لم تعد التحولات الجارية في القرن الأفريقي مجرد تطورات محلية مرتبطة بصراعات حدودية أو تنافسات سياسية تقليدية، بل أصبحت جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والشرق الأوسط. فالمنطقة التي كانت تُوصف لعقود بأنها هامش جغرافي مضطرب، تحولت اليوم إلى مركز حيوي تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية، من التجارة والطاقة إلى الأمن البحري والتحالفات العسكرية.
بدأت ملامح هذا التحول تتسارع بصورة أكثر وضوحًا بعد الاعتراف الإسرائيلي بـ Somaliland في ديسمبر 2025، وهو القرار الذي لم يُنظر إليه داخل المنطقة باعتباره خطوة دبلوماسية معزولة، بل بوصفه حدثًا قادرًا على إعادة خلط التوازنات السياسية والجيوسياسية في شرق إفريقيا. فبالنسبة إلى Somalia، مثّل الأمر تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة وسيادتها، بينما قرأته أطراف إقليمية أخرى باعتباره بداية لمرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ البحري في البحر الأحمر وخليج عدن.
ومنذ ذلك الحين، بدأت التوترات تتصاعد بصورة متسارعة بين الصومال وإثيوبيا وإريتريا، في وقت أخذت فيه القوى الإقليمية الكبرى تعيد تموضعها داخل المنطقة. فإثيوبيا، التي ظلت لعقود محكومة بعقدة “الدولة الحبيسة”، باتت تتحرك بصورة أكثر وضوحًا للحصول على منفذ بحري دائم يضمن لها الوصول المباشر إلى البحر الأحمر، وهو ما أثار قلقًا متزايدًا لدى الصومال وإريتريا، اللتين تعتبران أي تحرك إثيوبي في هذا الاتجاه تهديدًا مباشرًا للتوازنات الإقليمية.
لكن الأزمة لم تتوقف عند حدود التنافس الإفريقي الداخلي، إذ سرعان ما امتدت إلى المجال العربي والإقليمي الأوسع، خصوصًا مع إدراك القوى المطلة على البحر الأحمر أن ما يحدث في القرن الأفريقي يرتبط بصورة مباشرة بأمن الممرات البحرية الدولية. فهذه المنطقة تمر عبرها نسبة ضخمة من التجارة العالمية، إلى جانب ملايين البراميل من النفط والغاز يوميًا، ما يعني أن أي اضطراب فيها لا يهدد الدول الساحلية فقط، بل ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.
في هذا السياق، بدأت Egypt تتحرك بصورة أكثر فاعلية داخل القرن الأفريقي، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. فالقاهرة تدرك أن أي اختلال في توازنات البحر الأحمر قد ينعكس مباشرة على أمن Suez Canal، الذي يمثل شريانًا استراتيجيًا للتجارة الدولية ومصدرًا حيويًا للاقتصاد المصري.
ولهذا كثفت مصر تحركاتها الدبلوماسية والأمنية خلال الفترة الأخيرة، سواء عبر دعم الصومال سياسيًا، أو من خلال تعزيز التنسيق الأمني مع إريتريا، وصولًا إلى بناء تفاهمات إقليمية تهدف إلى منع فرض وقائع جديدة بالقوة على الممرات البحرية. وقد عكست تصريحات المسؤولين المصريين، خاصة خلال القمم الإفريقية والاجتماعات الإقليمية، قناعة واضحة بأن استقرار البحر الأحمر لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات الهيمنة أو التوسع الأحادي، بل من خلال احترام سيادة الدول الساحلية والحفاظ على التوازنات القائمة.
في الوقت نفسه، كانت المنطقة تشهد تحولًا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بتصاعد سباق النفوذ البحري والطاقة. فالسواحل الممتدة على خليج عدن والمحيط الهندي لم تعد مجرد شريط جغرافي هامشي، بل أصبحت جزءًا من معادلة الطاقة العالمية، خصوصًا بعد الحديث المتزايد عن احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي والنفط قبالة السواحل الصومالية وشرق إفريقيا.
وهنا برز الدور التركي بصورة لافتة. فأنقرة، التي بدأت حضورها في الصومال عبر البعد الإنساني والتدريب العسكري، انتقلت تدريجيًا إلى مرحلة أكثر عمقًا تتعلق بالتمركز البحري والتنقيب عن الطاقة. وقد عكس إرسال تركيا قطعًا بحرية وسفن مسح سيزمي إلى المياه الصومالية تحولًا استراتيجيًا في طبيعة حضورها داخل القرن الأفريقي، من شريك أمني إلى لاعب مباشر في معادلة الطاقة البحرية.
هذا التحول لم يكن منفصلًا عن سباق أوسع تخوضه قوى إقليمية ودولية متعددة، تسعى جميعها إلى تثبيت وجود طويل الأمد على خطوط الملاحة الدولية. فالإمارات توسع استثماراتها في الموانئ والبنية اللوجستية، بينما تعزز قوى دولية مثل الولايات المتحدة والصين وفرنسا حضورها العسكري في Djibouti، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المناطق ازدحامًا بالقواعد العسكرية في العالم.
ومع اندلاع الحرب في غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، دخل البحر الأحمر مرحلة جديدة من التوترات، بعدما تحولت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى عنصر ضغط مباشر على التجارة العالمية. وهنا ظهر بوضوح أن أمن القرن الأفريقي لم يعد قضية إفريقية خالصة، بل أصبح متشابكًا مع صراعات الشرق الأوسط والتنافس الدولي على الطاقة والممرات البحرية.
ومع اتساع هذا التشابك، بدأت تظهر ملامح منظومة أمنية إقليمية جديدة تمتد من الخليج العربي إلى القرن الأفريقي والمحيط الهندي. فدول المنطقة باتت تدرك أن حماية الممرات البحرية لم تعد ممكنة عبر ترتيبات محلية ضيقة، بل تحتاج إلى شبكات تعاون أوسع تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية.
لكن في المقابل، فإن كثافة التنافس الإقليمي والدولي داخل هذه المنطقة تجعل احتمالات التصعيد قائمة بصورة دائمة، خاصة في ظل غياب إطار أمني جماعي قادر على تنظيم التوازنات البحرية ومنع عسكرة السواحل وتحويل الموانئ إلى أدوات نفوذ جيوسياسي.
وفي ضوء ذلك، يبدو القرن الأفريقي اليوم وكأنه يقف على أعتاب مرحلة جديدة بالكامل؛ مرحلة لم تعد فيها الصراعات تدور فقط حول الحدود أو الأنظمة السياسية، بل حول السيطرة على طرق التجارة والطاقة وإعادة تشكيل خرائط النفوذ البحري في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تحاول مصر تثبيت معادلة تقوم على حماية الدولة الوطنية والحفاظ على توازنات البحر الأحمر ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح طويل الأمد. غير أن مستقبل هذه المعادلة سيظل مرهونًا بقدرة القوى الإقليمية على إدارة تنافسها ضمن حدود التوازن، بدلًا من تحويل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى ساحة مواجهة دائمة بين مشاريع النفوذ المتصارعة.
