الطائرات المسيّرة والجمود العسكري: صعوبة تحقيق اختراق في الحرب الروسية–الأوكرانية
مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا عامها الخامس، يبدو أن تحقيق اختراق حاسم بات أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لأي من الطرفين، ولا سيما بالنسبة لروسيا، حيث لا تزال احتمالات حدوث تحول استراتيجي حقيقي في مسار الحرب ضعيفة وبعيدة المنال. ويرجع الجمود الذي يطبع الصراع الروسي–الأوكراني المستمر إلى حد كبير إلى ظهور تهديد الطائرات بدون طيار (المسيرات) والتي أدّت مهام متعددة شملت الاستطلاع والاستخبارات والمراقبة ، إضافة إلى تنفيذ هجمات مباشرة. إلا أن إسهامها الأكثر أهمية تمثل في منع تحقيق عنصر المفاجأة على نطاق واسع، وبالتالي الحيلولة دون تحقيق اختراق استراتيجي في ميدان القتال. لقد جعلت الطبيعة الجغرافية لأوكرانيا—الممتدة والمفتوحة وقليلة الغطاء النباتي—استخدام الطائرات المسيّرة شديد الفاعلية والفتك، إذ توفر هذه البيئة فرصًا محدودة للغاية للقوات البرية المتقدمة للاستفادة من التمويه أو الاحتماء. وقد أدى الرصد الجوي المستمر عبر الطائرات المسيّرة، إلى جانب قدرتها على تنفيذ الهجمات، إلى تقييد فرص تحقيق اختراقات عسكرية كبيرة. وبذلك أصبحت الطائرات المسيّرة بمثابة «مدفعية طائرة» جديدة، وهو مفهوم أدركه القادة العسكريون الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، ثم طوّره الإسرائيليون لاحقًا من خلال توظيف القوة الجوية المأهولة لدعم الهجمات البرية. وقد أثبتت الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه—التي يستخدمها الطرفان، ولا سيما القوات الأوكرانية—قدرتها على إحداث تأثيرات تدميرية تضاهي المدفعية التقليدية. ومع ذلك، فإن «المدفعية المحمولة جوًا» عبر الطائرات المسيّرة أسهمت في كثير من الأحيان في تعزيز القدرات الدفاعية أكثر من دعم العمليات الهجومية. فهي توفّر في الوقت ذاته قوة نارية مرنة ومعلومات استخباراتية جوية مستمرة، الأمر الذي يمنع الخصم من تحقيق اختراق استراتيجي أو عملياتي، كما أن عنصر المفاجأة واسع النطاق أصبح بدوره أمرًا بالغ الصعوبة. مع ذلك، لا يزال هناك شكوك في الافتراض القائل بأن الطائرات المسيّرة تمثل «عاملًا حاسمًا يغيّر قواعد اللعبة» لمجرد أن الدفاع التكتيكي يبدو أقوى في الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا. فمن المعروف تاريخيًا أن الدفاع يميل بطبيعته إلى التفوق في الحروب. لكن لا يوجد ما يشير إلى أن حالة الجمود التكتيكي في أوكرانيا ستستمر بشكل دائم، أو أنها ستنطبق بالضرورة على الحروب المستقبلية. فالمسألة ترتبط بقدر كبير بالظروف الميدانية وبقدرة الأطراف المتحاربة على تعديل تكتيكاتها، أكثر مما ترتبط بحدوث تحول جذري في التكنولوجيا العسكرية. سوابق تاريخية: كسر الجمود التكتيكي يوفّر التاريخ العسكري رؤى مفيدة لفهم هذه الظاهرة. ففي حرب البوير (1899–1902)، اعتمدت القوات البريطانية في البداية على الهجمات الجماعية الكثيفة، لكنها سرعان ما أدركت أن قوة النيران الدفاعية كانت تلحق خسائر فادحة بقواتها. ولذلك قامت بتعديل تكتيكاتها من خلال