بث تجريبي
عبد اللطيف المناوي

اتفاق أم هدنة لتأجيل الانفجار؟

آراء حرة - عبد اللطيف المناوي

التسريبات المتداولة حول مسودة اتفاق أمريكي–إيرانى برعاية وتحرك باكستانى لا تبدو مستحيلة، لكنها أيضًا لا تبدو حتى الآن «اتفاق سلام»، بل تعكس محاولة عاجلة لمنع الانفجار الكامل فى المنطقة. فالمسودة، كما تسرّبت، تحمل ملامح تفاهم مؤقت لإدارة الأزمة أكثر من كونها تسوية نهائية للصراع.

فى الظاهر تبدو البنود منطقية: وقف شامل لإطلاق النار، ضمان حرية الملاحة فى الخليج ومضيق هرمز، وقف الحرب الإعلامية، بدء مفاوضات خلال أيام، ورفع تدريجى للعقوبات مقابل التزامات إيرانية. لكن المشكلة الحقيقية ليست فى صياغة البنود، بل فى ما لم يُذكر فيها بوضوح.

فالملفات التى فجرت الأزمة أصلًا لا تزال غامضة. ماذا عن البرنامج النووى الإيرانى؟ ماذا عن تخصيب اليورانيوم؟ ماذا عن الصواريخ الباليستية؟ ماذا عن أذرع إيران الإقليمية؟ وماذا عن الضمانات الأمنية لإسرائيل ودول الخليج؟

وهنا تظهر طبيعة الاتفاق المحتمل انه محاولة لتجميد التوتر، لا لحله.

امريكا تبدو اليوم أكثر اهتمامًا بمنع حرب شاملة من تحقيق “انتصار كامل”، لإدراكها أن استمرار التصعيد فى الخليج يهدد الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة، ويضع إدارة ترامب تحت ضغط داخلى ودولى متزايد.. ولهذا قد تقبل الإدارة الأمريكية باتفاق مرحلى يحقق ثلاثة أهداف سريعة: وقف تهديد الملاحة، خفض التوتر العسكرى، وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا.

لكن هذا لا يعنى أن واشنطن تخلت عن أهدافها الأساسية تجاه إيران، بل ربما تعيد ترتيب الأولويات فقط. أما إيران فتبدو مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية بسبب حجم الضغوط الاقتصادية والعسكرية التى تواجهها، خاصة مع الحصار البحرى والضربات المتكررة والقلق الداخلى. لكنها فى المقابل لن تقبل بسهولة باتفاق يُظهرها فى موقع «المهزوم». ولهذا تحاول طهران الدفع نحو صيغة تسمح لها بالحفاظ على جوهر مشروعها الاستراتيجى، مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات.

لكن الطرف الأكثر تعقيدًا فى هذه المعادلة هو إسرائيل التى تنظر إلى أى اتفاق لا يتضمن قيودًا صارمة وواضحة على البرنامج النووى الإيرانى باعتباره «تأجيلًا للمشكلة» لا حلًا لها. ولهذا قد تتعامل حكومة نتنياهو، أو أى حكومة إسرائيلية مقبلة، بحذر شديد مع أى تفاهم أمريكي–إيرانى لا يمنح تل أبيب ضمانات أمنية حقيقية.

دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية، فموقفها أكثر تعقيدًا مما يبدو. فهى تريد وقف التصعيد وحماية الملاحة والطاقة، لكنها فى الوقت نفسه تخشى أن يتحول أى اتفاق إلى اعتراف ضمنى بنفوذ إيرانى دائم فى الخليج. ولذلك فإن العواصم الخليجية ستراقب بدقة مسألة «حرية الملاحة» وآليات الرقابة والضمانات الأمنية أكثر من مراقبتها لبنود وقف إطلاق النار نفسها.

وهذا يعنى أن أى اتفاق قادم سيكون على الأرجح «هدنة استراتيجية» قابلة للاهتزاز أكثر من كونه نهاية للصراع. ولهذا ربما يكون الوصف الأدق لما يجرى الآن انه ليس سلامًا حقيقيًا بل محاولة لمنع الانزلاق إلى حرب لا يملك أحد القدرة على تحمل نتائجها.

نقلا عن جريدة المصري اليوم

https://www.almasryalyoum.com/news/details/4276652