هل يمكن للولايات المتحدة وأوروبا التعاون في أفريقيا؟

تقارير وملفات - تشارلز أ. راي
تشارلز أ. راي
عضو مجلس الأمناء ورئيس برنامج أفريقيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية، وشغل سابقًا منصب سفير الولايات المتحدة لدى مملكة كمبوديا وجمهورية زيمبابوي.

يشهد الدور العالمي لأفريقيا تحولًا مستمرًا ومتسارعًا. فمن الناحية الديموغرافية، تتجه القارة إلى شغل موقع محوري في العالم خلال العقود المقبلة. وبحلول عام 2050، سترتفع حصة أفريقيا من سكان العالم من نحو 19% حاليًا إلى 28%، ليصل عدد سكانها إلى ما يقارب 2.8 مليار نسمة. وسيتركز معظم هذا النمو في أفريقيا جنوب الصحراء، نتيجة ارتفاع معدلات الخصوبة وصِغر سن السكان، حيث سيبلغ متوسط العمر نحو 25 عامًا. ومن شأن هذه الاتجاهات الديموغرافية أن تجعل أفريقيا أحد أهم محركات النمو الاقتصادي العالمي في المستقبل.

وثمة عامل آخر من شأنه أن يعزز مكانة أفريقيا المستقبلية، وهو التوسع الحضري السريع. فقد بلغت نسبة السكان المقيمين في المدن نحو 54% عام 2020، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 65% بحلول عام 2050.

وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى مستقبل أكثر إشراقًا للقارة الأفريقية، ولا سيما أفريقيا جنوب الصحراء، بما ينقلها من هامش النظام الدولي إلى قلب التفاعلات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

غير أن لهذه الصورة وجهًا آخر. فالنمو السكاني السريع، وارتفاع نسبة الشباب، والتوسع الحضري، تمثل في الوقت نفسه فرصًا وتحديات. فإذا نجحت الدول الأفريقية في تحفيز النمو الاقتصادي والاستفادة الكاملة من اتساع شريحة السكان في سن العمل، فستتمكن من تحقيق العائد الديموغرافي. أما إذا أخفقت في الاستثمار الكافي في التعليم، والرعاية الصحية، وخلق فرص العمل، فإنها قد تواجه تصاعدًا في معدلات الفقر، وضغوطًا على الموارد، وتفاقمًا للمشكلات الاجتماعية والأمنية.

كما أن المجتمعات الشابة والمتصلة بالعالم عبر وسائل الاتصال الحديثة لن تقبل بالركود، خاصة عندما ترى مستويات معيشية أفضل في أماكن أخرى. ويضاف إلى ذلك أن ضعف الحوكمة وغياب الفرص الاقتصادية قد يغذيان الخطابات التي تروج لها الجماعات المتطرفة، بما يؤدي إلى تصاعد أعمال العنف التي لا تقتصر آثارها على أفريقيا وحدها، بل تمتد إلى مناطق أخرى من العالم.

وخلاصة الأمر أن النمو السكاني والتوسع الحضري سيعيدان، بحلول عام 2050، تشكيل التركيبة السكانية والاقتصاد والمكانة الدولية للقارة الأفريقية. غير أن تعظيم المكاسب وتقليل المخاطر يتطلبان من الدول الأفريقية تبني تخطيط استراتيجي طويل الأجل.

ينبغي لأوروبا أن تنظر إلى المستقبل

في الوقت الذي تمر فيه العلاقات الأمريكية مع أفريقيا بمرحلة من عدم اليقين، وهو ما يفتح المجال أمام أوروبا لإعادة تنشيط حضورها في القارة، أو حتى إعادة صياغة هذا الحضور، فإنه لا ينبغي إغفال أو التقليل من أهمية العلاقة الثلاثية بين الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا بالنسبة لمستقبل التنمية في القارة.

فالعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا تمثل شبكة معقدة من الإرث التاريخي، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، والاستراتيجيات الجيوسياسية المتغيرة. وهي علاقة تمتد جذورها إلى قرون مضت، بدأت مع أولى التفاعلات عبر المحيط الأطلسي، واستمرت حتى يومنا هذا، حيث تمتزج فيها عناصر التعاون والمنافسة. ولذلك فإن فهم هذه العلاقة يتطلب العودة إلى جذورها التاريخية، وتحليل واقعها الراهن، واستشراف مسارها المستقبلي.

وقد ارتبطت المرحلة الأولى من هذه العلاقة بتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، حين قامت القوى الاستعمارية الأوروبية بنقل ملايين الأفارقة قسرًا إلى الأمريكتين، بما في ذلك الأراضي التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة. وقد ألحق هذا النظام الوحشي دمارًا بالغًا بالمجتمعات الأفريقية، وأعاق تطورها الاقتصادي والسياسي، لكنه في الوقت نفسه أسهم في توفير الأسس الاقتصادية التي قامت عليها الثورة الصناعية الأوروبية والتوسع الزراعي الأمريكي، وهو إرث تاريخي لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات الثلاثية حتى اليوم.