تقسيم قواتها إلى وحدات أصغر حجمًا، واستخدام المناورات الجانبية للالتفاف على قوات البوير عبر هجمات سريعة تعتمد على الفرسان. وخلال الحرب الروسية–اليابانية عام 1905، لجأت القوات اليابانية إلى تقسيم قواتها إلى فرق صغيرة مع اقترابها من مواقع العدو استعدادًا للهجوم النهائي باستخدام الحراب، بحيث يتولى كل فريق تنفيذ هدف محدد. وقد سبق هذا الهجوم تقدم منهجي ومدروس نحو مواقع العدو، حيث كانت القوات اليابانية تتوقف خلال ساعات النهار وتتحرك ليلًا مستفيدة من غطاء الظلام. أما خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، فقد بلغت تقنيات القوة النارية الدفاعية—مثل المدفعية الثقيلة والرشاشات والأسلحة الخفيفة—ذروة تطورها، ما أدى إلى تعزيز القدرات الدفاعية إلى حد كبير. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة من الحرب تحولًا تكتيكيًا مهمًا، إذ لجأ الألمان وخصومهم إلى تبني مناورات هجومية على المستوى العملياتي والاستراتيجي، مثل الالتفاف والتطويق، بهدف تجاوز الدفاعات التكتيكية القوية. ولم يكن هذا التحول مدفوعًا بتغيرات تكنولوجية كبيرة بقدر ما كان نتيجة لتطوير الأساليب التكتيكية. فقد تحقق النجاح من خلال استخدام دفعات قصيرة من نيران المدفعية الكثيفة بهدف قمع دفاعات العدو، يعقبها تقدم وحدات مشاة صغيرة وسريعة الحركة تتجاوز المواقع المحصنة للخصم عبر مناورة مشتركة بين الأسلحة المختلفة. وقد عكست هذه الأساليب التكتيكية الجديدة التعديلات التي أدخلها الجنرال الألماني إريك لودندورف على الخطط العسكرية خلال الهجمات الألمانية في أواخر عام 1917 وبداية عام 1918. غير أن القيود اللوجستية ومشكلات النقلحالت دون قدرة لودندورف على الحفاظ على زخم هذه الهجمات. وفي المقابل، تمكنت دول الوفاق—التحالف الذي كان يقاتل الإمبراطورية الألمانية—من مواصلة عملياتها بفضل الاستخدام الفعّال لتكتيكات الأسلحة المشتركة، إضافة إلى تفوقها في الموارد البشرية والقدرات اللوجستية ووسائل النقل. التكيّف في ميدان المعركة المعاصر في الوقت الراهن، يُصوَّر الدفاع التكتيكي في ساحة المعركة الأوكرانية—المدعوم بقوة نارية توفرها الأنظمة الجوية غير المأهولة—بوصفه شبه حصين. فقد أثبتت الطائرات المسيّرة من نوع FPV المستخدمة في القتال القريب قدرة فتاكة. كما استهدفت الطائرات المسيّرة مواقع خلف خطوط المواجهة، الأمر الذي جعل تقدم قوات المشاة والوحدات الميكانيكية شديد الخطورة. ولا شك أن الطائرات المسيّرة قد أسهمت في تجميد أو تقليص القدرة العملياتية على المناورة لدى القوات البرية، ما حوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى ظهور الطائرات غير المأهولة باعتباره سمة دائمة أو غير قابلة للتجاوز في الحروب المعاصرة. فتهديد الطائرات المسيّرة قد يشبه حالة الجمود التي فرضتها حرب الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى—ولكن هذه المرة من الجو—غير أن ذلك الجمود كُسر في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أن تجاوز المراقبة والهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة يُعد اليوم أمرًا صعبًا ويعتمد في كثير