة نحو الاعتراف الرسمي بطالبان.
إلا أن هذا التبرير لا يحظى بإجماع داخل أوروبا.
فترى هانا نيومان، عضو البرلمان الأوروبي، أن هذه المحادثات تمثل شكلاً من أشكال التطبيع السياسي مع طالبان، دون أن تحصل بروكسل في المقابل على أي التزامات واضحة بشأن المساءلة.
كما انتقد آخرون الاتحاد الأوروبي لمنحه الحركة إمكانية الوصول إلى المؤسسات الأوروبية دون ربط ذلك بشروط أو معايير محددة للتعاون.
ويشير منح التأشيرات وإجراء المفاوضات مع طالبان، في نظر هؤلاء، إلى نمط من الاعتراف التدريجي بحكم الأمر الواقع، حتى وإن أصرت بروكسل على أن هذه اللقاءات لا تعني الاعتراف الرسمي بإمارة أفغانستان الإسلامية.
ورغم الضرورات الاستراتيجية التي تفرض التعاون، فإن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وطالبان لا تزال مقيدة باعتبارات سياسية وإنسانية معقدة.
فقد أُعيد أكثر من ثلاثة ملايين أفغاني قسراً من باكستان وإيران خلال العام الماضي، وهو ما فرض ضغوطاً إضافية على بلد يعاني بالفعل من أزمة اقتصادية حادة ومن آثار العقوبات الدولية.
ومن شأن أي زيادة في عمليات الترحيل من أوروبا أن تزيد من هشاشة الوضع الإنساني، خاصة وأن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يشير إلى أن أكثر من 17 مليون أفغاني، أي نحو ثلث السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
وفي الوقت نفسه، تحتل أفغانستان المرتبة 142 من أصل 143 دولة على مؤشر سيادة القانون، وهو ما يعكس حجم التحديات المؤسسية التي تواجهها البلاد.
جدل سياسي مستمر
لا يزال التفاوض مع طالبان قضية شديدة الحساسية داخل أوروبا.
فقد دعت منظمات حقوق الإنسان الاتحاد الأوروبي إلى الامتناع عن إبرام اتفاقات للهجرة قد تُفسر على أنها تمنح الشرعية للحكومة الحالية في كابول، مؤكدة أن أي انخراط ينبغي أن يظل منسجماً مع المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية الأوروبية.
ومن الجدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي يجري مفاوضات مماثلة مع دول أخرى، من بينها بنغلاديش، بشأن إعادة مواطنيها الذين لديهم سجلات جنائية وغيرها من القضايا. غير أن التعاون مع أفغانستان يخضع لتدقيق سياسي أكبر، نظراً للظروف الاستثنائية المحيطة بطبيعة السلطة الحاكمة هناك.
وفي المقابل، فإن تصاعد الضغوط الداخلية في عدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى تنامي نفوذ الأحزاب اليمينية المطالبة بتشديد سياسات الهجرة وتسريع ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، جعل من الانخراط مع كابول أمراً يصعب تجنبه.
وهكذا، تواصل هذه الاعتبارات رسم حدود العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وطالبان، حتى مع دفع ضغوط الهجرة بروكسل نحو مزيد من التعاون العملي.
ضرورة استراتيجية
ينبغي النظر إلى زيارة طالبان لبروكسل ليس بوصفها اختراقاً دبلوماسياً بقدر ما تمثل دليلاً على إدراك أوروبا المتزايد أن التحديات العملية – مثل إدارة الهجرة، والخدمات القنصلية، وتنسيق المساعدات الإنسانية – لا يمكن التعامل معها دون التواصل مع السلطات القائمة في كابول.
أما بالنسبة لطالبان، فإن هذا الانفتاح الأوروبي يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تخفيف عزلتها السياسية والاقتصادية الدولية، وتوسيع حضورها الدبلوماسي تدريجياً من خلال التعاون في ملفات محددة ذات اهتمام مشترك.
وفي المقابل، يرتبط هذا التطور بالنقاش الأوسع داخل أوروبا حول مستقبل سياسة الهجرة. فالتوجه الأوروبي نحو تعاون انتقائي وبراغماتي مع طالبان، رغم ما يثيره من جدل، يعكس محاولة الاتحاد الأوروبي تحقيق توازن دقيق بين التمسك بمبادئه وقيمه الأساسية، وبين الضغوط السياسية الداخلية المتزايدة التي تدفع نحو تشديد سياسات الهجرة وتعزيز إجراءات إعادة المهاجرين إلى بلدانهم.