وخلال القرن التاسع عشر، كرّس ما عُرف بـ«التدافع نحو أفريقيا» الهيمنة الاستعمارية الأوروبية، حيث قُسمت القارة إلى مناطق نفوذ رُسمت حدودها بصورة اعتباطية، فجمعت في بعض الحالات بين جماعات كانت في حالة عداء تاريخي، وفرّقت في حالات أخرى بين القبائل والعائلات الواحدة.

ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن قوة استعمارية مباشرة في أفريقيا، فإنها احتفظت بحضور غير مباشر عبر التجارة والبعثات التبشيرية، ثم من خلال أشكال محدودة من النفوذ السياسي. ويعد تأسيس ليبيريا أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ دعمت الولايات المتحدة إنشاء الدولة التي أدارتها في بداياتها جمعية الاستعمار الأمريكية منذ تأسيسها عام 1822 وحتى استقلالها عام 1847.

وقد أُنشئت الجمعية عام 1816 على يد القس المشيخي روبرت فينلي، وكان هدفها نقل الأمريكيين السود الأحرار والعبيد المعتَقين إلى أفريقيا. ورغم حصولها على بعض الدعم من الحكومة الفيدرالية، فإن عضويتها كانت تضم بصورة أساسية رجال دين ومناهضين للرق، إلى جانب عدد كبير من ملاك العبيد، الذين كانوا يشتركون في الاعتقاد السائد آنذاك بأن اندماج السود الأحرار في المجتمع الأمريكي الأبيض أمر غير ممكن.

ومع منتصف القرن العشرين شهدت أفريقيا، وكذلك العلاقة الثلاثية، تحولًا جذريًا. فبعد الحرب العالمية الثانية، اكتسبت حركات الاستقلال زخمًا كبيرًا، وأعادت تشكيل الخريطة الجيوسياسية للقارة.

وفي ظل الحرب الباردة، كثفت الولايات المتحدة وأوروبا انخراطهما في أفريقيا، سعيًا لمنع الدول الأفريقية المستقلة حديثًا من الانضمام إلى المعسكر السوفيتي. فأطلقت الولايات المتحدة برامج للمساعدات والتعاون الأمني، بينما حافظت أوروبا على روابطها الاقتصادية والثقافية الوثيقة مع مستعمراتها السابقة.

لكن أولوية احتواء الشيوعية طغت على الاعتبارات الأخرى، فلم تحظ قضايا الحكم الرشيد أو بناء المؤسسات الديمقراطية بالاهتمام الكافي. ونتيجة لذلك، دعمت الولايات المتحدة وأوروبا عددًا من الأنظمة الاستبدادية، وهو ما أعاق التنمية السياسية والاقتصادية، وأدى إلى معاناة واسعة، وخلّف إرثًا من انعدام الثقة تجاه الغرب لدى قطاعات كبيرة من الشعوب الأفريقية.

أما اليوم، فتتسم العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا بتداخل الأولويات الاستراتيجية واختلافها في آن واحد.

فقد فقد الاتحاد الأوروبي كثيرًا من مكانته كشريك تجاري رئيسي لأفريقيا. فبعد أن كان تاريخيًا أكبر شريك تجاري للقارة، تراجع إلى المركز السادس من حيث حجم التجارة خلال عامي 2023–2024، متأخرًا حتى عن الولايات المتحدة.

وفي عام 2023، جاءت الولايات المتحدة وألمانيا في مقدمة الدول المانحة للمساعدات التنموية لأفريقيا، تلتها اليابان، ثم المملكة المتحدة، وفرنسا، وكندا، وهولندا، والنرويج، وتركيا، وإيطاليا.

إلا أنه منذ تولي الإدارة الأمريكية الثانية بقيادة دونالد ترامب السلطة في يناير 2025، شهدت المساعدات التنموية الأمريكية لأفريقيا تخفيضات حادة، يُتوقع أن تصل إلى نحو 56.9%. وفي المقابل، لم تعوض أوروبا هذا التراجع، الأمر الذي أدى إلى انحسار النفوذ الغربي المشترك داخل القارة.

ويرى الكاتب أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا ينبغي أن تصبح أولوية استراتيجية. فالقارة الأفريقية ليست مجرد جار جغرافي قريب لأوروبا، بل ترتبط معها أيضًا بروابط تاريخية، كما تتقاطع مصالح الطرفين وقيمهما في العديد من القضايا.

وفي قمة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي التي عقدت في بروكسل عام 2022، اعتمد الجانبان «الرؤية المشتركة لعام 2030»، التي تهدف إلى تعزيز الأولويات المشتركة، وترسيخ القيم المشتركة، ودعم القانون الدولي، مع التركيز على تحرير التجارة، والاستثمار في البنية التحتية، وإدارة قضايا الهجرة.