من الأحيان على الحظ، خاصة في ظل التضاريس المفتوحة في أوكرانيا، فإن هناك ثلاث وسائل محدودة تُستخدم أحيانًا لتفادي هذا التهديد: الأنفاق، وشبكات الصرف الصحي، وخطوط أنابيب الغاز. وقد جرى استخدام هذه الوسائل الثلاث بالفعل لتجاوز تهديد الطائرات المسيّرة. فعلى سبيل المثال، في منطقة كورسك، نشرت القوات الروسية وحدات من المشاة تحركت عبر خطوط أنابيب غاز غير مستخدمة بهدف تطويق القوات الأوكرانية في سودجا. كما قامت روسيا بتكييف تكتيكاتها العسكرية عبر العودة إلى استخدام فرق مشاة صغيرة، على غرار ما فعلته القوات اليابانية في مواجهتها مع الروس عام 1905، وكذلك ما استخدمه الألمان وقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى. وقد اعتمدت القوات الروسية على تسلل فرق صغيرة عبر الأنفاق وأنابيب الصرف الصحي لنقل الجنود سرًا إلى مناطق قريبة من المواقع الأوكرانية قبل شن هجمات مفاجئة. وقد ساعد هذا الأسلوب القوات الروسية على السيطرة على مدينة أفدييفكا عام 2024. وعليه، فإن تحريك القوات عبر شبكات تحت الأرض من الأنفاق وخطوط الأنابيب شكّل أحد الأساليب المستخدمة لمواجهة قدرات الخصم القائمة على الطائرات المسيّرة، كما أظهرت العمليات الروسية ردًا على التوغل الأوكراني في كورسك، وكذلك خلال معركة السيطرة على أفدييفكا. لكن القوات الأوكرانية بدورها استفادت من دروس هذه الخسائر، وهو ما يتضح في دفاعها القوي عن كوبيانسك في مواجهة التقدم الروسي. فقد بدأت القوات الأوكرانية في تحديد مخارج الأنفاق وإغلاقها لمنع استخدامها في عمليات التسلل. إضافة إلى ذلك، حاولت القوات الروسية في مدينة بوكروفسك في منطقة دونيتسك بإقليم دونباس دفع فرق من المشاة عبر شبكة من أنابيب الغاز الفارغة وشبكات الصرف الصحي التي بُنيت خلال الحقبة السوفيتية، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق نجاحًا يُذكر. في المقابل، يشير الجنرال الأسترالي المتقاعد ميك رايان إلى أن التجربة الأوكرانية في الدفاع عن بوكروفسك تكشف حقيقة مهمة مفادها أن: " الطائرات المسيّرة لا يمكنها أن تحل محل الجندي الذي يمسك بالأرض". ومع استمرار الحرب، قد يصبح التفوق الروسي في الموارد البشرية العسكرية عاملًا أكثر وضوحًا في ميزان الصراع. ما وراء الأنفاق وخطوط الأنابيب: حدود التكيّف التكتيكي إلى جانب استخدام الأنفاق وخطوط الأنابيب غير المستعملة، لجأت فرق المشاة الروسية الصغيرة—التي يتراوح عدد أفرادها عادة بين جنديين وأربعة—إلى ارتداء بطانيات مضادة للحرارة بهدف الإفلات من أجهزة الاستشعار الجوية، في محاولة للتسلل عبر الثغرات في الدفاعات الأوكرانية. غير أن هذه البطانيات لم توفر سوى حل محدود للغاية، ولم تنجح في تحقيق اختراقات عسكرية ذات أهمية. أما المركبات الأرضية غير المأهولة (UGVs)، فقد اقتصر دورها حتى الآن على إجلاء الجرحى وإيصال الإمدادات إلى القوات المنتشرة في الخطوط الأمامية. وعلى الرغم من وجود أدلة محدودة تشير إلى استخدام القوات الأوكرانية لمركبات أرضية غير مأهولة قادرة على تنفيذ هجمات أو التقدم ميدانيًا أو السيطرة على أراضٍ، فإنه لا توجد حتى الآن دلائل على أنها حققت اختراقات