لقد فقدت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من نفوذها... لكن لم يفت الأوان بعد لتصحيح المسار

على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تعد الشريك التجاري الأول لأفريقيا، فإنها لا تزال قادرة على أداء دور محوري في مجالات التعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب، والصحة العامة، إذا اختارت ذلك.

فقد أحدثت برامج أمريكية مثل الخطة الرئاسية الطارئة للإغاثة من الإيدز (PEPFAR) تحولًا كبيرًا في قطاع الصحة العامة بالقارة، كما أسهم قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) في مساعدة بعض الاقتصادات الأفريقية على تحقيق معدلات نمو والخروج من دائرة الفقر.

غير أن تعليق أو إلغاء هذه البرامج، إلى جانب مبادرات المساعدات الأخرى، جعل مستقبل الدور الأمريكي في أفريقيا غير واضح. وبينما بدأت واشنطن في استئناف بعض عمليات مكافحة الإرهاب، وكذلك بعض برامج المساعدات الصحية، فإن كلا المسارين أثارا جدلًا واسعًا.

فاستئناف عمليات مكافحة الإرهاب يثير تساؤلات تتعلق بمدى فعاليتها واستدامتها، فضلاً عن النتائج غير المقصودة التي قد تترتب عليها. ويرى الكاتب أن العمليات الجارية تبدو أقرب إلى حملات لمكافحة التمرد منها إلى عمليات محدودة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يزيد احتمالات توسع المهام العسكرية بصورة تدريجية.

ورغم سنوات من الضغوط العسكرية التي مارستها الحكومات المحلية، بدعم من شركاء دوليين ومستشارين أجانب، ما زالت الجماعات المتطرفة تحتفظ بقدرتها على التكيف، إذ تغير أساليبها باستمرار، وتنتقل من الهجمات المتفرقة إلى حملات ضغط طويلة الأمد، مع إعادة الانتشار، وتوسيع سيطرتها الاقتصادية والإقليمية، وتعويض قادتها الذين يتم القضاء عليهم.

ويشير ذلك، بحسب الكاتب، إلى أن الحلول العسكرية وحدها لن تكون كافية، ما لم تُعالج الأسباب السياسية والاجتماعية التي تغذي التطرف.

كما أن التعاون الأمريكي، ولا سيما في منطقة الساحل الأفريقي، يتم في كثير من الأحيان مع حكومات يقودها عسكريون يفرضون قيودًا على حركة القوات الأمريكية والمتعاقدين معها، ويحتفظون في الوقت نفسه بعلاقات مع خصوم الولايات المتحدة، وهو ما يحد من فعالية العمليات الأمريكية.

وفضلاً عن ذلك، أدت التخفيضات الكبيرة في المساعدات الأمريكية، وتراجع الدعم الدولي، إلى تفاقم الأزمات الإنسانية في أفريقيا، بما يقوض الاستقرار ويزيد من فرص تجنيد الجماعات المتطرفة.

وفي المجال الصحي، أثارت الاتفاقيات الثنائية الأخيرة بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الأفريقية مخاوف متزايدة، إذ تشترط حصول الولايات المتحدة على حق الوصول إلى بيانات المراقبة الصحية في تلك الدول، ومنحها حقوقًا حصرية في استخدام عينات مسببات الأمراض لأغراض تطوير الصناعات الدوائية.

ويرى منتقدو هذه الاتفاقيات أنها تمس السيادة الوطنية، ومبادئ العدالة، وحقوق الإنسان، كما قد تهدد خصوصية المرضى. كذلك أُثيرت اتهامات بأن الولايات المتحدة ربطت، في بعض الدول، تقديم المساعدات الصحية بالحصول على امتيازات تتعلق بالمعادن الإستراتيجية، الأمر الذي زاد من حدة الانتقادات.

الصين وقوى أخرى تستفيد من تراجع النفوذ الأمريكي

يرى الكاتب أن الصين تمثل العامل الأبرز في المشهد الحالي للعلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا. فقد أعادت مبادرة الحزام والطريق تشكيل مشهد البنية التحتية في القارة، بينما دخلت قوى صاعدة أخرى، مثل الهند، وتركيا، ودول الخليج، إلى ساحة المنافسة.

وقد استفادت الصين، على وجه الخصوص، من تراجع الانخراط الأمريكي لتوسيع نفوذها في أفريقيا، وهو ما جعل البيئة الإستراتيجية أكثر تنافسية، وأبرز الحاجة إلى أن تعيد الولايات المتحدة وأوروبا إثبات أنهما شريكان موثوقان على المدى الطويل.

لكن استعادة هذه المصداقية لن تكون مهمة سهلة.

فالقادة الأفارقة يعبرون باستمرار عن مخاوفهم من الشروط المصاحبة للمساعدات الغربية، وبطء تنفيذ الاستثمارات الموعودة، واستمرار النظرة الأبوية والتهميش في التعامل مع القارة.

كما تزيد ضغوط الهجرة، وعدم الاستقرار في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، والحاجة الملحة إلى تعزيز القدرة على مواجهة التغير المناخي، من تعقيد المشهد الحالي.