حاسمة أو وفرت فرصًا عملياتية يمكن استثمارها، أو أنها أصبحت بديلًا عن قوات المشاة أو الوحدات الميكانيكية المأهولة. محاولات اختراق الدفاعات الأوكرانية على المستوى التكتيكي، سعت القوات الروسية إلى اختراق المواقع الأوكرانية التي تفصل بينها مسافات تقارب ألف متر، حيث تتموضع القوات الأوكرانية في الغالب على أعماق دفاعية محدودة. وتقوم وحدات المشاة والطائرات المسيّرة بالتسلل عبر الثغرات فور اكتشافها، ثم تتحرك لاستهداف مراكز تشغيل الطائرات المسيّرة ومراكز القيادة الأوكرانية. وعندما يتعذر العثور على ثغرات في الدفاعات، تلجأ القوات الروسية إلى استخدام القنابل الانزلاقية والطائرات المسيّرة من طراز "شاهد" لفتح فجوات في خطوط الدفاع. وقد حققت هذه الأساليب نجاحًا جزئيًا في تحقيق توغل أعمق على محور بوكروفسك. ويمثل هذا التكيّف التكتيكي انعكاسًا لتحولات مشابهة حاول الألمان تطبيقها—وإن لم تنجح في نهاية المطاف—بينما نجحت قوات الحلفاء في استخدامها خلال الهجمات الحاسمة عام 1918. وفي السياق الحالي، تؤدي الطائرات المسيّرة من طراز شاهد والقنابل الانزلاقية دور «المدفعية الجوية»، إذ توفر القوة النارية اللازمة لفتح ثغرات في الدفاعات وتمكين وحدات المشاة من تحقيق اختراقات تكتيكية ونصب الكمائن للقوات الأوكرانية. ومع ذلك، ظل تحقيق اختراق استراتيجي أمرًا بعيد المنال بالنسبة للطرفين، كما يتضح من فشل روسيا في السيطرة على مدينة بوكروفسك، التي تعد مركزًا رئيسيًا للإمدادات والخدمات اللوجستية في منطقة دونيتسك. حدود الطائرات المسيّرة وأولوية القوات البرية في المحصلة العامة، حققت القوات الروسية بعض التقدم، إذ تمكنت من السيطرة على نحو 4700 كيلومتر مربع خلال عام 2025. إلا أن هذا التقدم كان بطيئًا للغاية، رغم اتباع القوات الروسية أسلوبًا منهجيًا يقوم على تطويق القرى والبلدات والسيطرة عليها تدريجيًا في ما تبقى من منطقتي دونيتسك ولوهانسك اللتين تشكلان إقليم دونباس في شرق أوكرانيا. أما في المناطق الواقعة غرب هاتين المنطقتين—وخاصة زابوريجيا وخيرسون—فقد كان التقدم العسكري أبطأ بكثير. وفي الختام، تظل القوات البرية عنصرًا لا غنى عنه في الحروب الحديثة، كما تظل تكتيكات الأسلحة المشتركة ضرورية لتحقيق النجاح العسكري. فالتحولات التي تشهدها خطوط القتال لا يقودها التطور التكنولوجي وحده، بل تعتمد بدرجة كبيرة على التكيف التكتيكي والتغييرات في أساليب القتال. ويؤكد الجمود الذي يميز ساحة المعركة الحالية اتجاهًا أوسع يتمثل في أن قدرات القوة النارية الدفاعية التي وفرتها تكنولوجيا الطائرات المسيّرة تميل إلى ترجيح كفة الدفاع، رغم النجاحات التكتيكية التي حققتها القوات الأوكرانية والروسية على حد سواء.
الأكثر القراءة
آراء حرة
لماذا تبدو مينيسوتا أهم من إيران لمستقبل الولايات المتحدة؟
ثقافة
رئاسة مصرية لليونسكو... دلالات التحول في الدبلوماسية الثقافية الدولية وإعادة التوازن في النظام الأممي للمعرفة
تحليلات
تحول استراتيجي في اليمن: ما الذي تغيّر بعد حضرموت؟
تحليلات
الإحداثيات البحرية بين العراق والكويت: قراءة استراتيجية في أبعاد التصعيد وحدود الاحتواء الخليجي
